ذكر قتل قابوس
ص 74
في هذه السنة قتل شمس المعالي قابوس بن وشكمير وكان سبب قتله أنه كان مع كثرة فضائله ومناقبه عظيم السياسة شديد الأخذ قليل العفو يقتل على الذنب اليسير
فضجر أصحابه منه واستطالوا أيامه واتفقوا على خلعه والقبض عليه وكان حينئذ غائبا عن جرجان فخفي عليه الأمر فلم يشعر ذات ليلة إلا وقد أحاط العسكر بباب القلعة التي كان بها وانتهبوا أمواله ودوابه وأرادوا استنزاله من الحصن
فقاتلهم هو ومن معه من خواصه وأصحابه فعادوا ولم يظفر وا به
ودخلوا جرجان واستولوا عليها وعصوا عليه بها وبعثوا إلى ابنه منوجهر وهو بطبرستان يعرفونه الحال ويستدعونه ليولوه أمرهم
فأسرع السير نحوهم خوفا من خروج الأمر عنه فالتقوا واتفقوا على طاعته إن هو خلع أباه
فاجابهم إلى ذلك على كره
وكان أبوه شمس المعالي قد سار نحو بسطام عند حدوث هذه الفتنة لينظر فيما تسفر عنه فأخذوا منوجهرمعهم عازمين على قصد والده وإزعاجه من مكانه فسار معهم مضطرا
فلما وصل إلى أبيه أذن له وحده دون غيره فدخل عليه وعنده جمع من أصحابه المحامين عنه
فلما دخل عليه تشاكا ما هما فيه وعرض عليه منوجهر أن يكون بين يديه في قتال ألئك القوم ودفعهم
وإن ذهبت نفسه
فرأى شمس المعالي ضد ذلك وسهل عليه حيث صار الملك إلى ولده فسلم إليه خاتم الملك وصاياه بما يفعله
واتفقا على أن ينتقل هو إلى قلعة جناشك يتفرغ للعبادة إلى أن يأتيه اليقين وينفرد منوجهر بتدبير الملك
وسار إلى القلعة المذكورة مع من اختاره لخدمته وسار منوجهر إلى جرجان وتولى الملك وضبطه ودارى ألئك الأجناد وهم نافرون خائفون من شمس المعالي ما دام حيا فما زالوا يحتالون ويجيلون الرأي حتى دخلوا إلى منوجهر وخوفوه من أبيه مثل ما جرى لهلال بن بدر مع أبيه وقالوا له ( ( مهما كان والدك في الحياة لا نأمن نحن ولا أنت ) ) واستأذنوه في قتله
فلم يرد عليهم جوابا
فمضوا إليه إلى الدار التي هو فيها وقد دخل إلى الطهارة متخففا
فأخذوا ما عنده من كسوة وكان الزمان شتاء وكان يستغيث أعطوني ولو جلد دابة فلم يفعلوا فمات من شدة البرد
وجلس ولده للعزاء ولقب القادر بالله منوجهر فلك المعالي ثم إن منوجهر راسل يمين الدولة ودخل في طاعته وخطب له على منابر بلاده وخطب إليه أن يزوجه بعض بناته ففعل
فقوى جنانه وشرع في التدبير على أولئك الذين قتلوا أباه فأبادهم بالقتل والتشريد
وكان قابوس غزير الأدب وافر العلم له رسائل وشعر حسن وكان عالما بالنجوم وغيرها من العلوم فمن شعره
( قل للذي بصروف الدهر عيرنا % هل عاند الدهر إلا من له خطر )
( أما ترى البحر يطفو فوقه جيف % وتستقر بأقصى قعره الدرر )
( فان تكن نشبت أيدي الخطوب بنا % ومسنا من توالي صرفها ضرر )
( ففي السماء نجوم غير ذي عدد % وليس يكسف إى الشمس والقمر )
ذكر موت أيلك الخان وولاية أخيه طغان خان
ص 75
في هذه السنة توفي أيلك الخان وهو يتجهز للعود إلى خراسان ليأخذ بثأره من يمين الدولة
وكاتب قدرخان وطغان خان ليساعداه على ذلك
فلما توفي ولي بعده أخوه طغان فراسل يمين الدولة وصالحه
وقال له ( ( المصلحة للإسلام والمسلمين أن تشتغل أنت بغزو الهند و أشتغل أنا بغزو الترك و أن يترك بعضنا بعضا ) )
فوافق ذلك هواه فأجابه إليه
وزال الخلاف واشتغلا بغزو الكفار
وكان أيلك الخان خيرا عادلا حسن السيرة محبا للدين وأهله معظما للعلم وأهله محسنا إليهم
ذكر وفاة بهاء الدولة وملك سلطان الدولة
ص 76
في هذه السنة خامس جمادى الآخرة توفي بهاء الدولة أبو نصر بن عضد الدولة بن بويه وهو الملك حينئذ بالعراق وكان مرضه تتابع الصرع مثل مرض أبيه
وكان موته بأرجان وحمل إلى مشهد أمير المؤمنين علي عليه السلام فدفن عند أبيه عضد الدولة
وكان عمره اثنتين وأربعين سنة وتسعة أشهر ونصفا
وملكه أربعا وعشرين سنة
ولما توفي ولي الملك بعده ابنه سلطان الدولة أبو شجاع وسار من أرجان إلى شيراز وولى أخاه جلال الدولة أبا طاهر بن بهاء الدولة البصرة وأخاه أبا الفوارس كرمان
ذكر ولاية سليمان الأندلس الدولة الثانية
ص 76
في هذ ه السنة ملك سليمان بن الحاكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر الأموي ولقب المستعين
وهذه غير ولايته منتصف شوال على ما ذكرناه سنة أربعمائة وبايعه الناس وخرج أهل قرطبة إليه يسلمون عليه فأنشد متمثلا
( إذا ما رأوني طالعا من ثنية % يقولون من هذا وقد عرفوني )
( يقولون لي أهلا وسهلا ومرحبا % ولو ظفروا بي ساعة قتلوني )
وكان سليمان أديبا شاعرا بليغا وأريق في أيامه دماء كثيرة لا تحد
وقد تقدم ذكر ذلك سنة أربعمائة
وكان البربرهم الحاكمون في دولته لا يقدر على خلافهم لأنهم كانوا عامة جنده وهم الذين قاموا معه حتى ملكوه
وقد تقدم ذكر ذلك
ذكر عدة حوادث
ص 76
في هذه السنة خلع سلطان الدولة على أبي الحسن علي بن مزيد الأسدي وهو أول من تقدم من أهل بيته وفيها قلد الرضي الموسوي صاحب الديوان المشهور نقابة العلويين ببغداد وخلع عليه سواد وهو أول طالبي خلع عليه السواد
وفيها توفي أبو بكر الخوارزمي واسمه محمد بن موسى الفقيه الحنفي وأبو الحرث محمد بن محمد بن عمر العلوي نقيب الكوفة
وكان يسير بالحاج عشر سنين وأبو عبد الله الحسن بن حامد بن علي بن مروان الفقيه الحنبلي وله تصانيف في الفقه والقاضي أبو بكر محمد بن الطيب المتكلم الأشعري وكان مالكي المذهب رثاه بعضهم فقال
( انظر إلى جبل تمشي الرجال به % وانظر إلى القبر ما يحوي من الصلف )
( وانظر إلى صارم الإسلام منغمدا % وانظر إلى درة الإسلام في الصدف )
وفيها قتل أبو الوليد بن عبد الله بن محمد المعروف بابن الفرضي الأندلسي بقرطبة قتله البربر
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.