ذكر قتل المقلد وولاية ابنه قرواش
ص 15
في هذه السنة قتل حسام الدولة المقلد بن المسيب العقبلي غيلة قتله مماليك له ترك
وكان سبب قتله أن هؤلاء الغلمان كانوا قد هربوا منهم فتبعهم وظفر بهم وقتل منهم وقطع وأعاد الباقين فخافوه على نفوسهم
فاغتنم بعضهم غفلته
وقتله بالأنبار وكان قد عظم أمره وراسل وجوه العساكر ببغداد و أراد التغلب على الملك فأتاه الله من حيث لا يشعر
ولما قتل كان ولده الأكبر قرواش غائبا وكانت أمواله وخزائنه بالأنبار فخاف نائبه عبد الله بن إبراهيم بن شهرويه باداره الجند فراسل أبا منصور بن قراد اللديد وكان بالسندية فاستدعاه إليه وقال له ( ( أنا أجعل بينك وبيك قرواش عهدا وأزوجه ابنتك وأقاسمك على ما خلفه أبوه وتساعده على عمه الحسن إن قصده وطمع فيه ) ) فأجابه إلى ذلك وحمى الخزائن والبلد
و أرسل عبد الله إلى قرواش يحثه على الوصول فوصل وقاسمه على المال وأقام قراد عنده ثم إن الحسن بن المسيب جمع مشايخ عقيل وشكا قرواشا إليهم وما صنع مع قراد فقالوا له خوفه منك حمله على ذلك فبذل من نفسه الموافقة له والوقوف عند رضاه وسفر المشايخ بينهما فاصطلحا واتفقا على أن يسير الحسن إلى قرواش شبه المحارب ويخرج هو وقراد لقتاله فإذا لقي بعضهم بعضا عادوا جميعا على قراد فأخذوه
فسار الحسن وخرج قرواش وقراد لقتاله
فلما تراءى الجمعان جاء بعض أصحاب قراد إليه فأعلمه الحال فهرب على فرس له وتبعه قرواش والحسن فلم يدركاه وعاد قرواش إلى بيت قراد فأخذ ما فيه من الأموال التي أخذها من قرواش وهي بحالها
وسار قرواش إلى الكوفة فأوقع بخفاجة عندها وقعة عظيمة فساروا بعدها إلى الشام فأقاموا هناك حتى أحضرهم أبو جعفر الحجاج على ما نذكره إن شاء الله
ذكر البيعة لولي العهد
ص 16
في هذه السنة في ربيع الأول أمر القادر بالله بالبيعة لولده أبي الفضل بولاية العهد وأحضر حجاج خراسان وأعلمهم بذلك ولقبه الغالب بالله وكان سبب البيعة له أن عبد الله بن عثمان الواثقي من ولد الواثق بالله أمير المؤمنين كان من أهل نصيبين فقصد بغداد ثم سار عنها إلى خراسان وعبر النهر إلى هارون بن ايلك بغراخاقان وصحبه الفقيه أبو الفضل التميمي وأظهر أنه رسول من الخليفة إلى هارون يأمره بالبيعة لهذا الواثقي فإنه ولي عهده فأجابه خاقان إلى ذلك وبايع له وخطب له ببلاده ونفق عليه
فبلغ ذلك القادر بالله فعظم عليه وراسل خاقان في معناه فلم يصغ إلى رسالته فلما توفي هارون خاقان وولي بعده أحمد قراخان كاتبه الخليفة في معناه فأمر بإبعاده فحينئذ بايع الخليفة لولده بولاية العهد
وأما الواثقي فإنه خرج من عند أحمد قراخاقان وقصد بغداد فعرف بها وطلب فهرب منها إلى البصرة ثم إلى فارس وكرمان ثم إلى بلاد الترك فلم يتم له ما أراده وراسل الخليفة الملوك يطلبه فضاقت عليه الأرض وسار إلى خوارزم وأقام بها ثم فارقها فأخذ يمين الدولة محمود بن سبكتكين فحبسه في قلعة إلى أن توفي بها
ذكر استيلاء طاهر بن خلف على كرمان وعوده عنها
ص 16
في هذه السنة سار طاهر بن خلف بت أحمد صاحب سجستان إلى كرمان طالبا ملكها
وكان سبب مسيره إليها أنه كان قد خرج عن طاعة أبيه وجرى بينهما حروب كان الظفر فيها لأبيه
ففارق سجستان وسار إلى كرمان وبها عسكر بهاء الدولة وهي له على ما ذكرناه فاجتمع من بها من العساكر إلى المقدم عليه ومتولي أمر البلد وهو أبو موسى سياهجيل فقالوا له إن هذا الرجل قد وصل وهو ضعيف والرأي أن تبادره قبل أن يقوى أمره ويكثر جمعه فلم يفعل واستهان به فكثر جمع طاهر وصعد إلى الجبال وبها قوم من العصاة على السلطان فاحتمى بهم وقوي فنزل إلى جيرفت فملكها وملك غيرها وقوي طمعه في الباقي فقصده أبو موسى والديلم فهزمهم وأخذ بعض ما بقي بأيديهم فكاتبوا بهاء الدولة فسير إليهم جيشا عليهم أبو جعفر بن أستاذ هرمز فسار إلى كرمان وقصد بم وبها طاهر فجرى بين طلائع العسكرين حرب وعاد طاهر إلى سجستان وفارق كرمان
فلما بلغ سجسان أطلق المأسورين ودعاهم إلى قتال أبيه معه وحلف لهم أنهم إذا نصروه وقاتلوا معه أطلقهم ففعلوا ذلك
وقاتل أباه فهزمه
وملك طاهر البلاد ودخل أبوه إلى حصن له منيع فاحتمى به
وأحب الناس طاهرا لحسن سيرته وسوء سيرة والده وأطلق طاهر الديلم
ثم إن أباه راسل أصحابه ليفسدهم عليه فلم يفعلوا فعدل إلى مخادعته وراسله يظهر له الندم على ما كان منه ويستميله بأنه ليس له ولد غيره وأنه يخاف أن يموت فيملك بلاده غير ولده ثم استدعاه إليه جريدة ليجتمع به ويعرفه أحواله فتواعدا تحت قلعة خلف
فأتاه ابنه جريدة ونزل هو إليه كذلك
وكان قد كمن بالقرب منه كمينا فلما لقيه اعتنقه وبكى خلف وصاح في بكائه فخرج الكمين وأسروا طاهر فقتله أبوه بيده وغسله ودفنه ولم يكن له ولد غيره
فلما قتل طمع الناس في خلف لأنهم كانوا يخالفون ابنه لشهامته
وقصده حينئذ محمود بن سبكتكين فملك بلاده على ما نذكره وأما العتبي فذكر في سبب فتحها غير هذا وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى
ذكر عدة حوادث
ص 17
في هذه السنة ثار الأتراك ببغداد بنائب السلطان وهو أبو نصر سابور فهرب منهم ووقعت الفتنة بين الأتراك و العامة من أهل الكرخ و قتل بينهم قتلى كثيرة
ثم إن أهل السنة من أهل بغداد ساعدوا الأتراك على أهل الكرخ فضعفوا على الجميع فسعى الأشراف في إصلاح الحال فسكنت الفتنة
وفيها ولد الأمير أبو جعفر عبد الله بن القادر وهو القائم بأمر الله
وفيها في ربيع الأول توفي أبو القاسم عيسى بن علي بن عيسى وكان فاضلا عالما بعلوم الإسلام و بالمنطق وكان يجلس للتحدث وروى الناس عنه
وفيها توفي القاضي أبو الحسن الجزري وكان على مذهب داود الظاهري وكان يصحب عضد الدولة قديما
وفيها توفي أبو عبد الله الحسين بن الحجاج الشاعر بطريق النيل وحمل إلى بغداد وديوانه مشهور
وفيها توفي بكران بن أبي الفوارس خال الملك جلال الدولة بواسط
وفيها توفي جعفر بن الفضل بن جعفر بن محمد بن الفرات المعروف بابن حنزابة الوزير ومولده سنة ثمان وثلاثمائة وكان سار إلى مصر فولي وزارة كافور وروى حديثا كثيرا
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.