ذكر فتح قلعة سرستي وغيرها من بلد الهند
ص 209
في هذه السنة فتح السلطان مسعود بن محمود بن سبكتكين قلعة سرستي وما جاورها من بلد الهند وكان سبب ذلك ما ذكرناه من عصيان نائبه بالهند أحمد ينالتكين عليه ومسيره إليه فلما عاد أحمد إلى طاعته أقام بتلك البلاد طويلا حتى أمنت واستقرت وقصد قلعة سرستي وهي من أمنع حصون الهند وأحصنها فحصرها وقد كان أبوه حصرها غير مرة فلم يتهيأ له فتحها فلما حصرها مسعود راسله صاحبها وبذل له مالا على الصلح فأجابه إلى ذلك وكان فيها قوم من التجار المسلمين فعزم صاحبها على أخذ أموالهم وحملها إلى مسعود من جملة القرار عليه فكتب التجار رقعة في نشابة ورموا بها إليه يعرفونه فيها ضعف الهنود بها وأنه إن صابرهم ملكها فرجع عن الصلح إلى الحرب وطم خندقها بالشجر وقصب السكر وغيره
وفتح الله عليه وقتل كل من فيها وسبى ذراريهم وأخذ ما جاورها من البلاد وكان عازما على طول المقام والجهاد فأتاه من خراسان خبر الغزو فعاد على ما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر حصر قلعة بالهند أيضا
ص 209
لما ملك مسعود قلعة سرستى رحل عنها إلى قلعة نغسى فوصل إليها عاشر صفر وحصرها فرآها عالية لا ترام يرتد البصر دونها وهو حسير
إلا أنه أقام عليها يحصرها فخرجت عجوز ساحرة فتكلمت باللسان الهندي طويلا وأخذت مكنسة فبلتها بالماء ورشته منها إلى جهة عسكر المسلمين فمرض وأصبح لا يقدر أن يرفع رأسه وضعفت قوته ضعفا شديدا فرحل عن القلعة لشدة المرض فحين فارقها زال ما كان به وأقبلت الصحة والعافية إليه وسار نحو غزنة
ذكر الفتنة بنيسابور
ص 210
لما اشتد أمر الأتراك بخراسان على ما نذكره تجمع كثيرمن المفسدين وأهل العبث والشر وكان أول من أثار الشر أهل أبيورد وطوس واجتمع معهم خلق كثير وساروا إلى نيسابور لينهبوها
وكان الوالي عليها قد سار عنها إلى الملك مسعود فخافهم خوفا عظيما وايقنوا بالهلاك
فبينما هم يترقبون البوار والاستئصال وذهاب الأنفس والأموال إذ وصل إليهم أمير كرمان في ثلاثمائة فارس قدم متوجها إلى مسعود أيضا فاستغاث به المسلمون وسألوه أ ن يقيم عندهم ليكف عنهم الأذى فأقام عليهم وقاتل معهم وعظم الأمر واشتد الحرب وكان الظفر له ولأهل نيسابور فانهزم أهل طوس وأبيورد ومن تبعهم وأخذتهم السيوف من كل جانب وعمل بهم أمير كرمان أعمالا عظيمة وأثخن فيهم وأسر كثيرا منهم وصلبهم على الأشجار وفي الطرق فقيل إنه عدم من أهل طوس عشرون ألف رجل ثم إن أمير كرمان أحضر زعماء قراطوس وأخذ أولادهم وإخوانهم وغيرهم من أهليهم رهائن فأودعهم السجون وقال إن اعترض منكم واحد إلى أهل نيسابور أو غيرهم أو قطع طريقا فأولادكم وإخوانكم ورهائنكم مأخوذون بجناياتكم فسكن الناس وفرج الله عن أهل نيسابور بما لم يكن في حسابهم
ذكر الحرب بين علاء الدولة وعسكر خراسان
ص 210
في هذه السنة اجتمع علاء الدولة بن كاكويه وفرهاذ بن مرداويج واتفق على قتال عسكر مسعود بن محمود سبكتكين وكانت العساكر قد خرجت من خراسان مع أبي سهل الحمدوني فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا صبر فيه الفريقان ثم انهزم علاء الدولة وقتل فرهاذ واحتمى علاء الدولة بجبال بين أصبهان وجرباذقان ونزل عسكر مسعود بكرج وأرسل أبو سهل إلى علاء الدولة يقول له ليبذل المال ويراجع الطاعة ليقره على ما بقي من البلاد ويصلح حاله مع مسعود فترددت الرسل فلم يستقر بينهم أمر فسار أبو سهل إلى أصبهان فملكها وانهزم علاء الدولة من بين يديه لما خاف الطلب إلى ايدج وهي للملك أبي كاليجار ولما استولى أبو سهل على أصبهان نهب خزائن علاء الدولة وأمواله
وكان أبو علي بن سينا في خدمة علاء الدولة فاخذت كتبه وحملت إلى غزنة فجعلت في خزائن كتبها إلى أن أحرقها عساكرها الحسين بن الحسين الغوري على ما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر الحرب بين نور الدولة دبيس وأخيه ثابت
ص 211
في هذه السنة كانت حرب شديدة بين دبيس بن علي بن مزيد وأخيه أبي قوام ثابت بن علي بن مزيد
وسبب ذلك أن ثابتا كان يعتضد بالبساسيري ويتقرب إليه فلما كان سنة أربع وعشرين وأربعمائة سار البساسيري معه إلى قتال أخيه دبيس فدخلوا النيل واستولوا عليه وعلى أعمال نور الدولة فسير نور الدولة إليهم طائفة من أصحابه فقتلوهم فانهزموا فلما رأى دبيس هزيمة أصحابه سار عن بلده وبقي ثابت فيه إلى الآن فاجتمع دبيس وأبو المعز اعناز بن المغر وبنو أسد وخفاجة وأعانه أبو كامل منصور بن قراد وساروا جريدة لإعادة دبيس إلى بلده وأعماله وتركوا حللهم بين خصى وجربى فلما ساروا لقيهم ثابت عند جرجرايا وكانت بينهم حرب قتل فيها جماعة من الفريقين ثم تراسلوا واصطلحوا ليعود دبيس إلى أعماله ويقطع أخاه ثابتا أقطاعا وتحالفوا على ذلك وسار البساسيري نجدة لثابت فلما وصل إلى النعمانية سمع بصلحهم فعاد إلى بغداد
ذكر ملك الروم قلعة بركوى
ص 211
هذه قلعة متخمة للأرمن في يد أبي الهيجاء بن ربيب الدولة ابن أخت وهودان بن مملان فتنافر هو وخاله فأرسل خاله إلى الروم فأطمعهم فيها فسير الملك إليها جمعا كثيرا فملكوها فبغ الخبر إلى الخليفة فأرسل إلى أبي الهيجاء وخاله من يصلح بينهما ليتفقا إلى استعادة القلعة فاصلحا ولم يتمكنا من استعادتها واجتمع إليها خلق كثير من المتطوعة فلم يقدروا على ذلك لثبات قدم الروم بها
ذكر عدت حوادث
ص 211
في هذه ه السنة استوز جلال الدولة عميد الدولة أبا سعد بن عبد الرحيم وهي الوزارة الخامسة وكان قبله في الوزارة ابن ماكولا ففارقها وسار إلى كبرا فرده جلال الدولة إلى الوزارة وعزل أبا سعد فبقي أياما ثم فارقها إلى أوانا وفيها استخلف البساسيري في حماية الجانب الغربي ببغداد لأن العيارين اشتد أمرهم وعظم فسادهم عجز عنهم نواب السلطان فاستعملوا البساسيري لكفايته
نهضته
وفيها توفي أبو سنان غريب بن محمد بن مقن في شهر ربيع الآخر في كرخ سامرا وكان يلقب سيف الدولة وكان قد ضرب دراهم سماها السيفية وقام بالأمر بعده ابنه أبو الريان وخلف خمسمائة ألف دينار وأمر فنودي قد أحللت كل من لي شيء فحللوني كذلك فحللوه وكان عمره سبعين سنة
وفيها توفي بدران بن المقلد وقصد ولده عمه قرواشا فأقر عليه حاله وماله وولاية نصيبين وكان بنو نمير قد طمعوا فيها وحصروها فسار إليهم ابن بدران فدفعهم عنها
وفيها توفي أرمانوس ملك الروم وملك بعده رجل صيرفي ليس من بيت الملك وإنما بنيت قسطنطين اختارته
وفيها كثرت الزلازل بمصر والشام وكان أكثرها بالرملة فإن أهلها فارقوا منازلهم عدة أيام وانهدم منها نحو ثلثها وهلك تحت الهدم خلق كثير وفيها كان بإفريقية مجاعة شديدة وغلاء
وفيها قيض قرواش على البرجمي العيار وغرقه وكان سبب ذلك أن قرواشا قبض على ابن القلعي عامل عكبرا فحضر البرجمي العيار عند قرواش مخاطبا في أمره لمودة بينهما فأخذه قرواش وقبض عليه فبذل مالا كثيرا ليطلقه فلم يفعل وغرقه
وكان هذا البرجمي قد عظم شأنه وزاد شره وكبس عدة مخازن بالجانب الشرقي وكبس دار المرتضى ودار ابن عديسة وهي مجاورة دار الوزير وثار العامة بالخطيب يوم الجمعة وقالوا إما أن تخطب للبرجمي وإلا فلا تخطب لسلطان ولا لغيره وأهلك الناس ببغداد وحكاياته كثيرة وكان مع هذا فيه فتوة وله مروءة لم يعرض إلى امرأة ول إلى من يستسلم إليه
وفيها هبت ريح سوداء بنصيبين فقلعت من بساتينها كثيرا من الأشجار وكان في بعض البساتين قصر مبني بجص وآجر وكلس فقلعته من أصله
وفيها كثر الموت بالخوانيق في كثير من بلاد العراق والشام والموصل وخوزخستان وغيرها حتى كانت الدار يسد بابها لموت أهلها
وفيها في ذي القعدة انقض كوكب هال منظره الناس وبعده بليلتين انقض شهاب آخر أعظم منه كأنه البرق ملاصق الأرض على ضوء المشاعل ومكث طويلا حتى غاب أثره
وفيها توفي أبو العباس الأبيوردي الفقيه الشافعي قاضي البصرة وأبو بكر محمد ابن أحمد بن غالب البرقاني المحدث الإمام المشهور وكانت وفاته في رجب والحسين بن عبد الله بن يحيى أبو علي البندنيجي الفقيه الشافعي وهو من أصحاب أبي حامد الإسفرايني وعبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحرث بن أسد أبو الفرج التميمي الفقيه الحنبلي
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.