في هذه السنة ثار الجند ببغداد بجلال الدولة وأرادوا إخراجه منها فاستنظهرهم ثلاثة أيام فلم ينظروه ورموه بالآجر فأصابه بعضهم واجتمع الغلمان فردوهم منه فخرج من باب لطيف في سمارية متنكرا وصعد راجلا منها إلى دار المرتضى بالكرخ وخرج من دار المرتضى وسار إلى رافع بن الحسين بن مقن بتكريت وكسر الأتراك أبواب داره ودخلوها ونهبوها وقلعوا كثيرا من ساجها وأبوابها فأرسل الخليفة إليه وقرر أمر الجند وأعاده إلى بغداد
ثم دخلت سنة سبع وعشرين وأربعمائة
في هذه السنة سار طائفة من العساكر الخراسانية التي مع الوزير أبي سهل الحمدوني بأصبهان يطلبون الميرة فوضع عليهم علاء الدولة من أطعمهم في الامتياز من النواحي القريبة منه فساروا إليها ولا يعلمون قربه منهم فلما أتاه خبرهم خرج إليهم وأوقع بهم وغنم ما معهم وقوي طمعه بذلك فجمع جمعا من الديلم وغيرهم وسار إلى أصبهان وبها أبو سهل في عساكر مسعود بن سبكتكين فخرجوا إليه وقاتلوه فغدر الأتراك بعلاء الدولة فانهزم ونهب سواده فسار إلى بروجرد ومنها إلى الطرم فلم يقبله ابن السلار وقال لا قدرة لي على مباينة الخراسانية فتركه وسار عنه
في هذه السنة في منتصف شعبان توفي الظاهر لإعزاز دين الله أبو الحسن علي بن أبي علي المنصور الحاكم الخليفة العلوي بمصر وكان عمره ثلاثا وثلاين سنة وكانت خلافته خمس عشرة سنة وتسعة أشهر وسبعة عشر يوما وكان له مصر والشام والخطبة له فافريقية وكان جميل السيرة حسن السياسة منصفا للرعية إلا أنه مشتغل بلذاته محب للدعة والراحة قد فوض الأمور إلى وزيره أبي القاسم علي بن أحمد الجرجائي لمعرفته بكفايته وأمانته ولما مات ولي بعده ابنه أبو تميم معد ولقب المستنصر بالله ومولده بالقاهرة سنة عشر وأربعمائة وفي أيامه كانت قصة البساسيري وخطب له ببغداد سنة خمسين وأربعمائة وكان الحاكم في دولته بدر بن عبد الله الجمال الملقب بالأفضل أمير الجيوش وكان عادلا حسن السيرة وفي سنة تسع وسبعين وصل الحسن بن الصباح الإسماعيلي في زي تاجر إلى المستنصر بالله وخاطبه في إقامته الدعوة له بخراسان وبلاد العجم فأذن له في ذلك فعاد ودعا إليه سرا وقال للمستنصر من إمامي بعدك فقال ابني نزار والإسماعيلية يعتقدون إمامه نزار وسيرد كيف صرف الأمر عنه سنة سبع وثمانين إن شاء الله تعالى
في رجب من هذه السنة اجتمع ابن وثاب وابن عطير وتصاهرا وجمعا وأمدهما نصر الدولة بن مروان بعسكر كثيف وساروا جميعهم إلى السويداء وكان الروم قد أحدثوا عمارتها في ذلك الوقت واجتمع إليها أهل القرى المجاورة لها فحضرها المسلمون وفتحوها عنوة وقتلوا فيها ثلاثة آلاف وخمسمائة رجل وغنموا ما فيها وسبوا خلقا كثيرا وقصدوا الرها فحصروها وقطعوا الميرة عنها حتى بلغ المكوك الحنطة دينارا
واشتد الأمر فخرج البطريق الذي فيها متخفيا ولحق بملك الروم وعرفه الحال فسير معه خمسة آلاف فراس فعاد بهم فعرف ابن وثاب ومقدم عساكر نصر الدولة الحال فكمنا لهم فلما قاربوهم خرج الكمين عليهم فقتل من الروم خلق كثير وأسر مثلهم وأسر البطريق حمل إلى باب الرها وقالوا لمن فيها إما أن تتفحوا البلد لنا وإما قتلنا البطريق والأسرى الذين معه ففتحوا البلد للعجز عن حفظه وتحصن أجناد الروم بالقلعة ودخل المسلمون المدينة وغنموا ما فيها وامتلأت أيديهم من الغنائم والسبي وأكثروا القتل وأرسل ابن وثاب إلى آمد مائة وستين راحلة عليها رؤوس القتلى وأقام محاصرا للقلعة ثم إن حسان بن الجراح الطائي سار في خمسة آلاف فارس من العرب والروم نجده لمن بالرها فسمع ابن وثاب بقربه فسار إليه مجدا ليلقاه قبل وصوله فخرج من الرها من الروم إلى حران فقالتلهم أهلها
وسمع ابن وثاب الخبر فعاد مسرعا فوقع على الروم فقتل منهم كثيرا وعاد المنهزمون إلى الرها
في هذه السنة ورد خلق كثير من أذربيجان وخراسان وطبرستان وغيرها من البلاد يريدون الحج وجعلوا طريقهم على أرمينية وخلاط فوردوا إلى آني ووسطان فثار بهم الأرمن من تلك البلاد وأعانهم السناسنة وهم من الأرمن أيضا إلا أنهم لهم حصون منيعة تجاور خلاط وهم صلح مع صاحب خلاط ولم تزل هذه الحصون بأيديهم منفردين بها إلا أنهم متعاهدون إلى سنة تمانين وخمسمائة فملكها المسلمون منهم وأزالوهم عنها على ما نذكره إن شاء الله تعالى فلما اتفقوا مع الأرمن من رعية البلاد وأخذوا الحاج فقتلوا منهم كثيرا وأسروا وسبوا ونهبوا الأموال وجلوا ذلك أجمع إلى الروم
وطمع الأرمن في تلك البلاد فسمع نصر الدولة بن مروان الخبر فجمع العساكر وعزم على غزوهم فلما سمعوا ذلك ورأوا جده فيه راسله ملك السناسنة وبذل إعادة جميع ما أخذ أصحابه وإطلاق الأسرى والسبي فأجابهم إلى الصلح وعاد عنهم لحصانة قلاعهم وكثرة المضايق في بلادهم ولأنهم بالقرب من الروم فخاف أن يستنجدوهم ويمتنعوا بهم فصالحهم
في هذه السنة اجتمعت زنانة بإفريقية وزحفت في خيلها ورجلها يريدون مدينة المنصوره فلقيهم جيوش المعز بن باديس صاحبها بموضع يقال له الجفنة قريب من القيروان فاقتتلوا قتالا شديدا وانهزمت عساكر المعز ففارقت المعركة وهم على حامية ثم عاودوا القتال وحرض بعضهم بعضا فصبرت صنهاجة وانهزمت زنانة هزيمة قبيحة وقتل منهم عدد كثير وأسر خلق عظيم وتعرف هذه الوقعة بوقعة الجفنه وهي مشهورة لعظمها عندهم
في هذه السنة في رجب انقض كوكب عظيم غلب نوره على نور الشمس وشوهد في آخرها مثل التنين يضرب إلى السود وبقي ساعة وذهب
وفيها كانت ظبمة عظيمة اشتدت حتى إن الإنسان كان لا يبصر جليسه واخذ بأنفاس الخلق
فلو تأخر انكشافها لهلك أكثرهم
وفيها قبض على الوزير أبي سعد بن عبد الرحيم وزير جلال الدولة وهي الوزارة السادسة وفيها في رمضان توفي رافع بن الحسين بن مقن وكان حازما شجاعا وخلف بتكريت ما يزيد على خمسمائة ألف دينار فملكها ابن أخيه خميس بن ثعلب وكان طريدا في أيام عمه وحمل إلى جلال الدولة ثمانين ألف دينار فأصلح بها الجند وكانت يده قد قطعها بعض عبيد بني عمه كان يشرب معه فجرى بينه وبين آخر خصومة وجردوا سيوفهم فقام رافع ليصلح بينهم فضرب العبد يده فقطعها غلطا ولرافع فيها شعر ولم تمنعه من قتال عمل له كفا أخرى يمسك بها العنان ويقاتل وله شعر جيد من ذلك قوله
( لها ريقة أستغفر الله إنها % ألذ وأشهى في النفوس من الخمر )
( وصارم طرف لا يزايل جفنه % ولم أر سيفا قط في جفنه بفري )
( فقلت لها والعيس تحدج بالضحى % أعدي لفقدي ما استطعت من الصبر )
( سأنفق ريعان الشبيبة آنفا % على طلب العلياء أو طلب الأجر )
( أليس من الخسران أن لياليا % تمر بلا نفع وتحسب من عمري )
وفيها في صفر أمر القائم بأمر الله بترك التعامل بالدنانير المغربية وأمر الشهود أن لا يشهدوا في كتاب ابتياع ولا غيره يذكر فيها هذا الصنف من الذهب فعدل الناس إلى القادرية والسابورية والقاسانية
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
