الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء الثامن / ثم دخلت سنة ثمان عشرة وأربعمائة
29

ثم دخلت سنة ثمان عشرة وأربعمائة

الجزء الثامن 6 عنصر صفحة 158
ذكر الحرب بين علاء الدولة وإصبهبذ ومن معه وما تبع ذلك من الفتن ص 158

في هذه السنة في ربيع الأول كانت حرب شديدة بين علاء الدولة بن كاكويه وبين الإصبهبذ ومن معه ووكان سببها ما ذكرناه من خروج علي بن عمران عن طاعة علاء الدولة فلما فارقه اشتد خوفه من علاء الدولة فكاتب إصبهبند صاحب طبرستان وكان مقيما وبليبلكين بن وندرين وحثه على قصد بلاد الجبل وكاتب أيضا منوجهر بن قابوس بن شمكير واستمده وأوهم الجميع أن البلاد في يده لا دافع له عنها وكان إصبهبذ معاديا لعلاء الدولة فسار هو و ولكين إلى همذان فملكاها وملكا أعمال الجبل وأجليا عنها عمال علاء الدولة وأتاهم عسكر منوجهر وعلي بن عمران فازدادوا قوة وساروا كلهم إلى أصبهان فتحصن علاء الدولة بها وأخرج الأموال فحصروه وجرى بينهم قتال استظهر فيه علاء الدولة وقصده كثير من ذلك العسكر وهو يبذل لمن يجيء إليه المال الجزيل ويحسن إليهم

فأقاموا أربعة أيام وضاقت عليهم الميرة فعادوا عنها وتبعهم علاء الدولة واستمال الجوزقان فمال إليه بعضهم وتبعهم إلى نهاوند فالتقوا عندها واقتتلوا قتالا كثر فيه القتلى والأسرى فظفر علاء الدولة وقتل ابنين لولكين في المعركة وأسر الأصبهبد وابنان له ووزيره ومضى ولكين في نفر يسير إلى جرجان وقصد علي بن عمران قلعة كنكور فتحصن بها فسار إليه علاء الدولة فحصره بها وبقي إصبهبد محبوسا عند علاء الدولة إلى أن توفي في رجب سنة تسع عشرة وأربعمائة

ثم ان ولكين بن وندرين سار بعد خلاصه من الوقعة إلى منوجهر بن قابوس وأطعمه في الري وملكها وهون عليه أمر البلاد لا سيما مع اشتغال علاء الدولة بمحاصرة علي بن عمران وانضاف إلى ذلك أن ولد ولكين كان صهر علاء الدولة على ابنته وقد أقطعه علاء الدولة مدينة قم فعصى عليه وسار مع أبيه وأرسل إليه يحثه على قصد البلاد فسار إليها ومعه عساكره وعساكر منوجهر حتى نزلوا على الري وقاتلوا مجد الدولة بن بوية ومن معه

وجرى بين الفريقين وقائع استظهر فيها أهل الري فلما رأى علاء الدولة ذلك صالح علي بن عمران فلما بلغ ولكين الصلح بين علاء الدولة وعلى بن عمران رحل عن الري من غير بلوغ غرض فتوجه علاء الدولة إلى الري وراسل منوجهر ووبخه وتهدده وأظهر قصد بلاده فسمع أن علي بن عمران قد كاتب منوجهر وأطعمه ووعده النصر وحثه على العود إلى الري

فعاد علاء الدولة عن قصد بلاد منوجهر وتجهز لقصد علي بن عمران فأرسل ابن عمران إلى منوجهر يستمده فسير إليه ستمائة فارس وراجل مع قائد من قواده وتحصن ابن عمران وجمع عنده الذخائر بكنكور وقصده علاء الدولة وحصره وضيق عليه ففني ما عنده فأرسل يطلب الصلح فاشترط علاء الدولة أن يسلم قلعة كنكور والذين قتلوا أبا جعفر ابن عمه والقائد الذي سيره إلى منوجهر

فأجابه إلى ذلك وسيرهم إليه فقتل قتلة ابن عمه وسجن القائد وتسلم القلعة وأقطع عليا عوضا عنها مدينة الدينور

وأرسل منوجهر إلى علاء الدولة فصالحه فأطلق صاحبه

ذكر عصيان البطيحة على أبي كاليجار ص 159

في هذه السنة عصى أهل البطيحة على الملك أبي كاليجار ومقدمهم أبو عبد الله الحسين بن بكر الشرابي الذي كان قديما صاحب البطيحة وقد تقدم خيره

وكان سبب هذا الخلاف أن الملك أبا كاليجار سير وزيره أبا محمد بن بابشاذ إلى البطيحة فعسف الناس وأخذ أموالهم وأمر الشرابي فوزضع على كل دار بالصليق قسطا وكان في صحبته ففعل فتفرقوا في البلاد وفارقوا أوطانهم

فعزم من يقي على أن يستدعوا من يتقدم عليهم في العصيان على أبي كاليجار

وقتل الشرابي وكان ينسبون كل ما يجري عليهم من الشرابي فعلم الشرابي بذلك فحضر عندهم واعتذر إليهم وبذل من نفسه مساعدتهم على ما يريدونه فرضوا به وحلفوا له وحلف لهم وأمرهم بكتمان الحال وعاد إلى الوزير فأشار عليه بإرسال أصحابه إلى جهات ذكرها ليحصلوا على الأموال فقبل منه ثم أشار عليه بإحدار سفنه إلى مكان ذكره ليصلح ما فسد منها ففعل فلما تم له ذلك وثب هو وأهل البطيحة عليه وأخرجوه من عندهم وكان عندهم وكان عندهم جماعة من عسكر جلال الدولة في الحبس فأخرجوهم واستعانوا بهم واتفقوا معهم وفتحوا السواقي وعادوا إلى ما كانوا عليه أيام مهذب الدولة وقاتلوا كل من قصدهم وامتنعوا فتم لهم ذلك

ثم قصده ابن المعبراني فاستولى على البطيحة وفارقها الشرابي إلى دبيس بن مزيد فأقام عنده مكرما

ذكر صلح أبي كاليجار مع عمه صاحب كرمان ص 160

في هذه السنة استقر الصلح بين أبي كاليجار وبين عمه أبي الفوارس صاحب كرمان

وكان أبو كاليجار قد سار إلى كرمان لقتال عمه وأخذ كرمان منه فاحتمى منه بالجبال

وحمى الحر على أبي كاليجار وعسكره فكثرت الأمراض فتراسلا في الصلح فاصطلحا على أن يكون كرمان لأبي الفوارس وبلاده لأبي كاليجار ويحمل إلى عمه كل سنة عشرين ألف دينار ولما عاد أبو كاليجار إلى الأهواز جعل أمور دولته إلى العادل بن مافنة فأجابه بعد امتناع وكان مولد العادل بكازرون سنة ستين وثلاث مائة وشرط العادل أن لا يعارض في الرأي يفعله فأجيب له ذلك

ذكر الخطبة لجلال الدولة ببغداد وإصاده إليها ص 160

في هذه السنة في جمادى الأولى خطب للملك جلال الدولة أبي طاهر بن بهاء الدولة ببغداد وأصعد إليها من البصرة فدخلها ثالث شهر رمضان وكان سبب ذلك أن الأتراك لما رأوا أن البلاد تخرب وأن العامة والعرب والأكراد قد طمعوا وأنهم ليس عندهم سلطان يجمع كلمتهم قصدوا دار الخلافة

وأرسلوا يعتذرون إلى الخليفة من انفرادهم بالخطبة لجلال الدولة أولا ثم برده ثانيا وبالخطبة لأبي كاليجارويشكرون الخليفة حيث لم يخالفهم في شيء من ذلك وقالوا إن أمير المؤمنين صاحب الأمر ونحن العبيد وقد أخطأنا ونسأل العفو وليس عندنا الآن من يجمع كلمتنا ونسأل أن ترسل إلى جلال الدولة ليصعد إلى بغداد ويملك الأمر ويجمع الكلمة ويخطب له فيها ويسألون أن يحلفه الرسول السائر لاحضاره لهم فاجابهم الخليفة إلى ما سألوا وراسله هو وقواد الجند في الإصعاد واليمين للخليفة والأتراك فحلف لهم وأصعد إلى بغداد وانحدر الأتراك إليه فلقوه في الطريق وأرسل الخليفة إليه القاضي أبا جعفر السماني فأعاد تجديد العهد عليه للخليفة والأتراك ففعل ولما وصل إلى بغداد نزل النجمي فركب الخليفة الخليفة في الطيار وانحدر يلتقيه فلما رآه جلال الدولة قبل الأرض بين يديه وركب في زبزبه ووقف قائما فأمره الخليفة بالجلوس فخدم وجلس ودخل إلى دار المملكة بعد أن مضى إلى مشهد موسى بن جعفر فزار وقصد الدار فدخلها وأمر بضرب الطبل أوقات الصلوات الخمس فراسله الخليفة في منعه فقطعه غضبا حتى أذن له في إعادته ففعل وأرسل جلال الدولة مؤيد الملك أبا علي الرخجي إلى الأثير عنبر الخادم وهو عند قرواش وقد ذكرنا ذلك يعرفه اعتضاده به واعتماده عليه ومحبته له ويعتذر إليه عن الأتراك فعذرهم وقال هم أولاد أخوة

ذكر وفاة أبي القاسم بن المغربي وأبي الخطاب ص 161

أما أبو القاسم المغربي فتوفي هذه السة بميافارقين وكان عمره ستا وأربعين سنة ولما أحس بالموت كتب كتابا على نفسه إلى كل من يعرفه من الأمراء والرؤساء الذين بينه وبين الكوفة ويعرفهم أن حظية له توفيت وأنه قد سير تابوتها إلى مشهد أمير المؤمنين علي عليه السلام وخاطبهم في المراعاة لمن في صحبته وكان قصده أن لا أحد لتابوته بمنع وينطو خبره فلما توفي سار به أصحابه كما أمرهم وأوصلوا الكتب فلم يعرض أحد إليه فدفن بالمشهد ولم يعلم أحد به إلا بعد دفنه ولأبي الحسن شعر حسن فمنه هذه الأبيات

( وما ظبية أدماء تحنو على طلا % ترى الإنس وحشا وهي تأنس بالوحش )

( غدت فارتعت ثم انثنت لرضاعته % فلم تلف شيئا من قوائمه الحمش )

( فطافت بذاك القاع ولهى فصادفت % سباع الفلا ينهشنه أيما نهش )

( بأوجع مني يوم ظلت أنامل % تودعني بالدر من شبك النقش )

( وأجمالهم تخدي وقد خيل الهوى % كأن مطاياهم على ناظري تمشي )

( وأعجب ما في الأمر أن عشت بعدهم % على أنهم ما خلفوا لي من بطش )

وأما أبو الخطاب حمزة بن إبراهيم فإنه مات بكرخ سامرا مفلوجا غريبا قد زال عنه أمره وجاهه وكان مولده سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة ورثاه المرتضى

كان سبب اتصاله ببهاء الدولة معرفة النجوم وبلغ منه منزلة لم يبلغها أمثاله فكان الوزراء يخدمونه وحمل إليه فخر الملك مائة ألف دينار فاستقلها وصار أمره إلى ما صار من الضيق والفقر والغربة

ذكر عدة حوادث ص 162

في هذه السنة سقط في العراق جمعية برد كبار يكون في الواحد رطل أو رطلان وأصغر كالبيضة فأهلك الغلات ولم يصح منها إلا القليل وفيها آخر تشرين الثاني هبت ريح باردة بالعراق جمد منها الماء والخل وبطل دوران الدواليب على دجلة

وفيها انقطع الحج من خراسان والعراق وفيها نقصت الدار المعزية وكان معز الدولة بن بويه بناها وعظمها وغرم عليها ألف ألف دينار وأول من شرع في تخريبها بهاء الدولة فإنه لما عمر داره بسوق الثلاثاء نقل إليها من انقاضها وأخذ سقفا منها وأراد أن ينقله إلى شيراز فلم يتم ذلك فبذل فيه من يحك ذهبه ثمانية آلاف دينار

ونقضت الآن وبيع أنقاضها

وفيها توفي هبة الله بن الحسن بن منصور أبو القاسم اللالكائي الرازي سمع الحديث الكثير وتفقه على أبي حامد الاسفرايني وصنف كتبا

وأبو القاسم طباطبا الشريف العلوي وله شعر جيد فمنه أن صديقا له كتب إليه رقعة فأجابه على ظهرها هذه الأبيات

( وقرأت الذي كتب ومازال % نجيي ومؤنسي وسميري )

( وغدا الفال بامتزاج السطور % حاكما بامتزاج ما في الضمير )

( واقترن الكلام لفظا وخطا % شاهدا باقتران ود الصدور )

( وتبركت باجتماع الكلامين % رجاء اجتماعنا في سرور )

( وتفاءلت بالظهور على الوا % شي فصارت إجابتي في الصدور )

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.