ذكر الحرب بين عسكر علاء الدولة والجوزقان
ص 154
في هذه السنة كانت حرب شديدة بين عساكر علاء الدولة بن كاكوية وبين الأكراد الجوزقان وكان سببها أن علاء الدولة استعمل أبا جعفر ابن عمه على سابور خواست وتلك النواحي
فضم إليه الأكراد الجوزقان وجعل معه على الأكراد أبا الفرج البابوني منسوب إلى بطن منهم فجرى بين أبي جعفر وأبي الفرج مشاجرة أدت إلى المنافرة فأصلح بينهما علاء الدولة وأعادهما إلى عملهما فلم يزل الحقد يقوى والشر يتجدد فضرب أبو جعفر أبا الفرج بلت كان في يده فقتله
فنفر الجوزقان بأسرهم ونهبوا وأفسدوا فطلبهم علاء الدولة وسير عسكرا واستعمل عليهم أبا منصور ابن عمه أخا أبي جعفر الأكبر وجعل معه فرهاذ بن مرداويج وعلي بن عمران فلما علم الجوزقان ذلك أرسلوا إلى علي بن عمران يسألونه أن يصلح حالهم مع علاء الدولة وقصده جماعة منهم فشرع في الاصلاح فطالبه أبو جعفر وفرهاذ بالجماعة الذين قصدوه ليسلمهم إليهما وأرادا أخذهم منه قهرا فانتقل إلى الجوزقان واحتمى كل منهم بصاحبه وجرى بين الطائفتين قتال غير مرة كان في آخره لعلي بن عمران والجوزقان فانهزم فرهاذ وأسر أبو منصور وأبو جعفر ابنا عم علاء الدولة فأما أبو جعفر فقتل قصاصا بأبي الفرج وأما أبو منصور فسجن فلما قتل أبو جعفر علم علي بن عمران أن الأمر قد فسد مع علاء الدولة ولا يمكن إصلاحه فشرع في الاحتياط
ذكر الحرب بين قرواش وبني أسد وخفاجة
ص 154
في هذه السنة اجتمع دبيس بن علي بن مزيد الأسدي وأبو الفتيان منيع بن حسان أمير بني خفاجة وجمعا عشائرهما وغيرهم وانضاف إليهما عسكر بغداد على قتال قرواش بن المقلد العقيلي وكان سببه أن خفاجة تعرضوا إلى السواد وما بيد قرواش منه فانحدر من الموصل لدفعهم فاستعانوا بدبيس فسار إليهم واجتمعوا فأتاهم عسكر بغداد فالتقوا بظاهر الكوفة وهي لقرواش فجرى بين مقدمته ومقدمتهما مناوشة وعلم قرواش أنه لا طاقة له بهم فسار ليلا جريدة في نفر يسير وعلم أصحابه بذلك فتبعوه منهزمين فوصلوا إلى الأنبار
وسارت أسد وخفاجة خلفهم فلما قاربوا الأنبار فارقها قرواش إلى حلله فلم يمكنهم الإقدام عليه واستولوا على الأنبار ثم تفرقوا
ذكر الفتنة ببغداد وطمع الأتراك والعيارين
ص 155
في هذه السنة كثر تسلط الأتراك ببغداد فأكثروا مصادرات الناس وأخذوا الأموال حتى أنهم قسطوا على الكرخ خاصة مائة ألف دينار
وعظم الخطب وزاد الشر وأحرقت المنازل والدروب والأسواق ودخل في الطمع العامة والعيارون فكانوا يدخلون على الرجل فيطالبونه بذخائره كما يفعل السلطان بمن يصادره فعمل الناس الأبواب على الدروب فلم تغن شيئا ووقعت الحرب بين الجند والعامة فظفر الجند ونهبوا الكرخ وغيره فأخذ منه مال جليل وهلك أهل الستر والخير
فلما رأى القوادو عقلاء الجندان الملك أبا كاليجار لا يصل إليهم وأن البلاد قد خربت وطمع فيهم المجاورون من العرب والأكراد راسلوا جلال الدولة في الحضور إلى بغداد فحضر على ما نذكره سنة ثمان عشرة وأربعمائة
ذكر أصعاد الأثير إلى الموصل والحرب الواقعة بين بني عقيل
ص 155
في هذه السنة أصعد الأثير عنبر إلى الموصل من بغداد وكان سببه أن الأثير كان حاكما في الدولة البويهة ماضي الحكم نافذ الأمر والجند من أطوع الناس له وأسمعهم لقوله فلما كان الآن زال ذلك وخالفه الجند فزالت طاعته عنهم فلم يلتفتوا إليه فخافهم على نفسه فسار إلى قرواش فندم الجند على ذلك وسألوه أن يعود فلم بفعل وأصعد إلى الموصل مع قرواش فأخذ ملكه وأقطاعه بالعراق
ثم إن نجدة الدولة بن قراد ورافع بن الحسين جمعا جمعا كثيرا من عقيل وانضم إليهم بدران أخو قرواش وساروا يريدون حرب قرواش
وكان قرواش لما سمع خبرهم قد اجتمع هو وغريب بن معن والأثير عنبر وأتاه مدد من ابن مروان فاجتمع في ثلاثة عشر ألف مقاتل فالتقوا عند بلد واقتتلوا وثبت بعضهم لبعض
وكثر القتل ففعل ثروان بن قراد فعلا جميلا وذاك أنه قصد غريبا في وسط المصاف واعتنقه وصالحه وفعل أبو الفضل بدران بن المقلد بأخيه قرواش كذلك فاصطلح الجميع وأعاد قرواش إلى أخيه بدران مدينة نصيبين
ذكر احراق خفاجة الأنبار وطاعتهم لأبي كاليجار
ص 156
في هذه السنة سار منيع بن حسان أمير خفاجة إلى الجامعين وهي لنور الدولة دبيس فنهبها
فسار دبيس في طلبه إلى الكوفة ففارقها وقصد الأنبار وهي لقرواش كان استعادها بعد ما ذكرناه قبل
فلما نازلها منيع قاتله أهلها فلم يكن لهم بخفاجة طاقة فدخل خفاجة الأنبار ونهبوها وأحرقوا أسواقها
فانحدر قرواش إليهم ليمنعهم وكان مريضا ومعه غريب والأثير عنبر إلى الأنبار ثم تركها ومضى إلى القصر
فاشتد طمع خفاجة وعادوا إلى الأنبار فأحرقوها مرة ثانية وسار قرواش إلى الجامعين فاجتمع هو ونور الدولة دبيس بن مزيد في عشرة الآف مقاتل وكانت خفاجة في ألف فلم يقدر قرواش في ذلك الجيش العظيم على هذه الألف وشرع أهل الأنبار في بناء سور على البلد وأعادهم قرواش وأقام عندهم الشتاء
ثم إن منيع بن حسان سار إأى الملك أبي كاليجار فأطاعه فخلع عليه
وأتى منيع الخفاجي إلى الكوفة فخطب فيها لأبي كاليجار وأزال حكم عقيل عن سقي الفرات
ذكر الصلح بأفريقية بين كتامة وزناتة وبين المعز بن باديس
ص 156
في هذه السنة وردت رسل زناتة وكتامة إلى المعز بن باديس صاحب أفريقية يطلبون منه الصلح وأن يقبل منهم الطاعة والدخول تحت حكمه وشرطوا أنهم يحفظون الطريق وأعطوا على ذلك عهودهم ومواثيقهم فأجابهم إلى ما سألوا وجاءت مشيخة زناتة وكتامة إليه فقبلهم وأنزلهم ووصلهم وبذل لهم أموالا جليلة
ذكر وفاة حماد بن المنصور وولاية ابنه القائد $
ص 156
في هذه السنة توفي حماد بن بلكين عم المعز بن باديس صاحب افريقية وكان خرج من قلعته منتزها فمرض ومات وحمل إلى القلعة فدفن بها
وولي بعده ابنه القائد وعظم على المعز موته لأن الأمر بينهما كان قد صلح واستقامت الأمور للمعز بعده وأذعن له أولاد عمه حماد بالطاعة
ذكر عدة حوادث
ص 157
في هذه السنة كان بالعراق برد شديد جمد فيه الماء في دجلة والأنهار الكبيرة فأما السواقي فإنها جمدت كلها وتأخر المطر وازدادت دجلة فلم يزرع في السواد إلا القليل
وفيها بطل الحج من خراسان والعراق
وفيها انقض كوكب عظيم استنارات له الأرض فسمع له دوي عظيم كان ذلك في رمضان
وفيها مات أبو سعد بن ماكولا وزير جلال الدولة في محبسه وأبو حازم عمر بن أحمد بن إبراهيم العبدوي النيسابوري الحافظ وهو من مشايخ خطيب بغداد
وأبو الحسن علي بن أحمد بن عمر الحمامي المقري مولده سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.