الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء الثامن / ثم دخلت سنة إحدى عشرة وأربعمائة
22

ثم دخلت سنة إحدى عشرة وأربعمائة

الجزء الثامن 7 عنصر صفحة 127
ذكر قتل الحاكم وولاية ابنه الظاهر ص 127

في هذه السنة ليله الإثنين لثلاث بقين من شوال فقد الحاكم بأمر الله أبو علي المنصور بن العزيز بالله نزار بن المعز العلوي صاحب مصر بها ولم يعرف له خبر وكان سبب فقده أنه خرج يطوف ليلة على رسمه وأصبح عند قبر الفقاعي توجه إلى شرقي حلوان ومعه ركابيان فاعاد أحدهما مع جماعة من العرب إلى بيت المال وأمرلهم بجائزة ثم عاد الركابي الآخر وذكر أنه خلفه عند العين والمقصبة وبقي الناس على رسمهم يخرجون كل يوم يلتمسون رجوعه إلى سلخ شوال فلما كان ثالث ذي القعدة خرج مظفر الصقلبي صاحب المظلة وغيره من خواص الحاكم ومعهم القاضي قبلغوا حلوان ودخلوا في الجبل فبصروا بالحمار الذي كان عليه راكبا وقد ضربت يداه بالسيف فأثر فيهما وعليه سرجه ولجامه فاتبعوا الأثر فانتهوا به إلى البركة التي شرقي حلوان فرأوا ثيابه

وهي سبع قطع صوف وهي مزررة بحالها لم تحل وفيها أثر السكاكين فعادوا ولم يشكوا في قتله وقيل كان سبب قتله ان اهل مصر كانوا يكرهونه لما يظهر منه من سوء أفعاله فكانوا يكتبون إليه الرقاع فيها سبه وسب أسلافه والدعاء عليه حتى إنهم عملوا من قراطيس صورة امرأة وبيدها رقعة

فلما رآها ظن أنها امرأة تشتكي فأمر بأخذ الرقعة منها فقرأها وفيها كل لعن وشتيمة قبيحة وذكر حرمه بما يكره

فأمر بطلب المرأة فقيل إنها من قراطيس فأمر بإحراق مصر ونهبها ففعلوا ذلك وقاتل أهلها اشد قتال وانضاف إليهم في اليوم الثالث الأتراك والمشارقة فقويت شوكتهم وأرسلوا إلى الحاكم يسألونه الصفح ويعتذرون فلم يقبل

فصاروا إلى التهديد

فلما رأى قوتهم أمر بالكف عنهم وقد أحرق بعض مصر ونهب بعضها وتتبع المصريون من أخذ نساءهم وأبناءهم فابتاعوا ذلك بعد أن فضحوهن فازداد غيظهم منه وحنقهم عليه

ثم إنه أوحش اخته وأرسل إليها مراسلات قبيحة يقول فيها بلغني أن الرجال يدخلون إليك وتهددها بالقتل فأرسلت إلى قائد كبير من قواد الحاكم يقال له ابن دواس وكان أيضا يخاف الحاكم تقول له إنني اريد أن القاك فحضرت عنده وقالت له قد جئت اليك في أمر تحفظ فيه نفسك ونفسي وأنت تعلم ما يعتقده أخي فيك وأنه متى تمكن منك لا يبقي عليك وأنا كذلك وقد انصاف إلى هذا ما تظاهر به مما يكرهه المسلمون ولا يصبرون عليه وأخاف ان يثوروا به فيهلك هو ونحن معه وتنقلع هذه الدولة فأجابها إلى ما تريد فقالت إنه يصعد إلى هذا الجبل غدا وليس معه غلام إلا الركابي وصبي وينفرد بنفسه فتقيم رجلين تثق بهما يقتلانه ويقتلان الصبي وتقيم ولده بعد وتكون أنت مدبر الدولة وأزيد في اقطاعك مائة الف دينار فأقام رجلين وأعطتهما هي الف دينار ومضيا إلى الجبل وركب الحاكم على عادته وسار منفردا ليه فقتلاه

وكان عمره ستا وثلاثين سنة وتسعى أشهر وولايته خمسا وعشرين سنة وعشرين يوما وكان جوادا بالمال سفاكا للدماء قتل عددا كثيرا من امائل دولته وغيرهم فكاتب سيرته عجيبة منها أنه أمر في صدر خلافته بسب الصحابة رضي الله عنهم وأن تكتب على حيطان الجوامع والأسواق وكتب إلى سائر عماله بذلك وكان ذلك سنة خمس وتسعين وثلاثمائة ثم أمر بعد ذلك بمدة بالكف عن السب وتأديب من يسبهم أو يذكرهم بسوء

ثم أمر في سنة تسع وتسعين بترك صلاة التراويح فاجتمع الناس بالجامع العتيق وصلى بهم إمام جميع رمضان فأخذه وقتله ولم يصل أحد التراويح إلى سنة ثمان وأربعمائة

فرجع عن ذلك وأمر بإقامتها على العادة وبنى الجامع براشدة وأخرج إلى الجوامع والمساجد من الآلات والمصاحف والستور والحصر مالم ير الناس مثله وحمل أهل الذمة على الإسلام أو المسير إلى مأمنهم أولبس الغيار فأسلم كثير منهم ثم كان الرجل منهم بعد ذلك يلقاه فيقول له إنني أريد العود إلى ديني فيأذن له ومنع النساء من الخروج من بيوتهن وقتل من خرج منهن فشكى إليه من لا قيم لها يقوم بأمرها فأمر الناس أن يحملوا كل ما يباع في الأسواق إلى الدروب ويبيعوه على النساء وأمر من يبيع أن يكون معه شبه المغرفة بساعد طويل يمده إلى المرأة وهي من وراء الباب وفيه ما تشتريه فإذا رضيت وضعت الثمن في المغرفة وأخذت ما فيها لئلا يراها فنال الناس من ذلك شدة عظيمة

ولما فقد الحاكم ولي الأمر بعده ابنه أبو الحسن علي ولقب الظاهر لإعزاز دين الله وأخذت له البيعة ورد النظر في الأمور جميعها إلى الوزير أبي القاسم علي بن أحمد الجرجائي

ذكر ملك مشرف الدولة العراق ص 129

في هذه السنة في ذي الحجة أمر أبي علي مشرف الدولة بن بهاء الدولة وخوطب بأمير الأمراء ثم ملك العراق وأزال عنه أخاه سلطان الدولة

وكان سببه أن الجند شغبوا على سلطان الدولة ومنعوه من الحركة

زأراد ترتيب أخيه مشرف الدولة في الملك فأشير على سلطان الدولة بالقبض عليه فلم يمكنه ذلك وأراد سلطان الدولة الانحدار إلى واسط فقال الجند إما أن تجعل عندنا ولدك أو أخاك مشرف الدولة فراسل أخاه بذلك فامتنع ثم أجاب بعد معاودة ثم انهما اتفقا واجتمعا ببغداد واستقر بينهما أنهما لا يستخدمان ابن سهلان وفارق سلطان الدولة بغداد وقصد الأهواز واستحلف أخاف مشرف الدولة على العراق

فلما انحدر سلطان الدولة ووصل تستر استوزر ابن سهلان فاستوحش مشرف الدولة فأنفذ سلطان الدولة وزيره ابن سهلان ليخرج أخاه مشرف الدولة من العراق فجمع مشرف الدولة عسكرا كثيرا منهم أتراك واسط وأبو الأغردبيس بن علي بن مزيد ولقي ابن سهلان عند واسط فانهزم ابن سهلان وتحصن بواسط وحاصره مشرف الدولة وضيق عليه فغلت الأسعار حتى بلغ الكر من الطعام الف دينار قاسانية وأكل الناس الدواء حتى الكلاب فلمت رأى ابن سهلان ادباره أموره سلم البلد واستخلف مشرف الدولة وخرج إليه وخوطب حينئذ مشرف الدولة بشاهنشاه وكان ذلك في أخر ذي الحجة

ومضت الديلم الذين كانوا بواسط في خدمته وساروا معه فحلف لهم وأقطعهم واتفق هو وأخوه جلال الدولة أبو طاهر فلما سمع سلطان الدولة ذلك سار عن الأهواز إلى أرجان وقطعت خطبته من العراق وخطب لأخيه ببغداد آخر المحرم سنة اثنتي عشرة وأربعمائة وقبض على ابن سهلان وكحل ولما سمع سلطان الدولة بذلك ضعفت نفسه وسار إلى الأهواز في أربعمائة فارس فقلت عليهم الميرة فنهبوا السواد في طريقهم

فاجتمع الأتراك الذين بالأهواز وقاتلوا أصحاب سلطان الدولة ونادوا بشعار مشرف الدولة وساروا منها فقطعوا على قافلة وأخذوها وانصرفوا

ذكر ولاية الظاهر لإعزاز دين الله ص 130

لما قتل الحاكم على ما ذكرناه بقي الجند خمسة أيام ثم أجتمعوا إلى أخته واسمها ست الملك وقالوا قد تأخر مولانا ولم تجر عادته بذلك فقالت قد جاءتني رقعته بأنه يأتي بعد غذ فتفرقوا وبعثت الأموال إلى القواد يد ابن دواس فلما كان اليوم السابع ألبست أبا الحسن علي ابن أخيها الحاكم أفخر الملابس وكان الجند قد حضروا للميعاد فلم يرعهم إلا وقد أخرج أبو الحسن وهو صبي والوزير بين يديه فصاح يا عبيد الدولة مولاتنا تقول بكم هذا مولاكم أمير المؤمنين فسلموا عليه فقبل ابن دواس الأرض والقواد الذين أرسلت إليهم الأموال ودعو له فتبعهم الباقون ومشوا معه ولم يزل راكبا إلى الظهر ودعا الناس من الغد فبايعوا له ولقب الظاهر لا عزاز دين الله

وكتبت الكتب إلى البلاد بمصر والشام بأخذ البيعة له وجمعت أخت الحاكم الناس ووعدتهم وأحسنت إليهم ورتبت الأمور ترتيبا حسنا وجعلت الأمر بيد ابن دواس وقالت له إننا نريد أن نرد جميع أحوال المملكة إليك ونزيد في أقطاعك ونشرفك بالخلع فاختر يوما يكون لذلك فقبل الأرض ودعا وظهر الخبر به بين الناس ثم أحضرته وأحضرت القواد معه وأغلقت أبواب القصر وأرسلت إليه خادما وقالت قل للقواد إن هذا قتل سيدكم وضربه بالسيف ففعل ذلك وقتله فلم يختلف رجلان وباشرت الأمور بنفسها وقامت هيبتها عند الناس واستقامت الأمور وعاشت بعد الحاكم أربع سنين وماتت

ذكر الفتنة بين الأتراك والأكراد بهمذان ص 131

في هذه السنة زاد شغب الأتراك بهمذان على صاحبهم شمس الدولة بن فخر الدولة

وكان قد تقدم ذلك منهم غير مرة وهو يحلم عنهم بل يعجز فقوي طمعهم فزادوا في التوثب والشغب وأرادوا اخراج القواد القوهية من عنده فلم يجبهم إلى ذلك فعزموا على الإيقاع بهم بغير أمره فاعتزل الأكراد مع وزيره تاج الملك أبي نصر بن بهرام إلى قلعة برجين فسار الأتراك إليهم فحصروهم ولم يلتفتوا إلى شمس الدولة فكتب الوزير إلى أبي جعفر بن كاكوية صاحب أصبهان يستنجده وعين له ليلة يكون قدوم العساكر إليه فيها بغتة ليخرج هو أيضا تلك الليلة لكبسوا الأتراك ففعل أبو جعفر ذلك وسير ألفي فارس وضبطوا الطرق لئلا يسبقهم الخبر وكبسوا الأتراك سحرا على غفلة ونزل الوزير والقوهية من القلعة فوضعوا فيهم السيوف فأكثروا القتل وأخذوا المال ومن سلم من الأتراك نجا فقيرا وفعل شمس الدولة بمن عنده في همذان كذلك وأخرجهم فمضى ثلاثمائة منهم إلى كرمان وخدموا با الفوارس بن بهاء الدولة صاحبها

ذكر القبض على أبي القاسم المغربي وابن فهد ص 131

في هذه السنة قبض معتمد الدولة قرواش بن المقلد على وزيره أبي القاسم المغربي وعلى أبي القاسم سليمان بن فهد بالموصل وكان ابن فهد يكتب في حداثته بين يدي الصابي وخدم المقلد بن المسيب

وأصعد إلى الموصل واقتنى بها ضياعا ونظر فيها لقرواش فظلم أهلها وصادرهم

ثم سخط قرواش عليهما فحيسهما وطولب سليمان بالمال فادعى الفقر فقتل

وأما المغربي فإنه خدع قرواشا ووعده بمال له في الكوفة وبغداد فأمر بحمله وترك

وفي قرواش وابن فهد والبرقعيدي وأبي جابر يقول الشاعر وهو ابن الزمكدم مادحا لابن قرواش هاجيا للباقين

( وليل كوجه البرقعيدي ظلمة % وبرد أغانيه وطول قرونه )

( سريت ونومي فيه نوم مشرد % كعقل سليمان بن فهد ودينه )

( علي أولق فيه التفات كأنه % أبو جابر في خطبه وجنونه )

( إلى أن بدأ ضوء الصباح كأنه % سنا وجه قرواش وضوء جبينه )

وهذه الأبيات قد أجمع أهل البيان على أنها غاية في الجودة لم يقل خير منها في معناها

ذكر الحرب بين قرواش وغريب بن معن ص 132

في هذه السنة في ربيع الأول اجتمع غريب بن معن ونور الدولة دبيس بن علي بن مزيد الأسدي وأتاهم عسكر من بغداد فقاتلوا قرواشا ومعه رافع ابن الحسين عند كرخ سر من رأى فانهزم قرواش ومن معه وأسر في المعركة ونهبت خزائنه وأثقاله واستجار رافع بغريب وفتحوا تكريت عنوة وعاد عسكر بغداد إليها بعد عشرة أيام

ثم إن قرواش خلص وقصد سلطان بن الحسين بن ثمال أمير خفاجة فسار إليهم جماعة من الأتراك فعاد قرواش وانهزم ثانيا هو وسلطان

وكانت الوقعة بينهم غربي الفرات

ولما انهزم قرواش مد نواب السلطان أيديهم إلى أعماله فأرسل يسأل الصفح عنه ويبذل الطاعة

ذكر عدة حوادث ص 132

فيها أغارت زناتة بأفريقية على دواب المعز بن باديس صاحب البلاد ليأخذوها فخرج اليهم عامل مدينة قابس فقاتلهم فهزمهم

وفيها في ربيع الآخر نشأت سحابة بأفريقية أيضا شديدة البرق والرعد فأمطرت حجارة كبيرة ما رأى الناس أكبر منها فأهلك كل من أصابه شيء منها

وفيها توفي أبو بكر محمد بن عمر العنبري الشاعر وديوانه مشهور ومن قوله

( ذنبي إلى الدهر أني لم أمد يدي % في الراغبين ولم أطلب ولم أسل )

( وأنني كلما نابت نوائبه % ألفيتني بالرزايا غير محتفل )

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.