قد ذكرنا مسير أبي القاسم بن سيمجور أخي أبي علي إلى جرجان ومقامه بها فلما مات فخر الدولة أقام عند ولده مجد الدولة واجتمع عنده جماعة كثيرة من أصحاب أخيه وكان قد أرسل إلى شمس المعالي يستدعيه من نيسابور ليسلمها إليه فسار إليه حتى وافى جرجان فلما بلغها رأى أبا القاسم قد سار عنها فعاد شمس المعالي إلى نيسابور فكتب فائق من بخارى إلى أبي القاسم يغريه ببكتوزون ويأمره بقصد خراسان وإخراج بكتوزون عنها لعداوة بينهما فسار أبو القاسم عن جرجان نحو نيسابور وسير سرية إلى أسفارين وبها عسكر لبكتوزون فقاتلوهم وأجلوهم عن أسفارين واستولى أصحاب أبي القاسم عليها وسار أبو القاسم إلى نيسابور فالتقى هو وبكتوزون بظاهرها في ربيع الأول واقتتلوا واشتد القتال بينهم فانهزم أبو القاسم وقتل من أصحابه وأسر خلق كثير وسار أبو القاسم إلى قهستان وأقام بها حتى اجتمع إليه أصحابه وسار إلى بوشنج واحتوى عليها وتصرف فيها وسار إليه بكتوزون وترددت الرسل بينهما حتى اصطلحا وتصاهرا وعاد بكتوزون إلى نيسابور
ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة
لما فرغ محمود من أخيه وملك غزنة وعاد إلى بلخ رأى بكتوزون قد ولي خراسان على ما ذكرناه فأرسل إلى الأمير منصور بن نوح يذكر طاعته والمحاماة عن دولته ويطلب خراسان فأعاد الجواب يعتذر عن خراسان ويأمره بأخذ ترمد وبلخ وما وراءها من أعمال بست وحراة فلم يقنع بذلك وأعاد الطلب فلم يجبه إلى ذلك فلما تيقن المنع سار إلى نيسابور وبها بكتوزون فلما بلغه خبر مسيره نحوه رحل عنها فدخلها محمود وملكها فلما سمع الأمير منصور بن نوح سار عن بخارى نحو نيسابور فلما علم محمود بذلك سار عن نيسابور إلى مرو الروذ ونزل عند قنطرة راعول ينتظر ما يكون منهم
في هذه السنة عاد شمس المعالي قابوس بن وشمكير إلى جرجان وملكها ولما ملك فخر الدولة بن بويه جرجان والري أراد أن يسلم جرجان إلى قابوس فرده عن ذلك الصاحب بن عباد وعظمها في عينه فأعرض عن الذي أراده ونسي ما كان بينهما من الصحبة بخراسان وأنه بسببه خرجت البلاد عن يد قابوس والملك عقيم ولقد ذكرنا كيف أخذت منه ومقامه بخراسان وإنفاذ ملوك السامانية الجيوش في نصرته مرة بعد أخرى فلم يقدر الله تعالى عود ملك إليه ولما ولي سبكتكين خراسان اجتمع به ووعده أن يسير معه الجيوش ليرده إلى مملكته فمضى إلى بلخ ومرض ومات
فلما كانت هذه السنة بعد موت فخر الدولة سير شمس المعالي قابوس الأصبهبذ شهريار بن شروين إلى جبل شهريار وعليه رستم بن المرزبان خال مجد الدولة بن فخر الدولة فاقتتلا فانهزم رستم واستولى أصبهبذ على الجبل وخطب لشمس المعالي وكان باتي بن سعيد بناحية الإستندارية وله ميل إلى شمس المعالي فسار إلى آمل وبها عسكر لمجد الدولة فطردهم عنها واستولى عليها وخطب لقابوس وكتب إليه بذلك ثم إن أهل جرجان كتبوا إلى قابوس يستدعونه فسار إليهم من نيسابور وسار أصبهبذ وباتي بن سعيد إلى جرجان وبها عسكر لمجد الدولة فالتقوا واقتتلوا فانهزم عسكر مجد الدولة إلى جرجان فلما بلغوها صادفوا مقدمة قابوس قد بلغتها فايقنوا بالهلاك وانهزموا من أصحاب قابوس هزيمة ثانية وكانت قرحا على قرح
ودخل شمس المعالي جرجان في شعبان من هذه السنة وبلغ المنهزمون الري فجهزت العساكر من الري نحو جرجان فساروا وحصروها فغلت الأسعار بالبلد وضاقت الأمور بالعسكر أيضا وتوالت عليهم الأمطار والرياح فاضطروا إلى الرحيل فتبعهم شمس المعالي فلحقهم وواقعهم فاقتتلوا وانهزم عسكر الري وأسر من أعيانهم جماعة كثيرة وقتل أكثر منهم فأطلق شمس المعالي الأسرى واستولوا على تلك الأعمال ما بين جرجان وأستراباذ ثم أن الأصبهبذ حدث نفسه بالاستقلال والتفرد عن قابوس واغتر بما اجتمع عنده من الأموال والذخائر فسارت إليه العساكر من الري وعليها المرزبان خال مجد الدولة فهزموا أصبهبذ وأسروه ونادوا بشعار شمس المعالي لوحشة كانت عند المرزبان من مجد الدولة وكتب إلى شمس المعالي بذلك وانضافت مملكة الجبل جميعها إلى ممالك جرجان وطبرستان فولاها شمس المعالي ولده منوجهر ففتح الرويان وسالوس وراسل قابوس يمين الدولة محمودا وهاداه وصالحه واتفقا على ذلك
في هذه السنة عاد أبو علي بن إسماعيل إلى طاعة بهاء الدولة وهو بواسط فوزر له ودبر أمره وأشار عليه بالمسير إلى أبي محمد بن مكرم ومن معه من الجند ومساعدتهم ففعل ذلك وسار على كره وضيق فنزل بالقنطرة البيضاء وثبت أبو علي بن أستاذ هرمز وعسكره وجرى لهم معه وقائع كثيرة وضاق الأمر ببهاء الدولة وتعذرت عليه الأقوات فاستمد بدر بن حنسويه فأنفذ إليه شيئا قام ببعض نا يريده وأشرف بهاء الدولة على الخطر وسعى أعداء أبي علي بن إسماعيل به حتى كاد بيطش به فتجدد من أمر ابني بختيار وقتل صمصام الدولة ما يأتي ذكره وأتاه الفرج من حيث لم يحتسب وصلح أمر أبي علي عنده واجتمعت الكلمة عليه وسيأتي شرح ذلك إن شاء الله تعالى
في هذه السنة في ذي الحجة قتل صمصام الدولة بن عضد الدولة وسبب ذلك أن جماعة كثيرة من الديلم استوحشوا من صمصام الدولة لأنه أمر بعرضهم وإسقاط من ليس بصحيح النسب فأسقط منهم مقدار ألف رجل فبقوا حيارى لا يدرون ما يصنعون واتفق أن أبا القاسم وأبا نصر ابني عز الدولة بختيار كانا مقبوضين فخدعا الموكلين بهما في القلعة فأفرجوا عنهما فجمعا لفيفا من الأكراد واتصل خبرهما بالذين أسقطوا من الديلم فأتوهم وقصدوا إلى أرجان فاجتمعت عليها العساكر وتحير صمصام الدولة ولم يكن عنده من يدبره
وكان أبو جعفر أستاذ هرمز مقيما بنسا فأشار عليه بعض من عنده بتفريق ما نعده من المال في الرجال والمسير إلى صمصام الدولة وأخذه إلى عسكره بالأهواز وخوف إن لم يفعل ذلك فشح بالمال فثار به الجند ونهبوا داره وهربوا فاختفى فأخذ وأتي به إلى ابني بختيار فحبس ثم احتال فنجا وأما صمصام الدولة فإنه أشار عليه أصحابه بالصعود إلى القلعة التي على باب شيراز والامتناع بها إلى أن يأتي عسكره ومن يمنعه فأراد الصعود إليها فلم يمكنه المستحفظ بها وكان معه ثلاثمائة رجل فقالوا له الراي أننا نأخذك ووالدتك ونسير إلى أبي علي ابن أستاذ هرمز
وأشار بعضهم بقصد الأكراد وأخذهم والتقوي بهم ففعل ذلك وخرج معهم بخزائنه وأمواله فنهبوه وأرادوا أخذه فهرب وسار إلى الدودمان على مرحلتين من شيراز وعرف أبو نصر بن بختيار الخبر فبادر إلى شيراز ووثب رئيس الدودمان واسمه طاهر بصمصام الدولة فأخذه وأتاه أبو نصر بن بختيار وأخذه منه فقتله في ذي الحجة فلما حمل رأسه إليه قال هذه سنة سنها أبوك يعني ما كان من قتل عضد الدولة بختيار وكان عمر صمصام الدولة خمسا وثلاثين سنة وسبعة أشهر ومدة إمارته بفارس تسع سنين وثمانية أيام وكان كريما حليما واما والدته فسلمت إلى بعض قواد الديلم فقتلها وبنى عليها دكة في داره فلما ملك بهاء الدولة فارس أخرجها فدفنها في تربة بين بويه
في هذه السنة هرب أبو عبد الله بن جعفر المعروف بابن الوثاب من الاعتقال في دار الخلافة وكان هذا الرجل يقرب بالنسب من الطائع وكان مقيما في داره فلما خلع الطائع هرب هذا وصار عند مهذب الدولة فأرسل القادر بالله في أمره فأخرجه فسار إلى المدائن وأتى خبره إلى القادر فأخذه وحبسه فهرب هذه السنة ومضى إلى كيلان وادعى أنه هو الطائع لله وذكر من أمور الخلافة ما كان يعرفه وزوجه محمد بن العباس مقدم كيلان وشد منه وأقام له الدعوة وأطاعه أهل نواح أخر وأدوا إليه العشر على عادتهم وورد من هؤلاء القوم جماعة يحجون فأحضرهم القادر وكشف لهم حاله وكتب على أيديهم كتبا في المعنى فلم يقدح ذلك فيه وكان أهل كيلان يرجعون إلى القاضي أبي القاسم بن كج فكوتب من بغداد في المعنى فكشف لهم الأمر فأخرجوا أبا عبد الله عنهم
في هذه السنة عظم أمر بدر بن حسنويه وعلا شأنه ولقب من ديوان الخليفة ناصر الدين والدولة وكان كثير الصدقات بالحرمين ويكثر الخرج على العرب بطريق مكة ليكفوا عن أذى الحجاج ومنع أصحابه من الفساد وقطع الطريق فعظم محله وسار ذكره وفيها نظر أبو علي بن أبي الريان في الوزارة بواسط وفيها مات أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف الجكار
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
