ذكر ملك مسعود بن محمود بن سبكتكين همذان
ص 185
في هذه السنة سير مسعود بن يمين الدولة محمود جيشا إلى همذان فملكوها وأخرجوا نواب علاء بن كاكويه عنها
وسار إلى أصبهان فلما فاربها فارقها علاء الدولة فغنم مسعود ما كان له بها من دواب وسلاح وذخائر فإن علاء الدولة أعجل عن أخذه فلم يأخذ إلا بعضه وسار إلى خوزستان فبلغ إلى تستر ليطلب من الملك أبي كاليجار نجدة ومن الملك جلال الدولة ويعود إلى بلاده يستنقذها فبقي عند أبي كاليجار مدة وهو عقيب انهزامه من جلال الدولة ضعيف ومع هذا فهو يعده النصرة وتسيير العساكر إذا اصطلح هو وجلال الدولة فبينما هو عنده إذ أتاه خبر وفاة يمين الدولة محمود ومسير مسعود إلى خراسان فسار علاء الدولة إلى بلاده على ما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر غزوة للمسلمين إلى الهند
ص 185
في هذه السنة غزا أحمد بن ينالتكين النائب عن محمود بن سبكتكين ببلاد الهند مدينة للهنود هي من أعظم مدنهم يقال لها نرسى ومع أحمد نحود مائة ألف فارس وراجل وشن الغارة على البلاد ونهب وسبى وخرب الأعمال وأكثر القتل والاسر فلما وصل إلى المدينة دخل من أحد جوانبها ونهب السلمون في ذلك الجانب يوما من بكرة إلى آخر النهار ولم يفرغوا من نهب سوق العطارين والجوهريين حسب وباقي أهل البلد لم يعلموا بذلك لأن طوله منزل من منازل الهنود وعرضه مثله فلما جاء المساء بم يجسر أحد على المبيت فيه لكثرة أهله فخرج منه ليأمن على نفسه وعسكره وبلغ من كثرة ما نهب المسلمون أنهم اقتسموا الذهب والفضة كيلا ولم يصل إلى هذه المدينة عسكر المسلمين قبله ولا بعده فلما فارقه أراد العود إليه فلم يقدر على ذلك منعه أهله عنه
ذكر ملك بدران بن المقلد نصيبين
ص 186
قد ذكرنا محاصرة بدران نصيبين وأنه رحل عنها خوفا من قرواش فلما رحل شرع في إصلاح الحال معه فاصطلحا ثم جرى بين قرواش ونصر الدولة بن مروان نفرة كان سببها أن نصر الدولة كان قد تزوج ابنة قرواش فآثر عليها غيرها فأرسلت إلى أبيها تشكو منه فأرسل يطلبها إليها فسيرها فأقامت بالموصل ثم ان ولد مستحفظ جزيرة ابن عمر وهي لابن مروان هرب إلى قرواش وأطعمه في الجزيرة فأرسل إلى نصر الدولة يطلب من صداق ابنته وهو عشرون ألف دينار ويطلب الجزيرة لنفقتها ويطلب نصيبين لأخيه بدران ويحتج بما أخرج بسببها عام أول وترددت الرسل بينهما في ذلك فلم يستقر حال فسير جيشا لمحاصرة الجزيرة وجيشا مع أخيه بدران إلى نصيبين فحصرها بدران وأتاه قرواش فحصرها معه
فلم يملك واحد من البلدين وتفرق من كان معه من العرب والأكراد فلما رأى بدران تفرق الناس عن أخيه سار إلى نصر الدولة بن مروان بميافارقين يطلب منه نصيبين فسلمها وأرسل من صداق ابنه قرواش خمسة عشر ألف دينار واصطلحا
ذكر ملك أبي الشوك دقوقا
ص 186
وفيها حصر أبو الشوك دقوقا وبها مالك بن بدران بن المقلد العقيلي فطال حصاره وكان قد أرسل إليه يقول له إن هذه المدينة كانت لأبي ولا بد لي منها والصواب أن تنصرف عنها
فامتنع من تسليمها فحصره بها ثم استظهر وملك البلد فطلب منه مالك الأمان على نفسه وماله وأصحابه فأمنه على نفسه حسب فلما خرج إليه مالك قال له أبوك الشوك قد كنت سألتك أن تسلم البلد طوعا وتحقن دماء المسلمين فلم تفعل
فقال لو فعلت لعيرتني العرب وأما الآن فلا عار علي فقال أبو الشوك إن من إتمام الصنيعة تسليم مالك وأصحابك إليك فأعطاه ما كان له اجمع فأخذه وعاد سالما
ذكر وفاة يمين الدولة محمود بن سبكتكين وملك ولده محمد
ص 187
في هذه السنة في ربيع الآخر توفي يمين الدولة أبو القاسم محمود بن سبكتكين ومولده يوم عاشوراء سنة ستين وثلاثمائة وقيل إنه توفي في أحد عشر صفر وكان مرضه سوء مزاج وإسهالا وبقي كذلك نحو سنتين وكان قوي النفس لم يضع جنبه في مرضه بل كان يستند إلى مخدته فأشار عليه الأطباء بالراحة وكان يجلس للناس بكرة وعشية فقال أتريدون أن أعتزل الأمارة فلم يزل كذلك حتى توفي قاعدا فلما حضره الموت أوصى بالملك لابنه محمد وهو ببلخ وكان أصغر ى من مسعود إلا أنه كان معرضا عن مسعود لأن أمره لم يكن عنده نافا وسعى بينهما أصحاب الأغراض فزادوا أباه نفورا عنه فلما وصى بالملك لولده محمد توفي فخطب لمحمد من أقاصي الهند إلى نيسابور وكان لقبه جلالا الدولة وأرسل إليه أعيان دولة أبيه يخبرونه بموت أبيه ووصيته له بالملك ويستدعونه ويحثونه على السرعة ويخوفونه من أخيه مسعود فحين بلغه تاخبر سار إلى غزنة فوصلها بعد موت أبيه بأربعين يوما فاجتمعت العساكر على طاعته وفرق فيهم الأموال والخلع النفيسة فأسرف في ذلك
ذكر ملك مسعود وخلع محمد
ص 187
لما توفي يمين الدولة كان ابنه مسعود بأصبهان فلما بلغه الخبر سار إلى خراسان واستخلف بأصبهان بعض أصحابه في طائفة من العسكر فحين فارقها ثار أهلها بالوالي عليهم بعده فقتلوه وقتلوا من معه من الجند وأتى مسعودا الخبر فعاد إليها وحصرها وفتحها عنوة وقتل فيها فأكثر ونهب الأموال واستخلف فيها رجلا كافيا وكتب إلى أخيه محمد يعلمه بذلك وأنه لا يريد من البلاد التي وصى له أبوه بها شيئا وأنه يكتفي بما فتحه من بلاد طبرستان وبلد الجبل وأصبهان وغيرها ويطلب منه الموافقة وأن يقدمه في الخطبة على نفسه فأجابه محمد جواب مغالط وكان مسعود قد وصل إلى الري فأحسن إلى أهلها وسار منها إلى نيسابور ففعل مثل ذلك
وأما محمد فأنه أخذ على عسكره العهود والمواثيق على المناصحة له والشد منه وسار في عساكره إلى أخيه مسعود محاربا له وكان بعض عساكره يميل إلى أخيه مسعود لكبره وشجاعته ولأنه قد اعتاد التقدم على الجيوش وفتح البلاد وبعضها يخافه لقوة نفسه
وكان محمد قد جعل مقدم جيشه عمه يوسف بن سبكتكين فلما هم بالركوب في داره بغزنة ليسير سقطت قلنسوته من رأسه فتطير الناس من ذلك وأرسل إليه التونتاش صاحب خوارزم وكان من أعيان أصحاب أبيه محمود يشير عليه بموافقة أخيه وترك مخالفته فلم يضغ إلى قوله وسار فوصل إلى تكتاباذ أول يوم من رمضان وأقام إلى العيد فعيد هناك فلما كان ليلة الثلاثاء ثالث شوال ثار به جنده فأخذوه وقيدوه وحبسوه وكان مشغولا بالشرب واللعب عن تدبير المملكة والنظر في أحوال الجند والرعايا وكان الذي سعى في إخذاله علي خويشاوند صاحب أبيه وأعانه على ذلك عمه يوسف بن سبكتكين فلما قبضوا عليه نادوا بشعار أخيه مسعود ورفعوا محمد إلى قلعة تكتاباذ وكتبوا إلى مسعود بالحال فلما وصل هراة لقيته العساكر مع الحاجب علي خويشاوند فلما لقيه الحاجب علي قبض عليه وقتله
وقبض بعد ذلك أيضا على عمه يوسف وهذه عاقبة الغدر وهما سعيا له في رد الملك إله
وقبض بعد ذلك أيضا على جماعة من أعيان القوات في أوقات متفرقة وكان اجتماع الملك له واتفاق الكلمة عليه في ذي القعدة وأخرج الوزير أبا القاسم أحمد بن الحسن الميمندي الذي كان وزير أبيه من محبسه واستوزره ورد الأمر إليه وكان أبوه قد قبض عليه سنة اثنتي عشرة وأربعمائة لأمور أنكرها وقيل شره في ماله وأخذ منه لما قبض عليه مالا وأعراضا بقيمة خمسة آلاف ألف دينار وكان وصول مسعود إلى غزنة ثامن جمادى الآخرة من سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة فلما وصل إليها وثبت ملكه بها أتته رسل الملوك من سائر الأقطار إلى بابه واجتمع له ملك خراسان وغزنة وبلاد الهند والسند وسجستان وكرمان ومكران والري وأصبهان وبلاد الجبل وغير ذلك وعظم سلطانه وخيف جانبه
ذكر بعض سيرة يمين دولة
ص 188
كان يمين الدولة محمود بن سبكتكين عاقلا
دينا خيرا عنده علم ومعرفة
وصنف له كثير من الكتب في فنون العلم وقصده العلماء من أقطار البلاد وكان يكرمهم ويقبل عليهم ويعظمهم ويحسن إليهم
وكان عادلا كثير الإحسان إلى رعيته والرفق بهم كثير الغزوات ملازما للجهاد
وفتوحه مشهورة مذكورة وقد ذكرنا منها ما وصل إلينا بعد الدهر وفيه ما يستدل به على بذل نفسه لله تعالى واهتمامه بالجهاد ولم يكن فيه ما يعاب إلا أنه كان يتوصل إلى أخد الاموال بكل طريق فمن ذلك أنه بلغه أن انسانا من نيسابور كثير المال عظيم الغنى فأحصره إلى غزنة وقال له بلغنا أنك قرمطي فقال لست بقرمطي ولي مال يؤخذ منه ما يراد وأعفى من هذا الاسم فأخذ منه مالا وكتب معه كتابا بصحة اعتقاده وجدد عمارة المشهد بطوس الذي فيه قبر علي بن موسى الرضا والرشيد وأحسن عمارته وكان أبوه سبكتكين أخربه وكان أهل طوس يؤذون من يزوره فمنعهم عن ذلك وكان سبب فعله أنه رأى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في المنام وهو يقول له إلى متى هذا فعلم أنه يريد أمر المشهد فأمر بعمارته وكان ربعة مليح اللون حسن الوجه صغير العينين أحمر الشعر وكان ابنه محمد يشبهه وكان ابنه مسعود ممتلئ البدن طويلا
ذكر عود علاء الدولة إلى أصبهان وغيرها وما كان منه
ص 189
لما مات محمود بن سبكتكين طمع فناخسرو بن مجد الدولة بن بويه في الري وكان قد هرب منها لما ملكها عسكر يمين الدولة محمود فقصد قصران وهي حصينة فامتنع بها فلما توفي يمين الدولة وعاد ابنه مسعود إلى خراسان جمع هذا فناخسرو جمعا من الديلم الأكراد وغيرهم وقصدوا الري فخرج إليه نائب مسعود بها ومن معه من العسكر فانهزم منهم وعاد إلى بلده وقتل جماعة من عسكره ثم إن علاء الدولة بن كاكويه لما بلغه وفاة يمين الدولة كان بخوزستان عند الملك أبي كاليجار كما ذكرنا وقد أيس من نصره وتفرق بعض من عنده من عسكره وأصحابه والباقون على عزم مفارقته وهو خائف من مسعود أن يسير إليه من أصبهان فلا يقوى هو وأبو كاليجار به فأتاه من الفرج بموت يمين الدولة ما لم يكن حسابه
ولما سمع الخبر سار إلى أصبهان فملكها وملك همذان وغيرها من البلاد وسار إلى الري فملكها وامتد إلى أعمال أنوشروان بن منوجهر بن قابوس فأخذ منه خوار الري ودنباوند وكتب أنوشروان إلى مسعود يهنئه بالملك وسأله تقرير الذي عليه بمال يحمله فأجابه إلى ذلك وسير إليه عسكرا من خراسان فساروا إلى دنباوند فاستعادوها وساروا نحو الري فأتاهم المدد والعساكر وممن أتاهم علي بن عمران فكثر جمعهم فحصروا الري بها وبها علاء الدولة فاشتد القتال في بعض الأيام فدخل العسكر الري قهرا والفيلة معهم فقتل جماعة من أهل الري والديلم ونهبت المدينة وانهزم علاء الدولة وتبعه بعض العسكر وجرحه في رأسه وكتفه فالقى لهم دنانير كات معه فاشتغلوا بها عنه فنجا وسار إلى قلعة فردجان على خمسة عشر فرسخا من همذان فأقام بها إلى أن برأ من جراحته وكان من أمره ما نذكره ان شاء الله تعالى وخطب بالري وأعمال أنوشروان لمسعود فعظم شأنه
ذكر الحرب بين عسكر جلال الدولة وأبي كاليجار
ص 190
في هذه السنة في شوال سير جلال الدولة عسكرا إلى المذار وبها عسكر أبي كاليجار فالتقوا واقتتلوا فانهزم عسكر أبي كاليجار واستولى أصحاب جلال الدولة على المذار وعملوا بأهلها كل محظور
فلما سمع أبو كاليجار الخبر سير إليهم عسكرا كثيفا فاقتتلوا بظاهر البلد فانهزم عسكر جلال الدولة وقتل أكثرهم وثارأهل البلد بغلمانهم فقتلوهم ونهبوا أموالهم لقبيح سيرتهم كانت معهم وعاد من سلم من المعركة إلى واسط
ذكر الحرب بين قرواش وغريب بن مقن
ص 190
في هذه السنة في جمادى الأولى اختلف قرواش وغريب بن مقن وكان سبب ذلك أن غريبا جمع جمعا كثيرا من العرب والاكراد واستمد جلال الدولة فأمده بجملة صالحة من العسكر فسار إلى تكريت فحصرها وهي لأبي المسيب رافع بن الحسين وكان قد توجه إلى الموصل وسأل قرواشا النجدة فجمعا وحشدا وسارا منحدرين فيمن معهما فبلغا الدكة وغريب يحاصر تكريت وقد ضيق على من بها وأهلها يطلبون منه الأمان فلم يؤمنهم فحفظوا وقاتلوا أشد قتلا
فلما بلغه وصول قرواش ورافع سار إليهم فالتقوا بالدكة واقتتلوا فغدر بغريب بعض من معه ونهبوا سواده وسواد الأجناد الجلالية فانهزم وتبعهم قرواش
ورافع ثم كفوا عنه وعن أصحابه ولم يتعرضوا إلى حلته وما له فيها وحفظوا ذلك أجمع ثم إنهم تراسلوا واصطلحوا وعادوا إلى ما كانوا عليه من الوفاق
ذكر خروج الروم إلى الشام وانهزامه
ص 191
في هذه السنة خرج ملك الروم من القسطنطينية في ثلاثمائة ألف مقاتل إلى الشام فلم يزل بعساكره حتى بلغوا قريب حلب وصاحبها شبل الدولة نصر بن صالح بن مرادس فنزلوا على يوم منها فلحقها عطش شديد وكان الزمان صيفا وكان أصحابه مختلفين عليه فمنهم من يحسده ومنهم من يكرهه وممن كان معه ابن الدوقس وهو من أكابرهم وكان يريد هلاك الملك ليملك بعده
فقال الملك الرأي أن نقيم حتى تجيء الأمطار وتكثر المياه فقبح ابن الدوقس هذا الرأي وأشار بالإسراع قصد الشر يتطرق إليه ولتدبير كان قد دبره عليه فسار ففارقه ابن الدوقس وابن لؤلؤ في عشرة آلاف فارس وسلكوا طريقا آخر فخلا بالملك بعض أصحابه وأعلمه أن ابن الدوقس وابن لؤلؤ قد حالفا أربعين رجلا هو أحدهم على الفتك به فاستشعر من ذلك وخاف ورحل من يومه راجعا ولحقه ابن الدوقس وسأله عن السبب الذي أوجب عوده فقال له قد اجتمعت علينا العرب وقربوا منا وقبض في الحال على ابن الدوقس وابن لؤلؤ وجماعة معهما فاضطرب الناس واختلفوا ورحل الملك وتبعهم العارب وأهل السواد حتى الأرمن يقتلون وينهبون وأخذوا من الملك أربعمائة بغل محملة مالا وثيابا وهلك كثير من الروم عطشا ونجا الملك وحده ولم يسلم معه من أمواله وخزائنه شيء البتة وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا
وقيل في عوده غير ذلك وهو أن جمعا من العرب ليس بالكثير عبر على عسكره وظن الروم أنها كبسة فلم يدروا ما يفعلون حتى أن ملكهم لبس خفا أسود وعادة ملوكهم لبس الخف الأحمر فتركه ولبس الأسود ليعمى خبره على من يريده وانهزموا وغنم المسلمون جميع ما كان معهم
ذكر مسير أبي علي بن ماكولا إلى البصرة وقتله
ص 191
لما استولى الملك جلال الدولة على وسط وجعل ولده فيها وسير وزيره أبا علي بن ماكولا إلى البطائح والبصرة ليملكها فملك البطائح وسار إلى البصرة في الماء وأكثر من السفن والرجال وكان بالبصرة أبو منصور بختيار بن علي نائبا لأبي كاليجار فجهز جيشا في أربعمائة سفينة وجعل عليهم أبا عبد الله الشرابي الذي كان صاحب البطيحة وسيرة فالتقى هو والوزير أبو علي فعند اللقاء والقتال هبت ريح شمال كانت على البصريين ومعونة للوزير فانهزم البصريون وعادوا إلى البصرة فعزم بختيار على الهرب إلى عبادان فمنعه من سلم عنده من عسكره فأقام متجلدا وأشار جماعة على الوزير أبي علي أن يجعل الانحدار ويغتنم الفرصة قبل أن يعود بختيار بجمع فلما اربهم وهو في ألف وثلاثمائة عدد نمن السفن سير بختيار ما عنده من السفن وهي نحو ثلاثين قطعة وفيها المقاتلة وكان قد سير عسكرا آخر في البر وكان له في فم نهر أبي الخصيب نحو خمسمائة قطعة فيها ماله ولجميع عسكره من المال ولأثاث والأهل فلما تقدمت سفنه صاح من فيها وأجابه من في السفن التي فيها أهلوهم واموالهم وورد عليهم العسكر الذين في البر فقال الوزير لمن أشار عليه بمعاجلة بختيار ألستم زعمتم أنه في خف من العسكر وأن معالجته أولى ورأى الدنيا مملوءة عساكر فهونوا عليه الأمر فغضب وأمر بإعادة السفن إلى شاطئ إلى الغد ويعود إلى القتال فلما أعاد سفنه ظن أصحابه أنه قد انهزم فصاحوا الهزيمة فكانت هي
وقيل بل لما أعاد سفنه لحقهم من في بختيار وصاحوا الهزيمة وأجابهم من في البر من عسكر بختيار ومن في سفنهم التي فيها أموالهم فانهزم أبو علي حقا وتبعه أصحاب بختيار وأهل السواد ونزل بختيار في الماء واستصرخ الناس وسار في آثارهم يقتل ويأسر وهم يغرقون فلم يسلم من السفن كلها أكثر من خمسين قطعة وسار الوزير أبو علي منهزما فأخذ أسيرا وأحضر عند بختيار فأكرمه وعظمه وجلس بين يديه وقال له ما الذي تشتهي أن أفعل معك قال ترسلني إلى الملك أبي كاليجار فأرسله إليه فأطلقه فاتفق أن غلاما له وجارية اجتمعا على فساد فعلم بهما وعرفا أنه قد علم حالهما فقتلاه بعد أسره بنحو من شهر وكان قد أحدث في ولايته رسوما جائرة وسن سننا سيئة منها جباية سوق الدقيق ومقالي الباذنجان وسميريات المشارع ودلالة ما يباع من الأمتعة وأجر الحمالين الذين يرفعون التمور إلى السفن وبما يعطيه الذباحون لليهود فجرى في ذلك مناوشة بين العامة والجند
ذكر استيلاء عسكر جلال الدولة على البصرة وأخذها منهم
ص 193
لما انحدروا الوزير أبو علي بن ماكولا إلى البصرة على ما ذكرناه لم يستصحب معه الأجناد البصريين الذين مع جلال الدولة تأنيسا للديلم الذين بالبصرة فلما أصيب على ما ذكرنا تجهز هؤلاء البصريون وانحدروا إلى البصرة فوصلوا إليها وقاتلوا من بها من عسكر أبي كاليجار فانهزم عسكر أبي كاليجار ودخل عسكر جلال الدولة البصرة في شعبان واجتمع عسكر أبي كاليجار بالأبلة مع يختيار فأقاموا بها يستعذون للعود وكتبوا إلى أبي كاليجار يستمدونه فسير إليهم عسكرا كثيرا مع وزير ذي السعادات أبي الفرج بن فسانجس فقدموا إلى الأبلة واجتمعوا مع بختيار في ووقع الشروع في قتال من بالبصرة من أصحاب جلال لاالدولى فسير بختيار جمعا كثيرا في عدة من السفن فقاتلوهم فنصر أصحاب جلال الدولة عليهم وهزموهم فوبخهم بختيار وسار من وقته في العدد الكثير والسفن الكثثرة فاقتتلوا واشتد القتال فانهزم يختيار وقتل من أصحابه جماعة كثيرة وأخذ هو فقتل من غير قصد لقتله وأخذوا كثيرا من سفنه وعاد كل فريق إلى موضعه وعزم الأتراك على أصحاب جلال الدولة على مباكرة الحرب وإتمام الهزيمة وطالبوا العامل الذي على البصرة بالمال فاختلفوا وتنازعوا في الاقطاعات فأصعد ابن المعز الني صاحب البطيحة فسار إليه جماعة من الأتراك الواسطيين ليردوه فلم يرجع فتبعوه وخاف من بقي يعضهم من بعض أن لا يناصحوهم ويسلموهم عند الحرب فتفرقوا واستأمن بعضهم إلى ذي السعادات وقد كان خائفا منهم فجاءه ما لم يقدره من الظفر ونادى من بقي بالبصرة بشعار أبي كاليجار فدخلها عسكره وأرادوا نهبها فمنعهم ذو السعادات
ذكر غزو فضلون الكردي الخزر وما كان منه
ص 193
كان فضلون الكردي هذا بيده من أذربيجان قد استولى عليها وملكها فاتنق أنه غزا الخزر هذه السنة فقتل منهم وسبى وغنم شيئا كثيرا
فلما عاد إلى بلده أبطأ في سيره وأمل الستظهار في أمره ظنا قد دوخهم زشغلهم بما عمله بهم فاتبعوه مجدين وكبسوه وقتوا من أصحابه والمطوعة الذين معه أكثر من عشرة آلاف قتيل واستردوا الغنائم التي أخذت منهم وغنموا أموال العساكر الإسلاميه وعادوا
ذكر البيعة لولي العهد
ص 194
في هذه السنة مرض القادر بالله وأرجف بموته فجلس جلوسا عاما وأذن للخاصة والعامة فوصلوا إليه فلما اجتمعوا قام الصاحب أبو الغنائم فقال خدم مولانا أمير المؤمنين داعون له بإطالة البقاء وشاكرون لما بلغهم من نظره لهم وللمسلمين باختيار الأمير أبي جعفر بولاية العهد فقال الخليفة للناس قد أذنا في العهد له وكان أراد أن يبايع له قبل ذلك فثناه عنه أبو الحسن بن حاجب النعمان
فلما عهد إليها القيت الستارة وقعد أبو جعفر على السرير الذي كان قائما عليه وخدمه الحاضرون وهنأوه وتقدم أبو الحسن بن حاجب النعمان فقبل يده وهنأه فقال ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال يعرض له بإفساده رأي الخليفة فيه فأكب على تقبيل قدمه وتعفير خده بين يديه والاعتذار فقبل عذره
ودعي له على المنابر يوم الجمعة لتسع بقين من جمادى الاولى
ذكر عدة حوادث
ص 194
في هذه السنة استوزر جلال الدولة أبا سعد بن عبد الرحيم بعد ابن ماكولا ولقبه عميد الدولة
وفيها توفي أبو الحسن النعمان بن حاجب ومولده سنة أربعين وثلاثمائة وكان خصيصا بالقادر بالله حاكما في دولته كلها
وكتب له وللطائع أربعين سنة
وفيها ظهر متلصصة ببغداد من الأكراد فكانوا يسرقون دواب الأتراك فنقل الاتراك خيلهم إلى دورهم
ونقل جلال الدولة دوابه إلى بيت في دار المملكة
وفيها توفي أبو الحسن بن عبد الوارث الفسوي النحوي بفسا وهو نسيب أبي علي الفارسي
وفيها توفي أبو محمد الحسن بن يحيى العلوي النهر سابس الملقب بالكافي وكان موته بالكوفة وفيها في رجب جاء في غزنة سيل عظيم أهلك الزرع والضرع وغرق كثيرا من الناس لا يحصون وخرب الجسر الذي بناه عمرو بن الليث وكان هذا الحادث عظيما
وفيها في رمضان تصدق مسعود بن محمود بن سبكتكين في غزنة بألف درهم وأدر على الفقراء من العلماء والرعايا إدرارات كثيرة
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.