ذكر خروج الترك من الصين وموت ظغان خان
ص 115
في هذه السنة خرج الترك من الصين في عدد كثير يزيدون على ثلاثة مائة ألف خركاه من أجناس الترك منهم الخطابية الذين ملكوا ما وراء النهر وسيرد خبر ملكهم إن شاء الله تعالى
وكان سبب خروجهم أن طغان خان لما ملك تركستان مرض مرضا شديدا وطال به المرض فطمعوا في البلاد لذلك
فساروا إليها وملكوا بعضها وغنموا وسبوا وبقي بينهم وبين بلاساغون ثمانية أيام
فلما بلغه الخبر كان بها مريضا فسأل الله تعالى أن يعافيه لينتقم من الكفرة ويحمي البلاد منهم ثم يفعل به بعد ذلك ما أراد فاستجاب الله له وشفاه
وجمع العساكر وكتب إلى سائر بلاد الإسلام يستنفر الناس فاجتمع إليه من المتطوعة مائة ألف وعشرون ألفا
فلما بلغ الترك خبر عافيته وجمعه العساكر وكثرة من معه عادوا إلى بلادهم
فسار خلفهم نحو ثلاثة أشهر حتى أدركهم وهم آمنون لبعد المسافة
فكبسهم وقتل منهم زيادة على ما أتيت ألف رجل وأسر نحو مائة ألف وغنم من الدواب والخركاهات وغير ذلك من الأواني الذهبية والفضية ومعمول الصين مالا عهد لأحد بمثله
وعاد إلى بلاساغون
فلما بلغها عاوده مرضه فمات منه
وكان عادلا خيرا دينا يحب العلم وأهله ويميل إلى أهل الدين ويصلهم ويقربهم
وما أشبه قصته بقصة سعد بن معاذ الأنصاري وقد تقدمت في غزوة الخندق وقيل كانت هذه الحادثة مع أحمد بن علي قراخان أخي ظغان خان وإنها كانت سنة ثلاث وأربعمائة
ذكر ملك أخيه أرسلان خان
ص 115
لما مات طغان خان ملك بعده أخوه أبو المظفر أرسلان خان ولقبه شرف الدولة فخالف عليه قدر خان يوسف بن بغرا خان هارون بن سليمان الذي ملك بخارى وقد تقدم ذكره وكان ينوب عن طغان خان بسمرقند
فكاتب يمين الدولة يستنجده على أرسلان خان فعقد على جيحون جسرا من السفن وضبطه بالسلاسل وعبر عليه ولم يكن يعرف هناك قبل هذا
وأعانه على أرسلان خان
ثم إن يمين الدولة خافه فعاد إلى بلاده
فأصلح قدرخان وأرسلان خان على قصد برللاد يمين الدولة واقتسامها وسار إلى بلخ
وبلغ الخبر إلى يمين الدولة فقصدهما واقتتلوا
وصبر الفريقان ثم انهزم الترك وعبروا جيحون
فكان من غرق منهم أكثر ممن نجا
وورد رسول متولي خوارزم إلى يمين الدولة يهنئه بالفتح عقيب الوقعة فقال له من أين علمتم فقال من كثرة القلانس التي جاءت على الماء وعبر يمين الدولة فشكا أهل تلك البلاد إلى قدرخان ما يلقون من عسكر يمين الدولة فقال ( ( قد قرب الأمر ببنا وبين عدونا فإن ظفرنا منعنا عنكم وإن ظفر عدونا فقد استرحتم منا ) )
ثم اجتمع هو وقدرخان وأكلا طعاما
وكان قدر خان عادلا حسن السيرة كثير الجهاد فمن فتوحه ختن وهي بلاد بين الصين وتركستان وهي كثيرة العلماء والفضلاء
وبقي كذلك إلى سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة فتوفي فيها وكان يديم الصلاة في الجماعة ولما توفي خلف ثلاث بنين منهم أبو شجاع أرسلان خان وكان له كاشغر وختن وبلاساغون وخطب له على منابرها وكان لقبه شرف الدولة
ولم يشرب الخمر قط وكان دينا مكرما للعلماء وأهل الدين
فقصدوه من كل ناحية فوصلهم وأحسن إليهم
وخلف أيضا بغراخان بن قدرخان وكان له طراز واسبيجاب
فقد أخوه أرسلان وأخذ مملكته فتحاربا فانهزم أرسلان خان وأخذ أسيرا فأودعوه الحبس وملك بلاده ثم إن بغراخان عهد بالملك لولد الأكبر واسمه حسين جغري تكين وجعله ولي عهده وكان لبغراخان امرأة له منها ولد صغير فغاظها ذلك فعملت إليه وسمته فمات هو وعدة من أهله
وخنقت أخاه أرسلان خان بن قدرخان وكان ذلك سنة تسع وثلاثين وأريعماءة
وقتلت وجوه أصحابه وملكت ابنه واسمه إبراهيم وسيرته في جيش إلى مدينة تعرف ببرسخان وصاحبها يعرف بينالتكين
قظفر به ينال تكين وقتله وانهزم عسكره إلى أمه
واختلف أولاد بغراخان فقصدهم طفغاج خان صاحب سمرقند
ذكر ملك طفغاج خان وولده
ص 117
وكان طفغاج خان أبو المظفر إبراهيم بن نصر أيلك يلقب عماد الدولة وكان بيده سمرقند وفرغانة
وكان أبوه زاهدا متعبدا وهو الذي ملك سمرقند ورثه ابنه طفغاج وملك بعده
وكان طفغاج متدينا لا يأخذ مالا حتى يستفتي الفقهاء
فورد عليه أبو شجاع العلوي الواعظ وكان زاهدا فوعظه وقال له إنك لا تصلح للملك
فأغلق طفغاج بابه وعزم على ترك الملك
فاجتمع عليه أهل البلد وقالوا قد أخطأ هذا والقيام بأمورنا متعين عليك
فعند ذلك فتح بابه ومات سنة ستين وأربعمائة
وكان السلطان ألب ارسلان قصد بلاده ونهبها أيام عمه طغرلبك فلم يقابل الشر يمثله
وأرسل رسولا إلى القائم بأمر الله سنة ثلاث وخمسين يهنئه بعوده إلى مستقره ويسأل التقدم إلى ألب أرسلان عن بلاده فأجيب إلى ذلك وأرسل إليه الخلع والألقاب ثم فلج سنة ستين
وكان في حياته قد جعل الملك في ولده شمس الملك فقصده أخوع طغان خان بن طفغاح وحصره بسمرفند فاجتمع أهلها إلى شمس الملك وقالوا له ( ( قد خرب أخوك ضياعنا وأفسدها ولو كان غيره لساعدناك ولمنه أخوك فلا ندخل بينكما
فوعدهم المناجزة وخرج من البلد نصف الليل في خمسمائة غلام معدين وكبس أخاه وهو غير محتاط فظفر به فهزمه فكان هذا وأبوهما حي
ثم قصده هارون بغراخان بن يوسف قدرخان وطغرل قراخان وكان طفغاج قد استولى على ممالكها وقاربا سمرقند فلم يظفر بشمس الملك فصالحاه وعادا
فصارت الأعمال المتاخمة لجيحون لشمس الملك وأعمال الخاهر في أيديهما والحد بينهما خجندة
وكان السلطان ألب أرسلان قد تزوج ابنه قدرخان وكان قبله عند مسعود بن محمود بن سبكتكين وتزوج شمس الملك ابنة ألب أرسلان وزوج بنت عمه عيسى خان من السلطان ملكشاه وهي خاتون الجلالية أم الملك محمود الذي ولي السلطنة بعد أبيه وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى
ثم اختلف ألب أرسلان وشمس الملك وسنذكره سنة خمس وستين عند قتل ألب أرسلان ثم مات شمس الملك فولي بعده أخوه خضر خان
ثم مان فولي ابنه أحمد خان وهو الذي قبض عليه ملكشاه ثم أطلقه وأعاده إلى ولايته سنة خمس وتمانين وسنذكره هناك إن شاء الله تعالى
ثم إن جنده ثاروا به فقتلوه
وملك بعده محمود خان
وكان جده من ملوكهم وكان أصم
فقصده طغان خان بن قراخان صاحب طراز فقتله واستولى على الملك واستناب بسمرقند أبا المعالي محمد بن زيد العلوي البغدادي فولي ثلاث سنين ثم عصى عليه فحاصره طغان خان وأخذه وقتله
وقتل خلقا كثيرا معه ثم خرج طغان خان إلى ترمذ يريد خراسان فلقيه السلطان سنجر وظفر به وقتله وصارت أعمال ما وراء النهر له فاستناب بها محمد خان بن كمشتكين بن إبراهيم بن طفغاج خان فأخذها منه عمر خان وملك سمرقند ثم هرب من جنده وقصد خوارزم فظفر به السلطان سنجر فقتله وولي سمرقند محمد خان وولي بخارى محمد تكين بن طغانتكين
ذكر كاشغر وتركستان
ص 118
وأما كاشغر وهي مدينة تركستان فإنها لآرسلان خان بن يوسف قدرخان كما ذكرنا
ثم صارت بعده لمحمود بغراخان صاحب طراز والشاش خمسة عشر شهرا
ثم مات فولي بعده طغرلخان بن يوسف قدرخان فاستولى على الملك وملك بلا ساغون وكان ملكه ستة عشرة سنة
ثم توفي وملك ابنه طغرلتكين وأقام شهرين ثم أتى هارون بغراخان أخو يوسف طغرلخان بن طفغاج بغراخان وعبر كاشغر وقبض على هارون وأطاعه عسكره وملك كاشغر وختن وما يتصل به إلى ساغون وأقام مالكا تسعا وعشرين سنة وتوفي سنة ست وتسعين وأربعمائة فولي ابنه أحمد بن أرسلان خان وأرسل رسولا إلى الخليفة المستظهر بالله يطلب منه الخلع والألقاب فأرسل إليه ما طلب ولقبه نور الدولة
ذكر وفاة مهذب الدولة وحال البطيحة بعده
ص 118
في هذه السنة في جمادى الاولى توفي مهذب الدولة أبو الحسن علي بن نصر ومولده سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة وهو الذي نزل عليه القادر بالله وكان سبب موته أنه افتصد فانتفخ ساعده ومرض منه واشتد مرضه
فلما كان قبل وفاته بثلاثة أيام تحدث الجند بإقامة ولده أبي الحسين أحمد مقامه فبلغ ابن أخت مهذب الدولة وهو أبو محمد عبد الله بن يني فاستدعى الديلم والأتراك ورغبهم ووعدهم واستحلفهم لنفسه وقرر معهم القبض على أبي الحسين بن مهذب الدولة وتسليمه إليه فمضوا إليه ليلا وقالوا له ( ( أنت ولد الأمير ووارث الأمر من بعده فلو قمت معنا إلى دار الإمارة ليظهر أمرك وتجتمع الكلمة عليك لكان حسنا ) ) فخرج من داره معهم فلما فارقها قبضوا عليه وحملوه إلى أبي محمد فسمعت والدته فدخلت إلى مهذب الدولة قبل موته بيوم فأعلمته الخبر فقال ( ( أي شيء أقدر أعمل وأنا على هذه الحال ) ) وتوفي من الغد وولي الأمر أبو محمد وتسلم الأموال والبلد وأمر بضرب أبي الحسين بن مهذب الدولة فضرب ضربا شديدا توفي منه بعد ثلاثة أيام من مموت أبيه وبقي أبو محمد أميرا إلى منتصف شعبان توفي بالذبحة وكان قد قال قبل موته رأيت مهذب الدولة في المنام وقد أمسك حلقي ليخنقني ويقول قتلت ابني أحمد وقابلت نعمتي عليك بذاك فمات بعد أيام فكان ملكه أقل من ثلاثة أشهر
فلما توفي اتفق الجماعة على تأمير أبي عبد الله الحسين بن بكر الشرابي وكان من خواص مهذب الدولة فصار أمير البطيحة وبذل للملك سلطان الدولة بذولا فأقره عليها
وبقي إلى سنة عشر وأربعمائة
فسير إليه سلطان الدولة صدقة بن فارس المازياري فملك البطيحة وأسر أبا عبد الله الشرابي فبقي عند أسيرا إلى أن توفي صدقة وخلص على ما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر وفاة علي بن مزيد وإمارة ابنه دبيس
ص 119
في هذه السنة في ذي القعدة توفي أبو الحسن علي بن مزيد الأسدي وقام بعده ابنه نور الدولة أبو الأغردبيس
وكان أبوه قد جعله ولي عهده في حياته وخلع عليه سلطان الدولة وأذن في ولايته
فلما توفي والده اختلفت العشيرة على دبيس فطلب اخوه المقلد بن أبي الحسن على الإمارة وسار إلى بغداد وبذل للأتراك بذولا كثيرة ليعاضدوه
فسار معه منهم جمع كثير وكبسوا دبيسا بالنعمانية ونهبوا حلته
فانهزم إلى نواحي واسط وعاد الأتراك إلى بغداد
وقام الأثير الخادم بأمر دبيس حتى ثبت قدمه ومضى المقلد أخوه إلى بني عقيل
ونذكر باقي أخباره موضعها إن شاء الله تعالى
ذكر عدة حوادث
ص 120
في هذه السنة ضعف أمر الديلم ببغداد وطمع فيهم العامة فانحدروا إلى واسط فخرج إليهم عامتها وأتراكها فقاتلوهم فدفع الديلم عن أنفسهم وقتلوا من أتراك واسط وعامتها خلقا كثيرا وعظم أمر العيارين ببغداد فأفسدوا ونهبوا الأموال
وفيها توفي الحاجب أبو طاهر سباشي المشطب كان كثير المعروف وأبو الحسن الهماني وكان متولي البصرة وغيرها وهو الذي مدحه مهيار بقوله ( ( استنجد الصبر فيكم وهو مغلوب ) )
وفيها قدم سلطان الدولة بغداد وضرب الطبل في أوقات الصلوات الخمس ولم تجربه عادة إنما كان عضد الدولة يفعل ذلك في أوقات ثلاث صلوات
وفيها هرب ابن سهلان من سلطان الدولة إلى هيت وأقام عند قرواش وولى سلطان الدولة موضعه أبا القاسم جعفر بن أبي الفرج بن فسانجس ومولده ببغداد سنة خمس وخمسين وثلاثمائة
وفيها كانت ببغداد فتنة بين أهل الكرخ من الشيعة وبين غيرهم من أهل السنة اشتدت وفيها استتاب القادر بالله المعتز والشيعة وغيرهما من أرباب المقالات المخالفة لما يعتقده من مذاهبهم ونهى عن المناظرة في شيء منها
ومن فعل ذلك نكل به وعوقب
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.