ذكر غزوة تانشير
ص 80
قد ذكر ليمين الدولة أن بناحية تانشير فيله الصليمان الموصوفة في الحرب وأن صاحبها غال في الكفر والطغيان و العناد للمسلمين
فعزم على غزوه في عقر داره وأن يذيقه شربة من كأس قتاله
فسار في الجنود والعساكر والمتطوعة فلقي في طريقه وأودية بعيدة القعر وعرة المسالك وقفارا فسيحة الأقطار والأطراف بعيدة الأكناف والماء بها قليل فلقوا شدة وقاسوا مشقة إلى أن قطعوها
فلما قابوا مقصدهم لقوا نهرا شديد المجرية صعب المخافضة وقد وقف صاحب تلك البلاد على طرفه يمنع من عبوره ومعه عساكره وفيلته التي كان يدل بها فأمره يمين الدولة شجعان عسكره بعبور النهر وأشغال الكافر بالقتال ليتمكن باقي العسكر من العبور ففعلوا ذلك
وقاتلوا الهنود وشغلوهم عن حفظ النهر حتى عبر سائر العسكر بالمخاضات وقاتلوهم من جميع جهاتهم إلى لآخر النهار
فانهزم الهند وظفر المسلون وغنموا ما معهم من أموال وفيلة وعادوا إلى غزنة موفورين ظافرين
ذكر قتل بدر بن حسنويه وإطلاق ابنه هلال وقتله
ص 80
في هذه السنة قتل بدر بن حسنويه أمير الجبل
وكان سبب قتله أنه سار إلى الحسين بن مسعود الكردي ليملك عليه بلاده فحصره بحصن كوسحد فضجر أصحاب بدر منه لهجوم الشتاء فعزموا على قتله فأتاه بعض خواصه وعرفه ذلك فقال ( ( فمن هم الكلاب حتى يفعلوا ذلك ) )
وأبعدهم فعاد إليه فلم يأذن له فقال له من وراء الخركاه الذي أعلمتك قد قوي العزم عليه فلم بلتفت إليه فخرج فجلس على تل فثاروا به فقتله طائفة منهم تسمى الجورقان
ونهبوا عسكره وتركوه وساروا
فنزل الحسين بن مسعود فرآه ملقى على الأرض فأمر بتجهيزه وحمله إلى مشهد علي عليه السلام ليدفن فيه ففعل ذلك
وكان عادلا كثير الصدقة والمعروف كبير النفس عظيم الهمة
ولما قتل هرب الجورقان إلى شمس الدولة أبي طاهر بن فخر الدولة بن بويه فدخلوا في طاعته
وكان طاهر بن هلال بن بدر هاربا من جده بنواحي شهرزور
فلما عرف بقتله بادر يطلب ملكه فوقع بينه وبين شمس الدولة حرب فأسر طاهر وحبس وأخذ ما كان قد جمعه بعد أن ملك نائبا عن أبيه هلال وكان عظيما وحمله إلى همذان وسارا للرية والشاذنجان إلى أبي الشوك فدخلوا في طاعته
وحين قتلكان ابنه هلال محبوسا عند الملك سلطان الدولة كما ذكرنا
فلما قتل بدر استولى شمس الدولة بن فخر الدولة بن بويه على بعض بلاده
فلما علم سلطان الدولة بذلك أطلق هلالا وجهزه وسيره ومعه العساكر ليستعيد ما ملكه شمس الدولة عن بلاده
فسار إلى شمس الدولة فالتقيا في ذي القعدة
واقتتل العسكران فانهزم أصحاب هلال وأسر هو فقتل أيضا وعادت العساكر التي كانت معه إلى بغداد على أسوأ حال
وكان ممن أسر معه أبو المظفر أنوشتكين الأعراجي
وكان في مملكة بدر سابور خواست والدينور وبروجرد ونهاوند وأسدأباذ وقطعه من أعمال الأهواز وما بين ذلك من القلاع والولايات
ذكر الحرب بين علي بن مزيد وبين بني دبيس
ص 81
في هذه السنة في المحرم كانت الحرب بين أبي الحسن علي بن مزيد الأسدي وبين مضر ونبهان وحسان وطراد بني دبيس
وسببها أنهم كانوا قد قتلوا أبا الغنائم بن مزيد أخا أبي الحسن في حرب بينهم وقد تقدم ذكرها وحالت الأيام بينه وبين الأخذ بثأره
فلما كان الآن تجهز لقصدهم وجمع العرب والشاذنجان والجوانية وغيرهما من الأكراد وسار إليهم
فلما قرب منهم خرجت زوجته إبنة دبيس وقصدت أخاها مضر بن دبيس ليلا وقالت له ( ( قد أتاكم ابن مزيد فيما لا قبل لكم به وهو يقنع منكم بإبعاد نبهان قاتل أخيه ) )
فأبعدوه وقد تفرقت هذه العساكر فأجابها أخوها مضر إلى ذلك وامتنع أخوه حسان
فما سمع ابن مزيد بما فعلته زوجته أنكره وأراد طلاقها وقالت له ( ( خفت أن أكون في هذه الحرب بين فقد أخ حميم أو زوج كريم ففعلت ما فعلت رجاء الصلاح ) )
فزال ما عنده منها
وتقدم إليهم وتقدموا إليه بالحلل والبيوت فالتقوا واقتتلوا واشتد القتال لما بين الفريقين من الدحول
فظفر ابن مزيد بهم وعزمهم وقتل حسان ونبهان ابني دبيس واستولى علي البيوت والأموال ولحق من سلم الهزيمة بالحويزة
ولما ظفر بهم رأى عندهم مكاتبات فخر الملك يامرهم بالجد في أمره ويعدهم النصرة
فعاتبه على ذلك وحصل بينهما نفرة ودعت فخر الملك الضرورة تقليد ابن مزيد الجزيرة الدبيسية واستثنى مواضع منها الطيب وقرقوب وغيرهما وبقي أبو الحسن هنالك إلى جمادى الأولى ثم إن مضر بن دبيس جمع جمعا وكبس أبا الحسن ليلا فهرب في نفر يسير واستولى مضر على حلله وأمواله وكل ماله ولحق أبو الحسن ببلد النسل منهزما
ذكر ملك شمس الدولة الري وعوده عنها
ص 83
لما ملك شمس الدولة بين فخر الدولة ولاية بدر بن حسنويه وأخذ ما في قلاعه من الأموال عظم شأنه واتسع ملكه
فسار إلى الري وبها أخوه مجد الدولة فرحل عن الري ومعه والدته إلى دنباوند وخرجت عساكر الري إلى شمس الدولة مذعنة بالطاعة ودخل الري وملكها
وخرج منها يطلب أخاه ووالدته فشغب الجند عليه وزاد خطبهم وطالبوه مطالبات اتسع الخرق بها
فعاد إلى همذان وأرسل إلى أخيه ووالدته يأمرهما بالعود إلى الري فعادا
ذكر عدة حوادث
ص 83
في هذه السنة في شعبان توفي أبو الحسن أحمد بن علي البتي الكاتب الشاعر ومن شعره في تكة
( لم لا أتيه ومضجعي % بين الروادف والخصور )
( وإذا نسجت فإنني % بين الترائب والنحور )
( ولقد نشأت صغيرة % بأكف ربات الخدور )
وله نوادر كثيره منها أنه شرب فقاعا في دار فخر الملك فلم يستطبه فجلس مفكرا فقال له الفقاعي في أي شيء تفكر فقال في دقة صنعتك كيف أمكنك الخراء في هذه الكيزان الضيقة كلها
وفي رمضان منها قتل القاضي أبو القاسم يوسف بن أحمد بن كج الفقيه من أئمة أصحاب الشافعي وكان قاضي الدينور قتله طائفة من عامتها خوفا منه وتوفي أبو نصر عمر بن عبد العزيز بن نباتة السعدي الشاعر والقاضي أبو محمد بن الأكفاني قاضي بغداد وولي بعده قضاء القضاة أبوالحسن أبو الشوارب البصري وتوفي أحمد عبد السلام بن الحسن البصري الأديب وأبو القاسم هبة الله بن عيسى كاتب مهذب الدولة بالبطيحة وهو من الكتاب المفلقين ومكاتباته مشهورة وكان ممدحا وممن مدحه ابن الحجاج وتوفي أيضا عبد الله بن محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس أبو سعيد الإدريسي الإستراباذي الحافظ نزيل سمرقند وهو مصنف تاريخ سمرقند وتوفي أيضا الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري صاحب التصانيف الحسنة المشهورة وأبو الحسن بن عياض وكان يلقب الناصر وكان يتولى الأهواز وقام ولده بنكير مقامه وأبو علي الحسين بن الحسين بن حمكان الهمذاني الفقيه الشافعي وكان إماما عالما
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.