ذكر ملك يمين الدولة الري وبلد الجبل
ص 169
في هذه السنة سار يمين الدولة محمود بن سبكتكين نحو الري فانصرف منوجهر بن قابوس من بين يديه وهو صاحب جرجان وطبرستان وحمل إليه أربعمائة ألف دينار وأنزلا كثيرة وكان مجد الدولة بن فخر الدولة بن بويه صاحب الري قد كاتبه يشكو إليه جنده وكان متشاغلا بالنساء ومطالعة الكتب ونسخها وكانت والدته تدبر مملكته فلما توفيت طمع جنده فيه واختلفت أحواله فحين وصلت كتبه إلى محمود سير إليه جيشا وجعل مقدمتهم حاجبه وأمره أن يقبض إلى مجد الدولة
فلما وصل العسكر إلى الري ركب مجد الدولة يلتقيهم فقبضوا عليه وعلى أبي دلف وولده
فلما انتهى الخبر إلى يمين الدولة بالقبض عليه سار إلى الري فوصلها في ربيع الآخر ودخلها وأخذ من الأموال الف الف دينار ومن الجواهر ما قيمته خمسمائة ألف دينار ومن الثياب ستة آلاف ثوب ومن الآلات وغيرها ما لا يحصى وأحضر مجد الدولة وقال له أما قرأت شاه نامه وهو تاريخ الفرس وتاريخ الطبري وهو تاريخ المسلمين قال بلى
قال ما حالك حال من قرأها أما لعبت بالشطرنج قال بلى
قال فهل رأيت شاها يدخل على شاه قال لا
قال فما حملك على ان سلمت نفسك إلى من هو أقوى منك ثم سيره إلى خراسان مقبوضا
ثم ملك قزوين وقلاعها ومدينة ساوة وآبه ويافت وقبض على صاحبها ولكين بن وندرين وسيره إلى خراسان
ولما ملك محمود الري كتب إلى الخليفة القادر بالله يذكر أنه وجد لمجد الدولة من النساء الحرائر ما يزيد على خمسين امرأة ولدن له نيفا وثلاثين ولدا
ولما سئل عن ذلك قال هذه عادة سلفي وصلب من أ صحابه الباطنية خلقا كثيرا ونفى المعتزلة إلى خراسان وأحرق كتب الفلسفة ومذاهب الاعتزال والنجوم وأخذ من الكتب ما سوى ذلك مائة حمل وتحصن منه منوجهر بن قابوس بن وشكمير بجبال حصينة وعرة المسالك فلم يشعر إلا وقد أطل عليه يمين الدولة فهرب منه إلى غياض حصينة وبذل خمسمائة ألف دينار ليصلحة فأجابه إلى ذلك فأرسل المال اليه فسار عنه إلى نيسابور ثم توفي منوجهر عقيب ذلك ولي بعده ابنه أنو شروان فأقره محمود على ولايته وقرر عليه خمسمائة الف دينار أخرى وخطب لمحمود في أكثر بلاد الجبل إلى حدود أرمنية وافتتح ابنه مسعود زنجان وأبهر وخطب له علاء الدولة بأصبهان وعاد محمود إلى خراسان واستخلف بالري ابنه مسعودا فقصد أصبهان وملكها من علاء الدولة وعاد عنها واستخلف بها بعض أصحابه فثار به أهلها فقتلوه فعاد إليهم فقتل منهم مقتله عظيمة نحو خمسة ألاف قتيل وسار إلى الري فأقام بها
ذكر ما فعله السالار إبراهيم بن المرزبان بعد عود يمين الدولة عن الري
ص 170
هذا السالار هو إبراهيم بن المرزبان بن اسماعيل وهسوذان بن محمد بن مسافر الديلمي وكان له من البلاد سرجهان وزنجان وأبهر وشهرزور وغيرها وهي ما استولى عليها بعد وفاة فخر الدولة بن بويه فلما ملك يمين الدولة محمود بن سبكتكين الري سير المرزبان بن الحسن بن خراميل وهو من أولاد ملوك الديلم وكان قد التجأ إلى يمين الدولة فسيره إلى بلاد السالار إبراهيم ليملكها فقصدها واستمال الديلم إليه بعضهم واتفق عود يمين الدولة إلى خراسان فسار السالار إبراهيم إلى قزوين وبها عسكر يمين الدولة فقاتلهم فأكثر القتل فيهم وهرب الباقون وأعانه أهل البلد وسار السالار أيضا إلى مكان سرجهان تطيف به الأنهار والجبال فتحصن به فسمع مسعود بن يمين الدولة وهو بالري بما فعل فسار مجدا إلى السالار فجرى بينهما وقائع كان الاستظهار فيها للسالار
ثم إن مسعود راسل طائفة من جند السالار واستمالهم وأعطاهم الأموال فمالوا اليه ودلوه على عورة السالار وحملوا طائفة من عسكره في طريق غامضة حتى جعلوه من ورائهم وكبسوا السالار أول رمضان وقاتله مسعود من بين يديه وأولئك من خلفه فاضطرب السالار ومن معه وانهزموا وطلب كل انسان منهم مهربا واختفى السالار في مكانه فدلت عليه امرأة سوادية فأخذه مسعود وحمله إلى سرجهان وبها ولده فطلب منه أن يسلمها فلم يفعل فعاد عنها وتسلم باقي قلاعه وبلاده وأخذ أمواله وقرر على ابنه القيم بسرجهان مالا وعلى كل من جاوره من مقدمي الأكراد وعاد إلى الري
ذكر ملك أبي كاليجار مدينة واسط ومسير جلال الدولة إلى الأهواز ونهبها
ص 171
في هذه السنة أصعد الملك أبو كاليجار إلى مدينة واسط فملكها وكان ابتداء ذلك أن نور الدولة دبيس بن علي بن مزيد صاحب الحلة والنيل ولم تكن الحلة بنيت ذلك الوقت خطب لأبي كاليجار في أعماله وسببه أن أبا حسان المقلد بن أبي الأغر الحسن بن مزيد كان بينه وبين نور الدولة عداوة فاجتمع هو ومنيع أمير بني خفاجة وأرسلا إلى بغداد يبذلان مالا يتجهز به العسكر لقتال نور الدولة فاشتد الأمر على نور الدولة فخطب لأبي كاليجار وراسله يطعمه في البلاد
ثم اتفق أنه ملك البصرة على ما ذكرنا
فقوي طمعه فسار من الأهواز إلى واسط وبها الملك العزيز بن جلال الدولة ومن معه جمع من الأتراك ففارقها العزيز وقصد النعمانية ففجر عليه نور الدولة البثوق من بلده فهلك كثير من أثقالهم وغرق جماعة منهم وخطب في البطيحة لأبي كاليجار وورد إليه نور الدولة
وأرسل أبو كاليجار إلى قرواش صاحب الموصل وعنده الأثير عنبر يطلب منه أن ينحدر إلى العراق ليبقى جلال الدولة من الفريقين فانحدر إلى الكحيل فمات به الأثير عنبر ولم ينحر معه قرواش وجمع جلال الدولة عساكره واستنجده أبا الشوك وغيره وانحدر إلى واسط ولم يكن بين العسكرين قتال وتتابعت الأمطار حتى هلكوا
واشتد الأمر على جلال الدولة لفقره وقلة الأموال وغيرها عنده فاستشار أصحابه فيما يفعل فأشاروا أن يقصد الأهواز وينهبها ويأخذ ما بها من أموال أبي كاليجار وعسكره
فسمع أبو كاليجار ذلك فاستشار أيضا أصحابه فقال بعضهم ما عدل جلال الدولة عن القتال إلا لضعف فيه والرأي أن تسير إلى العراق فتأخذ من أموالهم ببغداد أضعاف ما يأخذون منا فاتفقوا على ذلك فأتاهم جاسوس من أبي الشوك يخبر بمجيء عساكر بن سبكتكين إلى طخر وأنهم يريدون العراق ويشير بالصلح واجتماع الكلمة على دفعهم عن البلاد
فأنفذ أبو كاليجار الكتاب إلى جلال الدولة وقد سار إلى الأهواز وأقام ينتظر الجواب ظنا منه أن جلال الدولة يعود بالكتاب فلم يلتفت جلال الدولة ومضى إلى الأهواز فهبها وأخذ من دار الإمارة مائتي ألف دينار
وأخذوا مالا يحصى إلى ودخل الأكراد والأعراب وغيرهم إلى البلد فأهلكوا الناس بالنهب والسبي وأخذت والدة أبي كاليجار وابنته وأم ولده وزوجته فماتت أمه وحمل من عداها إلى بغداد
ولما سمع أبو كاليجار الخبر سار ليلقى جلال الدولة فتخلف عنه دبيس بن مزيد خوفا على أهله وحلله من خفاجة والتقى أبو كاليجار وجلال الدولة آخر ربيع الأول سنة إحدى وعشرين فاقتتلوا ثلاثة أيام وانهزم أبو كاليجار وقتل من أصحابه ألفا رجل ووصل إلى الأهواز بأسوأ حال فأتاه العادل بن مافنة بمال فحسنت حاله
وأما جلال الدولة فإنه عاد واستولى على واسط وجعل ابنه العزيز وأصعد إلى بغداد ومدحه المرتضى ومهيار وغيرهما وهنأوه بالظفر
ذكر حال دبيس بن مزيد بعد الهزيمة
ص 172
لما عاد دبيس بن مزيد الأسدي وفاروق أبا كاليجار وصل إلى بلده وكان قد خالف عليه قوم من بني عمه ونزلوا الجامعين فأتاهم وقاتلهم فظفر بهم وأسر منهم حماعة منهم شبيب وسرايا ووهب بنو حماد بن مزيد
وأبو عبد الله الحسن بن أبي الغنائم بن مزيد وحملهم إلى الجوسق ثم ان المقلد بن أبي الأغر بن مزيد وغيره اجتمعوا ومعهم عسكر من جلال الدولة وقصدوا دبيسا وقاتلوه فانهزم منهم وأسر وغيره بني عمه خمسة عشر رجلا فنزل المعتقلون بالجوسق وهم شبيب وأصحابه إلى حلله فحرسوها وسار دبيس منهزما إلى السندية إلى نجدة الدولة أبي منصور كامل بن قراد فاستصحبه إلى أبي سنان غريب بن مقن حتى أصلح أمره مع جلال الدولة وعسكره وتكفل به وضمن عنه عشرة آلاف دينار سابورية إذا أعيد إلى ولايته فأجيب إلى ذلك وخلع عليه فعرف المقلد الحال ومعه جمع من خفاجة فهبوا مطير أباذ والنيل وسورا أقبح نهب واستاقوا مواشيها وأحرقوا منازلها وعبر المقلد دجلة إلى أبي الشوك وأقام عنده إلى ان أحكم أمره
ذكر عصيان زناتة ومحاربتهم بأفريقية
ص 173
في هذه السنة تجمعت زناتة وعاودت الخلاف على المعز بأفريقية فبلغ ذلك المعز فجمع عساكره وسار اليهم بنفسه فالتقوا بموضع يعرف بحمديس الصابون ووقعت الحرب بين الطائفتين واشتد القتال فانهزمت زناتة وقتل منهم عددجكبير وأسر مثلهم وعاد المعز ظاغرا غانما
ذكر ما فعله يمين الدولة وولده بعده بالغز
ص 173
في هذه السنة أوقع يمين الدولة بالأتراك الغزية وفرقهم في بلاده لأنهم كانوا قد أفسدوا فيها وهؤلاء كانوا أصحاب ارسلان بن سلجوق التركي وكانوا بمفازة بخارى فلما عبر يمين الدولة النهر إلى بخارى هرب علي تكين صابها منه على ما نذكره وحضر أرسلان بن سلجوقة يمين الدولة فقبض عليه وسجنه ببلاد الهند وأسرى إلى خركاهته فقتل كثيرا من أصحابه وسلم منهم خلق كثير فهريوا منه ولحقوا بخراسان فأفسدوا فيها ونهبوا هذه السنة فأرسل اليهم جيشا فسبوهم وأجلوهم عن خراسان فسار منهم أهل ألفي خركاة فلحقوا بأصبهان فكتب يمين الدولة إلى علاء الدولة بانفادهم أو إنفاذ رؤوسهم فأمر نائبه أن يعمل طعاما ويدعوهم إليه ويقتلهم فأرسل إليهم وأعلمهم أنه يريد إثبات أسمائهم ليستخدمهم
وكمن الديلم في البساتين فحضر جمع كثير منهم فلقيهم مملوك تركي لعلاء الدولة فأعلمهم الحال فعادوا فأراد نائب علاء الدولة أن يمنعهم من العود فلم يقبلوا منه فحمل ديلمي من قواد الديلم على انسان منهم فرماه التركي بسهم فقتله ووقع الصوت بذلك فخرجت الديلم وانضاف إليهم هل البلد فجرى بينهم حرب فهزموهم فقلع الترك خركاهاتهم وساروا ولم يجتازوا على قرية إلا نهبوها إلى أن وصلوا إلى وهسوذان بأذربيجان فراعاهم وتفقدهم وبقي بخراسان أكثر ممن قصد أصبهان فأتوا جبل بلجان وهو الذي عنده خوارزم القديمة فنزل كثير منهم من الجبل إلى البلاد فنهبوا وأخربوا وقتلوا فجرد محمود سبكتين إليهم أرسلان الجاذب أمير طوس فسار إليهم ولم يزل يتنعهم نحو سنتين في جموع كثيرة من العساكر فاضطر محمود إلى قصد خراسان بسببهم فسار يطلبهم من نيسابور إلى دهستان فساروا إلى جرجان ثم عاد عنهم وجعل ابنه مسعودا بالري على ما ذكرناه فاستخدم بعضهم ومقدمهم يغمر فلما مات محمود بن سبكتكين سار مسعود ابنه إلى خراسان وهم معه فلما ملك غزنة سألوه فيمن بقي منهم بجبل بلجان فأذن لهم في العود على شرط الطاعة والاستقامة
ثم إن مسعودا قصد بلاد الهند عند عصيان أحمد ينالتكين فعاودوا الفساد فسير تاش فراش في عسكر كثير إلى الري لأخذها من علاء الدولة فلما بلغ نيسابور ورأى سوء فعلهم دعا مقدميهم وقتل منهم نيفا وخمسين رجلا فيهم يغمر فلم ينتهوا وساروا إلى الري وبلغ مسعودا ما هم عليه من الشر والفساد فأخذ حللهم وسيرها إلى الهند وقطع أيدي كثير منهم وأرجلهم وصلبعم ( هذه أخبار عشيرة أرسلان بن سجلوق )
وأما اخبار طغرلبك وداود وأخيهما بيغو فإنهم كانوا بما وراء النهر وكان من أمرهم ما نذكره بعد إن شاء الله تعالى لأنهم صاروا ملوكا تجيء أخبارهم على السنين
ولما أوقع تاش فراش حاجب السلطان مسعود بالغز ساروا إلى الري يزعمون أنهم يريدون أذربيجان واللحاق بمن مضى منهم أولا إلى هناك ويسمون العراقية وكان اسم أمراء هذه الطائفة كوكتاش وبوقا وقزل ويغمر وناصفلي فوصلوا إلى الدامغان فخرج إليهم عسكرها وأهل البلد لمنعوهم عنه فلم يقدروا فصعدوا الجبل وتحصنوا به ودخل الغز البلد ونهبوه وانتقلوا إلى سمنان ففعلوا فيها مثل ذلك ودخلوا خوار الري ففعلوا مثله ونهبوا إسحاق اباذ وما يجاورها من القرى وساروا إلى مشكويه من أعمال الري فنهبوها وتجهز أبو سهل الحمدوني وتاش فراش وكاتبا الملك مسعودا وصاحب جرجان وطبرستان بالحال وطلبا النجدة وأخذ تاش ثلاثة آلاف فارس وما عنده من الفيلة والسلاح وسار إلى الغز ليواقعهم وبلغهم خبره فتركوا نساءهم وأموالهم وما غنموا من خراسان وهذه البلاد المذكورة وساروا جريدة فالتقوا فركب تاش الفيل ووقعت الحرب بين الفريقين فكانت أولا لتاش
ثم الغز أسروا مقدم الأكراد الذين مع تاش وأرادوا قتله فقال لهم استبقوني حتى آمر الأكراد الذين مع تاش بترك قتالكم فتركوه وعاهدوه على اطلاقه فأرسل إلى الأكراد يقولهم إن فاتلهم قتلت ففتروا في القتال
وحملت الغزوكانوا خمسة الاف على تاش فراش وعسكره فانهزم الأكراد وثبت وتاش وأصحابه فقتل الغز الفيل الذي تحته فسقط فقتلوه وقطعوه أخذا بثأر من قتل منهم
وقتل معه عدد كثير من الخراسانية وأكابر القواد وغنموا بقية الفيلة وأثقال العسكر وساورا إلى الري فاقتتلوا هم وأبو سهل الحمدوني ومن معه من الجند وأهل البلد فصعد هو ومن معه قلعة طبرك ودخل الغز البلد ونهبوا عدة محال نهبا واجتاحوا الأموال ثم اقتتلوا هم وأبو سهل فأسر منهم ابن اخت ليغمر أمير الغز وقائدا كبيرا من قوادهم فبذلوا فيهما اعادة ما أخذوا من عسكر تاش واطلاق الأسرى وحمل ثلاثين ألف دينار فقال لا افعل إلا بأمر السلطان
وخرج الغز عن البلد ووصل عسكر من جرجان فلما قربوا من الري سار إليهم الغز فكبسوهم وأسروا مقدهم وأسروا معه نحو الفي رجل وانهزم الباقون وعاودوا وكان هذا سنة سبع وعشرين وأربعمائة
ذكر وصول علاء إلى الري واتفاقه مع الغز وعودهم إلى الخلاف عليه
ص 176
لما فارق الغز الري إلى اذربيجان علم علاء الدولة ذلك فسار إليها ودخلها وهو يظهر طاعة السلطان مسعود بن سبكتكين فأرسل إلى أبي سهل الحمدوني يطلب منه أن يقرر الذي عليه بمال يؤديه فامتنع من إجابته مخافة علاء الدولة فأرسل إلى الغز يستدعيهم ليعطيهم الإقطاع ويتقوى بهم على الحمدوني فعاد منهم نحو ألف وخمسمائة مقدمهم قزل وسار الباقون إلى أذربيجان فلما وصل الغز إلى علاء الدولة أحسن إليهم وتمسك بهم وأقاموا عنده
ثم ظهر على بعض القواد الخراسانية الذين عنده أنه دعا الغز إلى موافقة على الخروج عليه والعصيان فأرسل اليه علاء الدولة وأحضر وقبض عليه وسجنه في قلعة طبرك فاستوحش الغز لذلك ونفروا فاجتهد علاء الدولة في تسكينهم فلم يفعلوا وعاودوا الفساد والنهب وقطع الطريق وعاد علاء الدولة راسل أبا سهل الحمدوني وهو بطبرستان وقرر معه أمر الري ليكون في طاعة مسعود فأجابه إلى ذلك وسار إلى نيسابور وبقي علاء الدولة بالري
ذكر ما كان من الغز الذين بأذربيجان ومفارقتها
ص 176
قد ذكرنا ان طائفة من الغز وصلوا إلى أذربيجان فأكرمهم وهسوذان وصاهرهم رجاء نصر هم وكف شرهم وكان اسماء مقدميهم بوقا وكوكتاش ومنصور ودانا وكان ما أمله بعيدا فإنهم لم يتركوا الشر والفساد والقتل والنهب وساروا إلى مراغة فدخلوها سنة تسع وعشرين وأحرقوا جامعها وقتلوا من عوامها مقتلة كثيرة ومن الأكراد الهذبانية كذلك وعظم الأمر واشتد البلاء
فلما رأى الأكراد ما حل بهم وبأهل البلاد شرعوا في الصلح والاتفاق على دفع شرهم فاصطلح أبو الهيجا بن ربيب الدولة وهسوذان صاحب أذربيجان واتفقت كلمتهما واجتمع معهما أهل تلك البلاد فانتصفوا من الغز فلما رأوا اجتماع أهل البلاد على حربهم انصرفوا عن اذربيجان وتعذر عليهم المقام بها ثم انهم افترقوا فسارت طائفة إلى الذين على الري ومقدمهم بوقا وسارت طائفة ومقدمهم منصور وكوكتاش إلى همذان فحصروها وبها أبو كاليجار بن علاء الدولة بن كاكويه فاتفق هو وأهل البلاد على قتالهم ودفعهم عن أنفسهم وبلدهم فقتل بين الفريقين جماعة كثيرة وطال مقامهم على همذان
فلما رأى أبو كاليجار بن علاء الدولة ذلك وضعفه عن مقاومتهم راسل كوكتاش وصالحه وصاهره
وأما الذين قصدوا الري فإنهم حصروها وبها علاء الدولة بن كاكويه واجتمع معهم فناخسرو بن مجد الدولة وكامر والديلمي صاحب ساوة فكثر جمعهم واشتدت شوكتهم فلما رأى علاء الدولة أنهم كلما جاء أمرهم أزداد قوة وضعف هو خاف على نفسه وفارق البلد في رجب ليلا ومضى هاربا إلى اصبهان وأجفل أهل البلد وتمزقوا وعدلوا عن القتال إلى الاحتيال للهرب وغاداهم الغز من الغد بالقتال فلم يثبتوا لهم ودخلوا البلد ونهبوا نهبا فاحشا وسبوا النساء وبقوا كذلك خمسة أيام حتى لجأ الحرم إلى الجامع وتفرق الناس في كل مذهب ومهرب وكان السعيد من نجا بنفسه وكانت هذه الوقعة بعد التي تقدمتها مستأصلة حتى قيل إن بعض الجمع لم يكن بالجامع إلا خمسين نفسا ولما فارق علاء الدولة الري تبعه جمع من الغز فلم يدركوه فعدلوا إلى كرج فنهبوها وفعلوا فيها الأفاعيل القبيحة ومضى طائفة منهم ومقدمهم ناصغلي إلى قزوين فقاتلهم أهلها ثم صالحوهم على سبعة آلاف دينار وصاروا في طاعته وكان بأرمية طائفة منهم فساروا إلى بلد الأرمن فاوقعوا بهم وأثخنوا فيهم وأكثروا القتل وغنموا وسبوا وعادوا إلى أرمية وأعمال أبي الهيجاء الهذباني فقاتلهم أكرادها لما أنكروه من سوء مجاورتهم فقتل خلق كثير ونهب الغز سواد البلاد هناك وقتلوا من الأكراد كثيرا
ذكر ملك الغز همذان
ص 177
قد ذكرنا حصار الغز همذان وصلحهم مع صاحبها أبي كاليجار بن علاء الدولة بن كاكويه فلما كان الآن وملك الغز الري عاودوا حصار همذان وساروا إليها من الري ما عدا قزل وجماعته واجتمعوا مع من بها من الغز فلما سمع أبو كاليجار بهم علم أنه لا قدرة له عليهم فسار عنها ومعه وجوه التجار وأعيان البلد وتحصن بكنكور ودخل الغز همذان سنة ثلاثين وأربعمائة واجنمع عليها من مقدميهم كوكتاش وبوقا وقزل ومعهم فناخسروا بن مجد الدولة بن بويه في عدة كثير من الديلم فلما دخلوها نهبوها نهبا منكرا لم يفعلوه بغيرها من البلاد غيظا منهم وحنقا عليهم حيث قاتلوهم أولا وأخذوا الحرم وضربت سراياهم إلى أسداباذ
وقرى الدينور واستباحوا تلك النواحي وكان الديلم أشدهم فخرج إليهم أبو الفتح بن أبي الشوك صاحب الدينور فواقعهم واستظهر عليهم وأسر منهم جماعة فراسله أمراؤهم في إطلاقهم فامتنع إلا على صلح وعهود فأجابوه وصالحوه فأطلقهم
ثم إن الغز بهمذان راسلوا أبا كاليجار بن علاء الدولة وصالحوه وطلبوا إليه أن ينزل اليهم ليدبر أمرهم ويصدرون عن رأيه وأرسلوا إليه زوجته التي تزوجها منهم فنزل إليهم فلما صار معهم وثبوا عليه فانهزم ونهبوا ماله وما كان معه من دواب وغيرها فسمع أبوه فخرج من أصبهان إلى أعماله بالجبل ليشاهدها فوقع بطائفة كثيرة من الغز فظفر بهم وقتل منهم فأكثر وأسر منهم ودخل أصبهان منصورا
ذكر قتل الغز بمدينة تبريز وفراقهم أذربيجان إلى الهكارية
ص 178
في هذه سنة اثنتين وثلاثين قتل وهسوذان بن مهلان جمعا كثيرا من الغز بمدينة تبريز وكان سبب ذلك أنه دعا جمعا كثيرا منهم إلى طعام صنعه لهم فلما طعموا أو شربوا قبض على ثلاثين رجلا منهم من مقديمهم فضعف الباقون فأكثر فيهم القتل فاجتمع الغز المقيمون بأرمية وساروا نحو بلاد الهكارية من أعمال الموصل فقاتلهم أكرادها وقاتلوهم قتالا عظيما فانهزم الأكراد وملك الغز حللهم وأموالهم ونساءهم وأولادهم وتعلق الأكراد بالجبال والمضايق وسار الغز في أثرهم فواقعوهم فظفر بهم الأكراد فقتلوا منهم ألفا وخمسمائة رجل وأسروا جمعا فيه سبعة من أمرائهم ومائة نفس من وجوههم وغنموا سلاحهم ودوابهم وما معهم من غنيمة استردوها وسلك الغز طريق الجبال قتمزقوا وتفرقوا وسمع ابن ربيب الدولة الخبر فسير في آثارهم من يفني باقيهم ثم توفي قزل أمير الغز المقيم بالري وخرج إبراهيم ينال أخو السلطان طغرلبك إلى الري فلما سمع به الغز المقيمون بها أجفلوا من بين يديه وفارقوا بلاد الجبل خوفا منه وقصدوا ديار بكر والموصل في سنة ثلاث وثلاثين
ذكر دخول الغز ديار بكر
ص 178
في سنة ثلاث وثلاثين فارق الغز أذربيجان وسبب ذلك أن إبراهيم ينال وهو أخو طغرلبك سار إلى الري فلماسمع الغز الذين بها خبره أجفلوا من بين يديه وفارقوا بلاد الجبل خوفا منه وقصدوا أذربيجان ولم يمكنهم المقام بها لما فعلوا بأهلها ولأن إبراهيم ينال وراءههم وكانوا يخافونه لأنهم كانوا له ولأخويه طغرلبك وداود رعية فأخذوا بعض الأكراد وعرفهم الطر يق فأخذ بهم في جبال وعرة على الزوزان وخرجوا إلى جزيرة ابن عمر فسار يوقا وناصغلي وغيرهما إلى ديار بكر ونهبوا فردى وبازبدى
والحسينية وفيشابور وبقي منصور بن غزغلي بالجزيرة من الجانب الشرقي فراسله سليمان بن نصر الدولة بن مروان المقيم بالجزيرة في المصالحة والمقام بأعمال الجزيرة إلى أن ينكشف الشتاء ويسير مع باقي الغز إلى الشام فتصالحا وتحالفا
وأضمر سليمان الغدر به فعمل له طعاما احتفل فيه ودعاه فلما دخل الجزيرة قبض عليه وحبسه وانصرف أصحابه متفرقين في كل جهة فلما علم بذلك قرواش سير جيشا كثيفا إليهم واجتمع معهم الأكراد البشنوية أصحاب فنك وعسكر نصر الدولة فتبعوا الغز فلحقوهم وقاتلوهم فبذل الغز جميع ما غنموه على أن يؤمنوهم فلم يفعلوا فقاتلوا قتال من يخاف الموت فجرحوا من العرب كثيرا وافترقوا وكان بعض الغز قد قصد نصيبين وسنجار للغارة فعادوا إلى الجزيرة وحصروها وتوجهت العرب إلى العراق ليشتوا بها فأخربت الغز ديار بكر ونهبوا وقتلوا
فاخذ نصر الدولة منصورا أمير الغز من ابنه سليمان وراسل الغز وبذل لهم مالا واطلاق منصور ليفارقوا عمله فأجابوه فاطلق منصورا وأرسل بعض المال فغدروا وزادوا في الشر وسار بعضهم إلى نصيبين وسنجار والخابور فنهبوا وعادوا وسار بعضهم إلى جهينة وأعمال الفرح فنهبوها فدخل قرواش الموصل خوفا منهم
ذكر ملك الغز مدينة الموصل
ص 179
لما خرجوا من أذربيجان إلى جزيرة ابن عمر وهي من أعمال نصر الدولة بن مروان سار بعضم إلى ديار بكر مع أمرائهم المذكورين وسار الباقون إلى لبقعاء ونزلوا برقعيد فأرسل اليهم قرواش صاحب الموصل من ينكظر فيهم ويعير عليهم فلما رأوا ذلك تقدموا إلى الموصل فأرسل إليهم يستعطفهم ويلين لهم وبذل لهم ثلاثة آلاف دينار فلم يقبلوا فأعاد مراسلتهم ثانية فطلبوا خمسة عشر ألف دينار فالتزمها وأحضر أهل البلد وأعلمهم الحال فبينما هم مهتمين بجمع المال وصل الغز إلى الموصل ونزلوا بالحصباء فخرج إليهم قرواش وأجناده والعامة فقاتلوهم عامة نهارهم وأدركهم الليل فافترقوا فلما كان الغد عادوا إلى القتال فانهزمت العرب وأهل البلد وهربت قرواش في سفينة نزلها من داره وخرج من جميع ماله الا الشيء اليسير ودخل الغز البلد فنهبوا كثيرا منه ونهبوا جميع مال قرواش من مال وجوهر وحلي وثياب وأثاث ونجا فرواش في السفينة ومعه نفر فوصل إلى السن وأقام بها وأرسل إلى الملك جلال الدولة يعرفه الحال ويطلب النجدة وأرسل إلى دبيس بن مزيد وغيره من أمراء العرب والاكراد يستمدهم ويشكو ما نزل به وعمل الغز بأهل الموصل الأعمال الشنيعة من الفتك وهتك الحريم ونهب المال وسلم عدة محال منها سكة أبي نجيح والجصاصة وجارسوك وشاطئ نهر وباب القصابين على مال ضمنوه فكفوا عنهم
ذكر وثوب أهل الموصل بالغز وما كان منهم
ص 180
قد ذكرنا ملك الغز الموصل فلما استقر فيها قسطوا على أهلها عشرين الف دينار وأخذوها ثم تتبعووا الناس وأخذوا كثيرا من أموالهم بحجة أموال العرب ثم قسطوا أربعة آلاف دينار أخرى فحضر جماعة من الغز عند ابن فرغان الموصلي وطالبوا انسانا بحضرته وأساؤوا الأدب والقول وجرى بين بعض الغز وبعض المواصلة مشاجرة فجرحه الغز وقطع شعره وكان للموصلي والدة سليطة فلطخت وجهها بالدم وأخذت الشعر بيدها وصاحت المستغاث بالله وبالمسلمين قد قتل لي ابن وهذا دمه وابنة وهذا شعرها وطافت في الأسواق فثار الناس وجاؤوا إلى ابن فرغان فقتلوا من عنده من الغز وقتلوا من ظفروا به منهم ثم حصروهم في دار فقاتلوا من سطحه فنقب الناس عليه الدار وقتلوهم جميعا غير سبعة أنفس منهم أبو علي ومنصور فخرج منصور إلى الحصباء ولحق به من سلم منهم وكان كوكتاش قد فارق الموصل في جمع كثير فأرسلوا إليه يعلمونه الحال فعاد إليهم ودخل البلد عنوة في الخامس والعشرين من رجب سنة خمس وثلاثين ووضعوا السيف في أهله أسروا كثيرا ونهبوا الأموال وأقاموا على ذلك اثني عشر يوما يقتلون وينهبون وسلمت سكة أبي نجيح فإن أهلها احسنوا إلى الأمير منصور فرعى لهم ذلك والتجأ من سلم إليها وبقي القتلى في الطريق فانتنوا لعدم من يواريهم ثم طرحوا بعد ذلك كل جماعة في حفيرة وكانوا يخطبون للخليفة ثم لطغرلبك
لما طال مقامهم لهذه البلاد وجرى منهم ما ذكرناه كتب الملك جلال الدولة بن بويه إلى طغرلبك يعرفه ما يجري منهم وكتب اليه نصر الدولة بن مروان يشكو منهم فكتب إلى نصر الدولة يقول له بلغني أن عبيدنا قصدوا بلادك وأنك صانعتهم بمال بذلته لهم وأنت صاحب ثغر ينبغي أن تعطى ما تستعين به على قتال الكفار ويعده أنه يرسل إليهم يرحلهم من بلده وكانوا يقصدون بلاد الأرمن وينهبون ويسبون حتى أن الجارية الحسناء بلغت قيمتها خمسة دنانير وأما الغلمان فلا يرادون وكتب طغرلبك إلى جلال الدولة يعتذر بأن هؤلاء التركمان كانوا لنا عبيدا وخدما ورعايا وتبعا يمتثلون الأمر ويخدمون الباب ولما نهضنا لتدبير خطب آل محمود بن سبكتكين وانتدبنا لكفاية أمر خوارزم انحازوا إلى الري فعاثوا فيها وأفسدوا فزحفنا بجنودنا من خراسان إليهم مقدرين أنهم يلجؤون إلى الأمان ويلوذون بالعفو الغفران فملكتهم الهيبة وزحزحتهم الحشمة ولا بد من أن نردهم إلى راياتنا خاضعين ونذيقهم من بأسنا جزاء المتمردين قربوا أم بعدوا أغاروا أم أنجدوا
ذكر ظفر قرواش صاحب الموصل بالغز
ص 181
قد ذكرنا انحدار قرواش إلى السن ومراسلته سائر أصحاب الأطراف في طلب النجدة منهم فأما الملك جلال الدولة فلم ينجده لزوال طاعته عن جنده الأتراك وأما دبيس بن مزيد فسار إليه واجتمعت عليه كافة عقيل وأتته أمداد أبي الشوك وابن ورام وغيرهما فلم يدركوا الوقعة فإن قرواشا لما اجتمعت عقيل ودبيس عنده سار إلى الموصل وبلغ الخبر إلى الغز فتأخروا إلى تلعفر وبومارية وتلك النواحي وراسلوا الغز الذين كانوا بديار بكر ومقدمهم ناصغلي وبوقا وطلبوا منهم المساعدة على العرب فساروا إليهم وسمع قرواش بوصولهم فلم يعلم أصحابه لئلا بفشلوا ويجبنوا وسار حتى نزل على العجاج وسارت الغز فنزلوا برأس الأبل من الفرج وبينهما نحو فرسخين وقد طمع الغز في العرب فتقدموا حتى شارفوا حلل العرب
ووقعت الحرب في العشرين من شهر رمضان من أول النهار فاستظهرت الغز وانهزمت العرب حتى صار القتال عند حللهم ونساؤهم يشاهدن القتال فلم يزل الظفر للغز إلى الظهر ثم أنزل الله نصره على العرب وانهزمت الغز وأخذهم السيف وتفرقوا وكثر القتل فيهم فقتل ثلاثة من مقدميهم وملك العرب حلل الغز وخركاهاتهم وغنموا أموالهم فعمتهم الغنيمة وأدركهم الليل فحجز بينهم وسير قرواش رؤوس كثير من القتلى في سفينة إلى بغداد
فلما قاربتها أخذتها الأتراك ودفنوها ولم يتركوها تصل أنفة وحمية للجنس وكفى الله اهل الموصل شرهم وتبعهم قرواش إلى نصيبين وعاد عنهم فقصدوا ديار بكر فنهبوها
ثم مالوا على الأرمن والروم فنهبوهم ثم قصدوا بلاد أذربيجان وكتب قرواش إلى الأطراف يبشر بالظفر بهم وكتب إلى ابن ربيب الدولة صاحب أرمية يذكر له أنه قتل منهم ثلاثة آلاف رجل فقال للرسول هذا عجب فإن القوم لما اجتازوا ببلادي أقمت على قنطرة لا بد لهم من عبورها فأمرت بعدهم فكانوا نيفا وثلاثين ألفا مع لفيفهم فلما عادوا بعد هزيمتهم لم يبلغوا خمسة آلاف رجل فإما أن يكونوا قتلوا أو هلكوا ومدح الشعراء قرواشا بهذا الفتح وممن مدحه ابن شبل بقصيدة منه
( بأبي الذي أرست نزار بيتها % في شامخ من عزة المتخير )
وهي طويلة
( هذه أخبار الغز العراقيين ) وإنما أوردناها متتابعة لأن دولتهم لن تطل حتى نذكر حوادثها في السنين وإنما كانت سحابة صيف تقشعت عن قريب وأما السلجوقية فنحن نذكر حوادثهم في السنين ونذكر ابتداء أمرهم سنة اثنتين وثلاثين إن شاء الله تعالى
ذكر عدة حوادث
ص 182
وفي هذه السنة سير الظاهر جيشا من مصر مقدمهم أنوشتكين الزبري فقتل صالح بن مرداس وملك نصر بن صالح مدينة حلب وقد تقدم ذكره في سنة اثنتين وأربعمائة
وفيها سقط في البلاد برد عظيم
وكان أكثره بالعراق وارتفعت بعده ريح شديدة سوداء فقلعت كثيرا من الأشجار بالعراق فقلعت شجرا كبارا من الزيتون من شرقي النهروان وألقته على بعد من غربيها وقلعت نخلة من أصلها وحملتها إلى دار بينها وبين موضع هذه الشجرة ثلاث دور وقلعت سقف مسجد الجامع ببعص القرى
وفيها في ذي القعدة تولى أبو عبد الله بن ماكولا قضاء القضاة
وفيها توفي أبو الحسن علي بن عيسى الربعي النحوي عن نيف وتسعين سنة وأخذ النحو عن أبي علي الفارسي
وأبي سعيد السيرافي وكان فكها كثير الدعابة فمن ذلك أنه كان يوما على شاطئ دجلة ببغداد والملك جلال الدولة والمرتضى والرضي كلاهما في سمارية ومعهما عثمان بن جني النحوي فناداه الربعي أيها الملك ما أنت صادق في تشيعك بعلي بن أبي طالب يكون عثمان إلى جانبك وعلي يعني نفسه ههنا فأمر بالسمارية فقربت إلى الشاطئ وحمله معه
وقيل إن هذا القول كان للشريف وأخيه المرتضى ومعهما عثمان بن جني فقال ما أعجب أحوال الشريفين يكون عثمان معهما وعلي يمشي على الشط
وفيها أيضا توفي أبو السمك عنبر الملقب بالأثير وكان أصعد إلى الموصل مغاضبا لجلال الدولة فلقيه قرواش واهله وقبلوا الأرض بين يديه فأقام عندهم
وكان خصيا لبهاء الدولة بن بويه وكان قد بلغ مبلغا عظيما لم يخل أمير ولا وزير في دولة بني بويه من تقيبل يده والأرض بين يديه
وكان قد استقر بينه وبين قرواش وأبي كاليجار قاعدة أن يصعد أبو كاليجار من واسط وينحدر الأثير وقرواش من الموصل لقصد جلال الدولة
وكان الأثير قد انحدر من الموصل فلما وصل مشهد الكحيل توفي فيه
وفيها انقض كوكب عظيم كالرعد في رجب أضاءت منه الأرض وسمع له صوت عظيم كالرعد وتقطع أربع قطع وانقض بعده بليلتين كوكب آخر دونه وانقض بعدهما كوكب أكبر منهما وأكثر ضوءا
وفيها كانت ببغداد فتنة قوي فيها أمر العيارين واللصوص فكانوا يأخذون العملات ظاهرا
وفيها قطعت الجمعة من جامع براثا وسببها أنه كان يخطب فيها انسان يقول في خطبته بعد الصلاة على النبي وعلى اخيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مكلم الجمجمة ومحييها البشري الإلهي مكلم الفتية أصحاب الكهف إلى غير ذلك من العلو المبتدع فأقام الخليفة خطيبا فرجمه العامة فانقطعت الصلاة فيه فاجتمع جماعة من أعيان الكرخ مع المرتضى واعتذروا إلى الخليفة بأن سفهاء لا يعرفون فعلوا ذلك وسألوا إعادة الخطبة فأجيبوا إلى ما طلبوه وأعيدت الصلاة والخطبة فيه
وفيها توفي ابن أبي الهبيش الزاهد المقيم بالكوفة وهو من ارباب الطبقات العالية في الزهد وقبره يزار إلى الآن وقد زرته
وفيها توفي منوجهر بن قابوس بن وشكمير وملك ابنه انوشروان
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.