الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء الثامن / ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة
33

ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة

الجزء الثامن 9 عنصر صفحة 195
ذكر ملك مسعود بن محمود بن سبكتكن التيز ومكران ص 195

في هذه السنة سير السلطان مسعود بن محمود بن سبكتكين عسكرا إلى التيز فملكها وما جاورها وسبب ذلك أن صاحبها معدان توفي وخلف ولدين أبا العساكر وعيسى فاستبد عيسى بالولاية والمال

فسار أبو العساكر إلى خراسان وطلب من مسعود النجدة فسير معه وأمرهم بأخذ البلاد من عيسى أو الاتفاق مع أخيه على طاعته فوصلوا اليها ودعوا عيسى إلى الطاعة والموافقة فأبى وجمع جمعا كثيرا بلغوا ثمانية عشر ألفا وتقدم إلأيهم فالتقوا فاستأمن من كثير من أصحاب عيسى إلى أخيه أبي العساكر فانهزم عيسى

ثم عاد وحمل من أصحابه فتوسط المعركة فقتل واستولى أبو العساكر على البلاد ونهبها ثلاثة أيام فأجحف بأهلها

ذكر ملك الروم مدينة الرها ص 195

في هذه السنة ملك الروم مدينة الرها

وكان سبب ذلك أن الرها كانت بيد نصر الدولة بن مروان كما ذكرناه فلما قتل عطير الذي كان صاحبها شفع صالح بن مرداس صاحب حلب إلى نصر الدولة ليعيد الرها إلى ابن عطير والى ابن شبل بينهما نصفين فقبل شفاعته وسلمها إلأيهما وكان له في الرها برجان حصينان أحدهما أكبر من الآخر فتسلم ابن عطير الكبير وابن شبل الصغير وبقيت المدينة معهما إلى هذه السنة فراسل ابن عطير أرمانوس مكلك الروم وباعه حصته من الرها بعشرين ألف دينار وعدة قرى من جملتها قرية تعرف إلى الآن بسن ابن عطير وتسلموا البرج الذي له ودخلوا البلد فملكوه وهرب منه أصحاب ابن شبل

وقتل الروم المسلمين وخربوا المساجد وسمع نصر الدولة الخبر فسير جيشا إلى الرها فحصروها وفتحوها عنوة واعتصم من بها من الروم بالبرجين واحتمى النصارى بالبيعة التي لهم وهي أكبر البيع وأحسنها عمارة فحصرهم المسلمون بها وأخرجوهم وقتلوا أكثرهم ونهبوا البلد وبقي الروم في البرجين وسير إليهم عسكرا نحو عشرة آلاف مقاتل فانهزم أصحاب ابن مروان من بين أيديهم ودخلوا البلد وما جاورهم من بلاد المسلمين وصالحهم ابن وثاب النميري على حران وسروج وحمل إلأيهم خراجا

ذكر ملك تسعود بن محمود كرمان وعود عسكره عنها ص 196

وفيها سارت عساكر خراسان إلى كرمان فملكوها وكانت للملك أبي كاليجار فاحتمى عسكره بمدينة بردسير وحصرهم الخراسانيون فيها وجرى بينهم عدة وقائع وأرسلوا إلى الملك أبي كاليجار يطلبون المدد فسير إليهم العادل بهرام بن مافنة في عسكر كثيف ثم إن الذين ببردسير خرجوا إلى الخراسانية فواقعوهم واشتد القتال وصبروا لهم فأجلت الوقعة عن هزيمة الخراسانية وتبعهم الديلم حتة أبعدوا

ثم عادوا إلى بردسير ووصل العادل عقيب ذلك إلى جيرفت وسير عسكره إلى الخراسانية وهم بأطراف البلاد فواقعوهم فانهزم الخراسانية ودخلوا المفازة عائدين إلى خراسان وأقام العادل بكرمان إلى أن أصلح أمورها وعاد إلى فارس

ذكر وفاة القادر بالله وشيء من سيرته وخلافة القائم بأمر الله ص 196

في هذه السنة في ذي الحجة توفي الإمام القادر بالله أمير المؤمنين وعمره ست وثمانون سنة وعشرة أشهر وخلافته إحدى وأربعون سنة وثلاثة أشهر وعشرون يوما وكانت الخلافة قبله قد طمع فيها الديلم والأتراك فلما وليها القادر بالله أعاد جدتها وجدد ناموسها وألقى الله هيبته في قلوب الخلق فأطاعوه أحسن طاعة وأتمها

وكان حليما كريما خيرا يحب الخير وأهله ويأمر به وينهى عن الشر ويبغض أهله وكان حسن الإعتقاد صنف فيه كتابا على مذهب السنة

ولما توفي صلى عليه ابنه القائم بأمر الله

وكان القادر بالله أبيض حسن الجسم كث اللحية طويلها يخضب وكان يخرج من داره في زي العامة ويزور القبور الصالحين معروف وإذا وصل اليه حال أمر فيه بالحق قال القاضي الحسين بن هارون كان بالكرخ ملك ليتيم وكان له فيه قيمة جيدة فأرسل إلى ابن حاجب النعمان وهو حاجب القادر يأمرني أن افك عنه الحجر ليشتري بعض أصحابه ذلك الملك فلم افعل فأرسل يستدعيني فقلت لغلامه تقدمني حتى ألحقك وخفته فقصدت قبر معروف ودعوت الله أن يكفيني شره وهناك شيخ قال لي على من تدعو قذكرت له ذلك ووصلت إلى ابن حاجب النعمان فاغلط لي في القول ولم يقبل عذري فأتاه خادم برقعة ففتحها وقرأها وتغير لونه ونزل من الشدة فاعتذر إلي ثم قال كتبت إلى الخليفة قصتي فقلت لا وعلمت أن ذلك الشيخ كان الخليفة

وقيل كان يقسم إفطاره كل ليلة ثلاثة أقسام فقسم كان يتركه بين يديه وقسم يرسله إلى جامع الرصافة وقسم يرسله إلى جامع المدينة يفرق على المقيمين فيهما فاتفق ان الفراش حمل ليلة الطعام إلى جامع لمدينة ففرقه على الجماعة فأخذوا إلا شابا فإنه رده

فلما وصلوا المغرب خرج الشاب وتبعه الفراش فوقف على باب فاستطعم فأطعموه كسيرات فأخذها وعاد إلى الجامع فقال له الفراش ويحك ألا تستحي ينفذ إليك خليفة الله بطعام حلال فترده وتخرج وتأخذ من الأبواب فقال والله ما رددته فعاد لأنك عرضته على قبل المغرب وكنت غير محتاج إليه فلما احتجت طلبت فعاد الفراش فأخبر الخليفة بذلك فبكى وقال له راع مثل هذا واغتنم أخذه وأقم إلأى وقت الافطار

وقال أبو الحسن الأبهري أرسلني بهاء الدولة إلى القادر بالله في رسالة فسمعته ينشد

( سبق القضاء بكل ما هو كائن % والله يا هذا لرزقك ضامن )

( تعنى بما يفنى وتترك ما به % تغنى كأنك للحوادث آمن )

( أو ما ترى الدنيا ومصرع أهلها % فآعمل ليوم فراقها يا حائن )

( واعلم بأنك لا أبا لك في الذي % أصبحت تجمعه لغيرك خازن )

( يا عامر الدنيا أتعمر منزلا % لم يبق فيه مع المنية ساكن )

( الموت شيء أنت تعلم أنه % حق وأنت بذكره متهاون )

( إن المنية لا تؤامر من أتت % في نفسه يوما ولا تستأذن )

فقلت الحمد لله الذي وفق أمير المؤمنين لإنشاد مثل الأبيات فقال بل لله المنة إذ ألزمنا بذكره ووقفنا لشكره ألم تسمع قول الحسن البصري في أهل المعاصي

وهانوا عليه فعصوه ولو عزوا عليه لعصمهم

ومناقبه كثيرة

ذكر خلافة القائم بأمر الله ص 198

لما مات القادر بالله جلس في الخلافة ابنه القائم بأمر الله أبو جعفر عبد الله وجددت له البيعة وكان أبة ه قد بايع له يولاية العهد سنة إحدى وعشرين كما ذكرناه واستقرت الخلافة له

وأول من بايعه الشريف أبو القاسم المرتضى وأنشده

( فإما مضى جبل وانقضى % فمنك لنا جبل قد رسى )

( وإما فجعنا ببدر التمام % فقد بقيت منه شمس الضحى )

( لنا حزن في محل السرور % وكم ضحك في خلال البكى )

( فيا صارم أغمدته يد % لنا بعدك الصارم المنتضى )

وهي أكثر من هذا

وأرسل القائم بأمر الله قاضي القضاة أبا الحسن الماوردي إلى الملك أبي كاليجار ليأخذ عليه البيعة ويخطب له في بلاده فأجاب وبايع وخطب له في بلاده وأرسل إليه هدايا جليلة وأموالا كثيرة

ذكر الفتنة ببغداد ص 198

في هذه السنة في ربيع الأول تجددت الفتنة ببغداد بين السنية والشيعة

وكان سبب ذلك أن الملقب بالمذكور أظهر العزم على الغزاة واستأذن الخليفة في ذلك فأذن له وكتب له منشورا من دار الخلافة وأعطى علما فاجتمع له لفيف كثير فسار واجتاز بباب الشعير وطاف الحراني وبين يديه الرجال بالسلاح فصاحوا بذكر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وقالوا هذا يوم معاوي فنافرهم أهل الكرخ ورموهم وثارت الفتنة ونهبت دور اليهود لأنهم قيل عنهم أنهم أعانوا أهل الكرخ

فلما كان الغد اجتمع أهل السنة من الجانبين ومعهم كثير من الأتراك وقصدوا الكرخ فأحرقوا وهدموا الأسواق وأشرف أهل الكرخ على خطة عظيمة

وأنكر الخليفة ذلك إنكارا شديدا ونسب إليهم تخريق علامته التي مع الغزاة فركب الوزير فوقعت في صدره آجرة فسقطت عمامته وقتل من أهل الكرخ جماعة وأحرق وخرب في هذه الفتنة سوق العروس وسوق الصفارين وسوف الأنماط وسوق الدقاقين وغيرها

واشتد الأمر فقتل العامة الكلالكي وكان ينظر في المعونة وأحرقوه

ووقع القتال في أصقاع البلد من جانبيه واقتتل أهل الكرخ ونهر طابق والقلائين وباب البصرة وفي الجانب الشرقي أهل سوق الثلاثاء وسوق يحيى وباب الطاق والأساكفة والرهادرة ودرب سليمان فقطع الجسر ليفرق بين الفريقين ودخل العيارون البلد وكثر الاستقفاء والعملات ليلا ونهارا وأظهر الجند كراهة الملك جلال الدولة وأرادوا قطع خطبته ففرق فيهم مالا وحلف لهم فسكنوا

ثم عادوا الشكوى إلى الخليفة منه وطلبوا أن يأمر بقطع خطبته فلم يجبهم إى ذلك فامتنع حينئذ جلال الدولة من الجلوس وضربه النوبة أوقاتالصوات وانصرف الطبالون للقطاع الجاري لهم ودامت هذه الحال إلى عيد الفطر فلم يضرب بوق ولا طبل ولا أظهرت الزينة وزاد الاختلاط ثم حدث في شوال فتنة بين أصحاب الأكسية وأصحاب الخلعات فخرجوا واعترض أهل الشرم ودام إلى ذي الحجة فنودي في الكرخ بإخراج العيارين فخرجوا واعترض أهل باب البصرة قوما من قم أرادوا زيارة مشهد علي والحسين عليهما السلام فقتلوا منهم ثلاثة نفر وامتنعت زيارة مشهد موسى بن جعفر

ذكر ملك الروم قلعة أفامية ص 199

ف هذه السنة ملك الروم قلعة أفامية بالشام وسبب ملكها أن الظاهر خلبفة مصر سير إلى الشام الدزبري وزير فملكه وقصد حسان بن المفرج الطائي فألح في طلبه فرهب منه ودخل بلد الروم ولبس خلعه ملكهم وخرج من عنده وعلى رأسه علم فيه صليب ومعه عسكر كثير فسار إلى أفامية فكسبها وغنم ما فيها وسبى أهلها وأسرهم وسير الدزبري إلى اللبلاد يستنفر الناس للغزو

ذكر الوجشة بين بارسطغان وجلال الدولة ص 200

اجتمع أصاغر الغلمان هذه السنة إلى جلال الدولة وقالوا قد هلكنا فقرا وجوعا وقد استبد القواد بالدولة والأموال عليك وعلينا بارسطغان ويلدرك قد أفقرانا وأفقراك أيضا

فلما بلغهما ذلك امتنعا من الركوب إلى جلال الدولة واستوحشا وأرسل إليهما الغلمان يطابلونهما بمعلومهم فاعتذر بضيق أيديهما عن ذلك وسارا إلى المدائن فندم الأتراك على ذلك وأرسل إليهما جلال الدولة مؤيد الملك الرخجي والمرتضى وغيرهما فرجعا وزاد تسحب الغلمان على جلال الدولة إلى أن نهبوا من داره فرشا وآلات ودواب وغير ذلك فركب وقت الهاجرة إلى دار الخلافة ومعه نفر قليل من الركابية والغلمان وجمع كثير من العامة وهو سكران فانزعج الخليفة حضوره

فلما علم الحال أرسل اليه يأمره بالعودة إلى داره ويطيب قلبه فقبل قربوس سرجه ومسح حائط الدار بيده وأمرها على وجهه وعاد إلى داره والعامة معه

ذكر عدة حوادث ص 200

في هذه السنة قبل قاضي القضاة أبو عبد الله بن ماكولا شهادة أبي الفضل محمد بن عبد العزيز بن الهادي والقاضي أبي الطيب الطبري

وأبي الحسين بن المهتدي

وشهد عنده أبو القاسم بن بشران وكان قد ترك الشهادة قبل ذلك

وفيها فوض مسعود بن محمود بن سبكتكين إمارة وهمذان والجبال إلى تاش فراش وكتب له عامل نيسابور بإنفاق الأموال على حشمه ففعل ذلك وسار إلى عمله وأساء السيرة فيه

وفيها في رجب أخرج الملك جلال الدولة دوابه من الأصطبل وهي خمس عشرة دابة وسيبها في الميدان يغير سائس ولا حافظ ولا علف ذلك لسببين أحدهما عدم العلف والثاني أن الأتراك كانوا يلتمسون دوابه ويطلبونها كثيرا فضجر منهم فأخرجها وقال هذه دوابي منها خمس لمركوبي والباقي لأصحابي ثم صرف حواشيه وفراشيه وأتباعه وأغلق باب داره لانقطاع الجاري له

فثارت لذلك فتنة بين العامة والجند وعظم الأمر وظهر العيارون وفيها عزل عميد الدولة وزير جلال الدولة ووزر بعده أبو الفتح محمد بن الفضل بن أردشير فبقي أياما ولم يستقم أمره فعزل ووزره بعده أبو اسحاق إبراهيم بن أبي الحسيسن وهو ابن أخي أبي الحسين السهلي وزير مأمون صاحب خوارزم فبقي في الوزارة خمسة وخمسين يوما وهرب

وفيها توفي عبد الوهاب بن علي بن نصر أبو نصر الفقيه المالكي بمصر وكان ببغداد ففارقها إلى مصر عن ضائقة فأغناه المغاربة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.