ذكر الفتنة بين باديس وعمه حماد
ص 85
في هذه السنة هر الاختلاف بين الأمير باديس صاحب أفريقية وعمه حماد حتى آل الأمر بينهما إلى الحرب التي لا بقيا بعدها
وسبب ذلك أن باديس أبلغ عن عمه حماد قوارص وأموز أنكرها فاغضى عليها حتى كثر ذلك عليه
وكان لباديس ولد اسمه المنصور أراد أن يقدمه ويجعله ولي عهده فأرسل إلى عمه حماد يقول بأن يسلم بعض ما بيده من الأعمال التي أقطعه إلى نائب ابنه المنصور وهي مدية تيجس وقيصر الإفريقي وقسنطينة
وسير إلى تسليم ذلك هاشم بن جعفر وهو من كبار قوادهم وسير معه عمه إبراهيم ليمنع أخاه حمادا من أمر أراده فسار إلى أن قاربا حماد ففارق إبراهيم هاشما وتقدم إلى أخيه حماد
فلما وصل إليه حسن له الخلاف على باديس ووافقه على ذلك وخلعا الطاعة وأظهرا العصيان وجمعا الجموع الكثيرة فكانوا ثلاثين ألف مقاتل فبلغ ذلك باديس فجمع عساكره وسار إليهما
ورحل حماد وأخوه إبراهيم إلى هاشم بن جعفر والعسكر الذين معه وهو بقلعة شقنبارية فكان بينهم حرب انهزم ابن جعفر ولجأ إلى باجة وغنم حماد ماله وعدده فرحل باديس إلى مكان يسمى قبر الشهيد فأتاه جمع كثير من عسكر عمه حماد
ووصلت كتب حماد وإبراهيم إلى باديس أنهما ما فارقا الجماعة ولا خرجا عن الطاعة فكذبهما ما ظهر من أفعالهما من سفك الدماء وقتل الأطفال وإحراق الزروع والمساكن وسبي النساء
ووصل حماد إلى باجة فطلب أهلها منه الأمان فأمنهم واطمأنوا إلى عهده فدخلها يقتل وينهب ويحرق ويأخذ الأموال
وتقدم باديس إليه بعساكره
فلما كان في صفر سنة ست وأربعمائة ووصل حماد إلى مدينة أشير وهي له وفيها نلئبه واسمه خلف الحميري فمنعه خلف من دخولها وصار في طاعة باديس فسقط في يد حماد فإنها كانت معولة لحصانتها وقوتها
ووصل باديس إلى مدينة المسيلة ولقيه أهلها وفرحوا به
وسير جيشا إلى المدينة التي أحدثها حماد فخربوها إلى أنهم لم يأخذوا مال أحد وهرب إلى باديس جماعة كثيرة من جند القلعة التي له وفيها أخوه إبراهيم
فأخذ إبراهيم أبناءهم وذبحهم على صدور أمهاتهم فقيل أنه ذبح بيده منهم ستين طفل
فلما فرغ من الأطفال قتل الأمهات وتقارب باديس وحماد والتقوا مستهل جمادى الأولى واقتتلوا أشد قتال وأعظمه ووطن أصحاب باديس أنفسهم على الصبر أو الموت لما كان حماد يفعله لمن يظفر به
واختلط الناس بعضهم ببعض وكثر القتل ثم انهزم حماد وعسكره لا يلوي علي شيء
وغنم عسكر باديس أثقاله وأمواله وفي جملة ما غنم منه عشرة آلاف درقة مختارة لمط
ولولا اشتغال العسكر بالنهب لأخذ حماد أسيرا وسار حتى وصل إلى قلعته تاسع جمادى الأولى وجاء إلى مدينة دكمة فتجنى على أهلها فوضع السيف فيهم فقتل ثلاثمائة رجل فخرج إليه فقيه منها
وقال له ( ( يا حماد اذا لقيت الجيوش انهزمت واذا قادمتك الجموع فررت وإنما قدرتك وسلطانك على أسير لا قدرة له عليك ) )
فقتله وحمل جميع ما في المدينة من طعام وملح وذخيره إلى القلعة التي له
وسار باديس خلفه وعزم على المقام بناحيته وأمر بالبناء وبذل الأموال لرجاله فاشتد ذلك على حماد وأنكر رجاله وضعفت نفسه وتفرق منه أصحابه
ثم مات ورو بن سعيد الزناتي المتغلب على ناحية طرابلس واختلفت كلمة زناتة فمالت فرقة مع أخيه خزرون وفرقة مع ابن ورو فاشتد ذلك أيضا على حماد
وكان يطمع أن زناتة تغلب علي بعض البلاد فيضطر باديس إلى الحركة إليهم
ذكر وفاة باديس وولاية ابنه المعز
ص 86
لما كان يوم الثلاثاء سلخ ذي القعدة سنة ست وأربعمائة أمر باديس بعرض العساكر فرأى ما سره
وركب آخر النهار ونزل معه جماعة من أصحابه ففارقوه إلى خيامهم
فلما كان نصف الليل توفي
وخرج الخادم في الوقت إلى حبيب بن أبي سعيد وباديس بن أبي حمامة وأيوب بن يطوفت وهم أكبر قواده فأعلمهم بوفاته
وكان بين حبيب وباديس بين حمامة عداوة
فخرج حبيب مسرعا إلى باديس وخرج باديس إليه أيضا فالتقيا في الطريق فقال كل واحد منهما لصاحبه
قد عرفت الذي بيننا والأولى أن نتفق على إصلاح هذا الخلل فإذا انقضى رجعنا إلى المنافسة فاجتمعا مع أيوب وقالوا إن العدو قريب منا وصاحبنا بعيد منا ومتى لم نقدم رأسا نرجع إليه في أمورنا لم نأمن العدو ونحن نعلم ميل صنهاجة إلى المعز وغيرهم إلى كرامت بن المنصور أخي باديس
فاجتمعوا على توليه كرامت ظاهرا فإذا وصلوا إلى موضع الأمن ولوا المعز بن باديس وينقطع الشر فأحضروا كرامت وبايعوه وولوه في الحال وأصبحوا وليس عند أحد من العسكر خبر من ذلك وعزموا أن يقولوا للنا س بكرة بأن باديس قد شرب دواء فلما اصبحوا أغلق أهل مدينة المحمدية أبوابها وكأنما نودي فيهم بموت باديس فشاع الخبر وخاف الناس خوفا عظيما واضطربوا لموته وأظهروا ولاية كرامت
فلما رأى ذلك عبيد باديس ومن معه أنكروه فخلا حبيب بأكابرهم وعرفهم الحال فسكنوا
ومضى كرامت إلى مدينة أشير ليجمع صنهاجة وتلكاكة وغيرهم
وأعطوهم من الخزائن مائة ألف دينار
وأما المعز فإنه كان عمره ثمان سنين وستة أشهر وأياما تقريبا لأن مولده في جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة
ولما وصل إليه الخبر بموت أبيه أجلسه من عنده للعزاء ثم ركب في الموكب وبايعه الناس
فكان يركب كل يوم ويطعم الناس كل يوم بين يديه
وأما العساكر فإنهم رحلوا من مدينة المحمدية إلى المعز وجعلوا باديس في تابوت بين يدي العسكر والطبول البنود على رأسه والعساكر تتبعه ميمنة وميسرة
وكان وصولهم إلى المنصورية رابع المحرم سنة سبع وأربعمائة
ووصلوا إلى المهدية والمعز بها ثامن المحرم فركب المعز ووقف حبيب يعلمه بهم ويذكر له أسماءهم ويعرفه بقوادهم وأكابرهم
فرحل المعز من المهدية فوصل إلى المنصورية منتصف المحرم
وهذا المعز أول من حمل الناس بأفريقية على مهذهب مالك وكان الأغلب عليهم مذهب أبي يحنيفة
وأما كرامت فإنه لما وصل إلى مدينة أشير اجتمع عليه قبائل صنهاجة وغيرهم
فأتاه حماد في ألف وخمسمائة فارس فتقدم إليه كرامت بسبعة آلاف مقاتل فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا فرجع بعض أصحاب كرامت إلى بيت المال فانتهبوه وهربوا
فتمت الهزيمة عليه وعلى أصحابه ووصل إلى مدينة أشير فأشار عليه قاضيها وأعيان أهلها بالمقام ومنع حماد عنها ففعل
ونازلهم حماد وطلب كرامت ليجتمع به فخرج إليه فأعطاه مالا وأذن له في المسير إلى المعز وقتل حماد من أهل أشير كثيرا حيث أشاروا على كرامت بحفظ البلد ومنع حماد منه ووصل كرامت إلى المعز في المحرم هذه السنة فأكرمه وأحسن إليه
وفي آخر ذي الحجة سير الحاكم الخلع من مصر إلى المعز ولقبه شرف الدولة ولم يذكر ما كان منه إلى الشيعة من القتل والإحراق
وسار المعز إلى حماد لثمان بقين من صفر سنة ثمان وأربعمائة بالعساكر لمنعه عن البلاد
فإنه كان يحاصر باغية وغيرها
فلما قاربه رحل عن بغية و التقوا آخر ربيع الأول فما كان إلا ساعة حتى انهزم حماد وأصحابه ووضع أصحاب المعز فيهم السيف وغنموا مالهم من عدد ومال وغير ذلك
فنادى المعز من أتى برأس فله اربعة دنانير فأتي بشيء كثير وأسر إبراهيم أخو حماد ونجا حماد وقد أصابته جراحة وتفرق عنه أصحابه ورجع المعز
وورد رسول من حماد إليه يعتذر ويقر بالخطأ ويسأل العفو
فأجابه المعز إن كنت على ما قلته فأرسل ولدك القائد إلينا
زاستعمل المعز على جميع العرب المجاورة لإبراهيم عمه كرامت
فعاد جواب حماد أن اذا وصله كتاب أخيه إبراهيم بالعلامات التي بينهم أنه قد أخذ له عهد المعز بعث ولده القائد أو حضر بنفسه فحضر إبراهيم وأخذ العهود على المعز وأرسل إليه يعرفه ذلك ويشكر المعز على إحسانه إليه
ووصل المعز إلى قصره آخر جمادى الأولى
ولما وصل أطلق عمه إبراهيم وخلع عليه واعطاه الأموال والدواب وجميع ما يحتاج إليه
فلما سمع حماد ذلك أرسل ولده القائد إلى المعز وكان وصوله للنصف من شعبان فأكرمه وأعطاه شيئا كثيرا وأقطعه المسيلة وطبنة وغيرهما
وعاد إلى أبيه في شهر رمضان ورضي الصلح وحلف عليه واستقرت الأمرو بينهما وتصاهرا وزوج المعز أخته بعبد الله بن حماد فازدادوا اتفاقا وأمنا
وكان بأفريقية والغرب غلاء بسبب الجراد واختلاف الملوك
ولما استقر الصلح والاتفاق سير المعز الجيوش إلى القبائل من البربر وغيرهم
فإن الحروب ينهم كانت بسبب الاختلاف كثيرة والدماء مسفوكة
فلما رأوا عساكر السلطان رجعوا إلى السكون وترك الحر ب من أبى قوتل فقتل المفسدون وأصلح ما بين القبائل
ووصل من جزيرة الأندلس زاوي بن زيري بن مناد عم أبي المعز وأهله وولده وحشمه
وكان قد أقام بالأندلس مدة طويلة
وقد ذكرناه سبب دخوله الأندلس وملك بالأندلس غرناطة وقاسى حروبا كثيرة ووصل معه من الأموال والعدد والجواهر شيء كثير لا يحد فأكرمهم المعز وحمل لهم شيئا عظيما وإقامات زائدة وأقاموا عنده
كان ينبغي أن يكتب وفاة باديس وما بعده سنة سبع وأربعمائة وإنما اتبعنا بعض أخبارهم بعضا
ذكر غزوة محمود إلى الهند
ص 89
في هذه السنة غزا محمود بن سبكتكبين الهند على عادته فضل أدلاؤه الطريق ووقع هو وعسكره في مياه فاضت من البحر فغرق كثير ممن معه وخاض الما بنفسه أياماحتى تخلص وعاد إلى خراسان
ذكر قتل فخر الملك ووزارة ابن سهلان
ص 89
وفيها قبض سلطان الدولة على نائبه بالعراق ووزيره فخر الملك أبي غالب وقتل سلخ ربيع الأول
وكان عمره اثنتين وخمسين سنة وأحد عشر شهرا
وكان نظره بالعراق خمس سنين وأربعة شهور واثني عشر يوما
وكان كافيا حسن الولاية ولآثار ووجد له ألف ألف دينار عينا سوى ما نهب وسوى الأعراض وكان قبضه بالأهواز
ولما مات نقل إلى مشهد أمير المؤمنين علي عليه السلام فدفن هناك قيل كان ابن علمكار وهو من كبار قوادهم قد قتل انسانا ببغداد فكانت زوجته تكتب إلى فخر الملك أبي غالب تتظلم منه ولا يلتفت إليها فلقيته يوما وقالت له ( ( تلك الرقاع التي كنت أكتبها إليك صرت أكتبها إلى الله تعالى ) )
فلم يمض على ذلك غير قليل حتى قبض هو وابن علمكار فقال له فخر الملك ( ( قد برز جواب رقاع تلك المرأة ) )
ولما قبض فخر الملك استوزر سلطان الدولة أبا محمد الحسن بن سهلان فلقب عميد أصحاب الجيوش
وكان مولده برامهرمز في شعبان سنة إحدى وستين وثلاثمائة
ذكر قتل طاهر بن هلال بن بدر
ص 90
في هذه السنة أطلق شمس الدولة بن فخر الدولة بن بويه طاهر بن هلال بن بدر واستحلفه على الطاعة له
واجتمع معه طوائف فقوي بهم وحارب أبا الشواك فهزمه
وقتل سعدى أخو أبي الشوك
ثم انهزم أبو الشوك منه مرة ثانية ومضى منهزما إلى حلوان وبذل له أبو الحسن بن مزيد الأسدي المعاونة فلم يكن فيه معاودة الحرب
وأقام طاهر بالنهروان وصالح أبا الشوك وتزوج أخته
فلما أمنه طاهر وثب عليه أبو الشوك فقتله بثأر أخيه سعدي وحمله أصحابه فدفنوه بمشهد باب التبن
ذكر عدة حوادث
ص 90
فيها توفي الشريف الرضي محمد بن الحسين بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفر أبو الحسن صاحب الديوان المشهور وشهد جنازته الناس كافة ولم يشهدها أخوه لأنه لم يستطع أن ينظر إلى جنازته فأقام بالمشهد إلى أن أعاده الوزير فخر الملك إلى داره
ورثاه كثير من الشعراء منهم أخوه المرتضى فقال
( يا للرجال لفجعه جذمت يدي % ووددتها ذهبت علي براسي )
( ما زلت آبى وردها حتى أتت % فحسوتها في بعض ما أنا حاسي )
( ومطلتها زمنا فلما صممت % لم يثنها مطلي وطول مكاسي )
( لا تنكروا من فيض دمعي عبرة % فالدمع خير مساعد ومواسي )
( واها لعمرك من قصير طاهر % ولرب عمر طال بالأرجاس )
وفيها توفي أبو طالب أحمد بكر العبدي النحوي مصنف شرح الإيضاح وأبو أحمد عبد السلام بن أبي مسلم الفرضي والإمام أبو حامد أحمد بن محمد بن أحمد الأسفرايني إمام أصحاب الشافعي
وكان يحضر درسه أربعمائة متفقه
وكان يدرس بمسجد عبد الله بن المبارك بقطيعة الفقهاء وكان عمره إحدى وستين سنة وأشهرا
وفيها توفي أبو جعفر أستاذ هرمز بن الحسن والد عميد الجيوش بشيراز وكان عمره مائة وخمس سنين
وتوفي شهاب الدولة أبو درع رافع بن محمد بن مقرن وله شعر حسن منه
( ما زلت أبكي في الديار تأسفا % لبين خليل أو فراق حبيب )
( فلما عرفت الربع لا شك أنه % هو الربع فاضت مقلتي بغروب )
( وجربت دهري ناسيا فوجدته % أخا غير لا تنقضي وخطوب )
( وعاشرت أبناء الزمان فلم أجد % من الناس خدنا حافظا لمغيب )
( ولم يبق منهم حافظ لذمامه % ولا ناصر يرعى جوار قريب )
وفيها توفي الشار أبو نصر الذي كان صاحب غرشتان من خراسان في قبض بين الدولة
وقد ذكرنا سبب ذلك
وفيها صفر قلد الشريف المرتضى أبو القاسم أخو الرضي نقابة العلويين والحج والمظالم بعد موت أخيه الرضي
وفيها وقعت فتنة ببغداد بين أهل الكرخ وبين أهل باب الشعير ونهبوا القلائين فأنكر فخر الملك على أهل الكرخ ومنعوا من النوح يوم عاشوراء ومن تعليق المسوح
وفيها وقع بالصرة وما جاورها وباء شديد عجز الحفارون عن حفر القبور
وفيها في حزيران جاء مطر شديد في بلاد العراق وكثير من البلاد
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.