الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
27

ثم دخلت سنة ست عشرة واربعمائة

الجزء الثامن 5 عنصر صفحة 147
ذكر فتح سومنات ص 147

في هذه السنة فتح يمين الدولة في بلاد الهند عدة حصون ومدن وأخذ الصنم المعروف بسومنات وهذا الصنم كان أعظم أصنام الهند وهم يحجون إليه كل ليلة خسوف فيجتمع عنده ما ينيف على مائة ألف إنسان وتزعم الهنود أن الأرواح إذا فارقت الأجساد اجتمعت إليه على مذهب التناسخ فينشئها فيمن شاء وأن المد والجزر الذي عنده إنما هو عبادة البحر على قدر استطاعته وكانوا يحملون إليه كل علق نفيس ويعطون سدنته كل مال جزيل وله من الموقوف ما يزيد على عشرة الآف قرية وقد اجتمع في البيت الذي هو فيه من نفيس الجوهر ما لا يحصى قيمته

ولأهل الهند نهر كبير يسمى كنك يعظمونه غاية التعظيم ويلقون فيه عظام من يموت من كبرائهم ويعتقودن أنها تساق إلى جنة النعيم وبين هذا النهر وبين سومنات نحو مائتي فرسخ وكان يحمل من مائة كل يوم إلى سومنات ما يغسل به ويكون عنده من البرهميين كل يوم ألف رجل لعبادتة وتقديم الوفود إليه وثلاثمائة رجل يحلقون رؤوس زواره ولحاهم وثلاثمائة رجل وخمسمائة أمة يغنون ويرقصون على باب الصنم ولكل واحد من هؤلاء شيء علوم كل يوم

وكان يمين الدولة كلما فتح من الهند فتحا وكسر صنما يقول الهنود إن هذه الاصنام قد سخط عليها سومنات ولو أنه راض عنها لأهلك من قصدها بسوء فلما بلغ ذلك يمين الدولة عزم على غزوة وإهلاكه ظنا منه أن الهنود إذا فقدوه ورأوا كذب ادعائهم الباطل دخلوا في الإسلام فاستخار الله تعالى وسار عن غزنة عاشر شعبان من هذه السنة في ثلاثين ألف فارس من عساكره سوى المتطوعة

وسلك سبيل الملتان فوصلها منتصف شهر رمضان وفي طريقه إلى الهند برية قفر لا ساكن فيها ولا ماء ولا ميرة فتجهز هو وعسكره على قدرها ثم زاد بعد الحاجة عشرين ألف جمل تحمل الماء والميرة وقصد انهلوارة فلما قطع المفازة رأى في طرفها حصونا مشحونة بالرجال وعندها آبار قد غوروها ليعتذر عليه حصرها فيسر الله تعالى فتحها عند قربه منها بالرعب الذي قذفه في قلوبهم وتسلمها وقتل سكانها وأهلك أوثانها وامتاروا منها الماء وما يحتاجون إليه وسار إلى انهلوراة فوصلها مستهل ذي القعدة فرأى صاحبها المدعو بهيم قد أجفل عنها وتركها وأمعن في الهرب وقصد حصنا له يحتمي به فاستولى يمين الدولة على المدينة وسار إلى سومنات فلقي في طريقه عدة حصون فيها كثير من الأوثان شبه الحجاب والنقباء لسومنات على ما سول لهم الشيطان فقاتل من بها وفتحها وخربها وكسر أصنامها

وسار إلى سومنات في مفازة قفرة قليلة الماء فلقي فيها عشرين ألف مقاتل من سكانها لم يدينوا للملك فأرسل إليهم السرايا فقاتلوهم فهزموهم وغنموا ما لهم وامتاروا من عندهم وساروا حتى بلغوا دبولواره وهي مرحلتين من سومنات وقد ثبت أهلها له ظنا منهم أن سومنات يمنعهم ويدفع عنهم فاستولى عليها وقتل رجالها وغنم أموالها و سار عنها إلى سومنات فوصلها يوم الخميس منتصف ذي الققعدة

فرأى حصنا حصينا مبنيا على ساحل البحر بحيث تبلغه أمواجه

وأهله على الاسوار يتفرجون على المسلمين واثقين أن معبودهم يقطع دابرهم ويهلكهم

فلما كان الغد وهو الجمعة زحف وقاتل من به فرأى الهنود من المسلمين قتالا لن يعهدوا مثله ففارقوا السور فنصب المسلمون عليه السلام وصعدوا إليه وأعلنوا بكلمة الاخلاص وأظهروا شعار الإسلام فحينئذ اشتد القتال وعظم الخطب وتقدم جماعة الهنود إلى سومنات فعفروا له خدودهم وسألوه النصر وأدركهم الليل فكف بعضهم عن بعض فلما كان الغد بكر المسلمون إليهم وقاتلوهم فأكثروا في الهنود القتل وأجلوهم عن المدينة إلى بتن صنمهم سومنات فقاتلوا على بابه أشد قتال

وكان الفريق منهم بعد الفريق يدخل إلى سومنات فيعتقونه ويبكون ويتضرعون إليه ويخرجون فيقاتلون إلى أن يقتلوا حتى كاد الفناء يستوعبهم فبقي منهم القليل فدخلوا البحر إلى مركبين لهم لينجوا فيهما فأدركهم المسلمون فقتلوا بعضا وغرق بعض

وأما البيت الذي فيه سومنات فهو مبني على ست وخمسين سارية من الساج المصفح بالرصاص وسومنات في حجر طوله خمسة أذرع ثلاثة مدورة ظاهرة وذراعان في البناء وليس بصورة مصورة فأخذه يمين الدولة فكسره وأحرق بعضه وأخذ بعضه معه إلى غزنة فجعله عتبة الجامع وكان بيت الصنم مظلما وإنما الضوء الذي عنده من قناديل الجوهر الفائق وكان عنده سلسلة ذهب فيها جرس وزنها مائتا طن كلما مضى طائفة معلومة من الليل حركت السلسلة فيصوت الجرس فيقوم طائفة من البرهميين إلى عبادتهم وعنده خزانة فيها عدة من الأصنام الذهبية والفضية وعليها الستور المعلقة المرصعة بالجوهر كل واحد منها منسوب إلى عظيم من عظائمهم وقيمة ما في البيوت يزيد على عشرين ألف ألف دينار فأخذ الجميع

وكانت عدة القتلى تزيد على خمسين ألف قتيل

ثم إن يمين الدولة ورد عليه الخبر أن بهيم صاحب انهلوارة قد قصد قلعة تسمى كندهة في البحر بينها وبين البر من جهة سومنات أربعون فرسخا فسار إليها يمين الدولة من سومنات فلما حاذى القلعة رأى رجلين من الصيادين فسألهما عن خوض البحر هناك فعرفاه أنه يمكن خوضه لكن إن تحرك الهواء يسيرا غرق من فيه

فاستخار الله تعالى وخاضه هو ومن معه فخرجوا سالمين

فرأوا بهيم وقد فارق قلعته وأخلاها فعاد عنها وقصد المنصورة وكان صاحبها قد ارتد عن الإسلام فلما بلغه خبر مجيئ يمين الدولة فارقها واحتمى بغياض أشبه فقصده يمين الدولة من موضعين فأحاط به وبمن معه فقتلوا أكثرهم وغرق منهم كثير ولم ينج منهم إلا القليل

ثم سار إلى بهاطية فأطاعه أهلها ودانوا له فرحل إلى غزنة فوصلها عاشر صفر من سنة سبع عشرة وأربعمائة

ذكر وفاة مشرف الدولة وملك أخيه جلال الدولة ص 150

في هذه السنة في ربيع الأول توفي الملك مشرف الدولة أبو علي بن بهاء الدولة بمرض حاد وعمره ثلاث وعشرون سنة وثلاثة أشهر وملكه خمس سنين وخمسة وعشرون يوما

وكان كثير الخير قليل الشر عادلا حسن السيرة وكانت والدته في الحياة وتوفيت سنة خمس وعشرين ولما توفي مشرف الدولة خطب ببغداد بعد موته لأخيه أبي طاهر جلال الدولة وهو بالبصرة وطلب إلى بغداد فلم يصعد إليها

وإنما بلغ إلى واسط وأقام بها ثم عاد إلى البصرة فقطعت خطبته

وخطب لابن أخيه الملك أبي كاليجار بن سلطان الدولة بن بهاء الدولة في شوال وهو حينئذ صاحب خوزستان والحرب بينه وبين عمه أبي الفوارس صاحب كرمان بفارس فلما سمع جلال الدولة بذلك أصعد إلى بغداد فانحدر عسكرها ليردوه عنها فلقوه بالسيب من أعمال النهروان فردوه فلم يرجع فرموه بالنشاب ونهبوا بعض خزائنه فعاد إلى البصرة وأرسلوا إلى الملك أبي كاليجار ليصعد إلى بغداد ليملكوه فوعدهم الإصعاد ولم يمكنه لأجل صاحب كرمان ولما أصعد جلال الدولة كان وزيره أبا سعد بن ماكولا

ذكر ملك نصر الدولة بن مروان مدينة الرها ص 150

وفي هذه السنة ملك نصر الدولة بن مروان صاحب ديار بكر مدينة الرها وكان سبب ملكهاأن الرها كانت لرجل من بني نمير يسمى عطيرا وفيه شر وجهل واستخلف عليها نائبا له اسمه أحمد بن محمد فأحسن السيرة وعدل في الرعية فمالوا إليه وكان عطير يقيم بحلته ويدخل البلد في الأوقات المتفرقة فرأى أن نائبه يحكم في البلد ويأمر وينهى فحسده فقال له يوما قد أكلت مالي واستوليت على بلدي وصرت الأمير وأنا النائب فاعتذر إليه فلم يقبل عذره وقتله فأنكرت الرعية قتله وغضبوا على عطير وكاتبوا نصر الدولة بن مروان ليسلموا إليه البلد فسير إليهم نائبا كان له بآمد يسمى زنك فتسلمها وأقام بها ومعه جماعة من الأجناد

ومضى عطير إلى صالح بن مرداس وسأله الشفاعة له إلى نصر الدولة فشفع فيه فأعطاه نصف البلد ودخل عطير إلى نصر الدولة بميافارقين فأشار أصحاب نصر الدولة بقبضه فلم يفعل وقال لا أغدر به وإن كان أفسد وأرجوا أن أكف شره بالوفاء

وتسلم عطير نصف البلد ظاهرا وباطنا وأقام فيه مع نائب نصر الدولة

ثم إن نائب نصر الدولة عمل طعاما ودعاه فأكل وشرب واستدعى ولدا كان لأحمد الذي قتله عطيرا وقال تريد أن تأخذ بثأر أبيك قال نعم قال هذا عطير عندي في نفر يسير فإذا خرج فتعلق به في السوق وقل له يا ظالم قتلت أبي فإنه سيجرد سيفه عليك فإذا فعل فاستنفر الناس عليه واقتله وأنا من ورائك ففعل ما أمره وقتل عطيرا ومعه ثلاثة نفر من العرب فاجتمع بنو نمير وقالوا هذا فعل زنك ولا ينبغي لنا أن نسكت عن ثأرنا ولئن لم نقتله ليخرجنا من بلادنا فاجتمعت نمير وكمنوا له بظاهر البلد كمينا وقصد فريق منهم البلد فاغاروا على ما يقاربه فسمع زنك الخبر فخرج فيمن عنده من العساكر وطلب القوم فلما جاوز الكمناء خرجوا عليه فقاتلهم فأصابه حجر مقلاع فسقط وقتل وكان قتله سنة ثمان عشرة وأربعمائة في أولها وخلصت المدينة لنصر الدولة ثم إن صالح بن مرداس شفع في ابن عطير وابن شبل النمريين ليرد الرها إليهما فشفعة وسلمها إليهما وكان فيها برجان أحدهما أكبر من الآخر فأخذ ابن عطير البرج الكبير وأخذ ابن شبل البرج الصغير وأقاما في البلد إلى أن باعه ابن عطير من الروم على ما نذكره إن شاء الله تعالى

ذكر غرق الاسطول بجزيرة صقلية ص 151

في هذه السنة خرج الروم إلى جزيرة صقلية في جمع كثير وملكوا ما كان للمسلمين في جزيرة قلورية وهي مجاورة لجزيرة صقلية وشرعوا في بناء المساكن ينتظرون وصول مراكبهم وجموعهم مع ابن أخت الملك فبلغ المعز بن باديس فجهز أسطولا كبيرا أربعمائة قطعة وحشد فيها وجمع خلقا كثيرا وتطوع جمع كثير بالجهاد رغبة في الأجر فسار الأسطول في كانون الثاني فلما قرب من جزيرة قوصرة وهي قريب من بر أفريقية خرج عليهم ريح شديدة ونوء عظيم فغرق أكثرهم ولم ينج إلا اليسير

ذكر عدة حوادث ص 152

في هذه السنة ظهر أمر العيارين ببغداد وعظم شرهم فقتلوا النفوس ونهبوا الأموال وفعلوا ما أرادوا وأحرقوا الكرخ وغل السعر بها حتى بيع الكر الحنطة بمائتي دينار قاسانية

وفيها قبض جلال الدولة على وزيره أبي سعد بن ماكولا واستوزر ابن عمه أبا علي بن ماكولا

وفيها أرسل القادر بالله القاضي أبا جعفر السمناني إلى قرواش يأمره بابعاد الوزير أبي القاسم المغربي وكان عنده فأبعده فقصد نصر الدولة بن مروان بميافارقين وقد تقدم السبب فيه

وفيها توفي الوزير أبو منصور محمد بن الحسن بن صالحان وزير مشرف الدولة أبي الفوارس وعمره ست وسبعون سنة وقاضي القضاة أبو الحسن أحمد بن محمد بن أبي الشوارب ومولده في ذي القعدة سنة تسع عشرة وثلاثمائة

وكان عفيفا نزها وقيل توفي سنة سبع عشرة

وبسيل ملك الروم وملك بعده أخوه قسطنطين

وفيها ورد رسول محمود بن سبكتكين إلى القادر بالله ومعه خلع قد سيرها له الظاهر لإعزاز دين الله العلوي صاحب مصر ويقول أنا الخادم الذي أرى الطاعة فرضا

ويذكر ارسال هذه الخلع إليه وأنه سيرها إلى الديوان ليرسم فيها بما يرى فاحرقت على باب النوبى فخرج منها ذهب كثير تصدق به على ضعفاء بني هاشم

وفيها توفي سابور بن اردشير وزير بهاء الدولة وكان كاتبا سديدا وعمل دار الكتب ببغداد سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة وجعل فيها أكثر من عشرة الآف مجلد وبقيت إلى أن احترقت عند مجيء طغرلبك إلى بغداد سنة خمسين وأربعمائة

وفيها توفي عثمان الخوكوشي الواعظ النيسابوري وكان صالحا خيرا وكان إذا دخل على محمود بن سبكتكين يقوم ويلتقيه وكان محمود قد قسط على نيسابور مالا يأخذه منهم فقال له الخوكوشي بلغني أنك تكدي الناس وضاق صدري فقال وكيف قال بلغني أنك تأخذ أموال الضعفاء وهذه كدية فترك القسط وأطلقه وفيها بطل الحج من العراق وخراسان

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.