الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء السابع / ثم دخلت سنة خمس وثمانين وثلاثمائة
76

ثم دخلت سنة خمس وثمانين وثلاثمائة

الجزء السابع 9 عنصر صفحة 469
ذكر عود أبي علي إلى خراسان ص 469

لما عاد الأمير نوح إلى بخارى وسبكتكين إلى هراة وبقي محمود بنيسابور وطمع أبو علي وفائق في خراسان فسار محمود عن جرجان إلى نيسابور في ربيع الأول فلما بلغ محمودا خبرهما كتب إلى أبيه بذلك وبرز هو فنزل بظاهر نيسابور وأقام ينتظر المدد فأعجلاه فصبر لهما فقاتلاه وكان في قلة من الرجال فانهزم عنهما نحو أبيه وغنم أصحابهما منه شيئا كثيرا وأشار أصحاب أبي علي عليه باتباعه وإعجاله ووالده عن الجمع والاحتشاد فلم يفعل وأقام بنيسابور وكاتب الأمير نوحا يستميله ويستقيل من عثرته وزلته وكذلك كاتب سبكتكين مثل ذلك وأحال بما جرى على فائق فلم يجيباه إلى ما أراد وجمع سبكتكين العساكر فأتوه على كل صعب وذلول وسار نحو أبي علي فالتقوا بطوس في جمادى الآخرة فاقتتلوا عامة يومهم وأتاهم محمود بن سبكتكين في عسكر ضخم من ورائهم فانهزموا وقتل من أصحابهم خلق كثير ونجا أبو علي وفائق فقصدا أبيورد فتبعهم سبكتكين واستخلف ابنه محمودا بنيسابور فقصدا مرو ثم آمل الشط وراسلا الأمير نوحا يستعطفانه فأجاب أبا علي إلى ما طلب من قبول عذره إن فارق فائقا ونزل بالجرجانية ففعل ذلك فحذره فائق وخوفه من مكيدتهم به ومكرهم فلم يلتفت لأمر يريده الله عز وجل ففارق فائقا وسار نحو الجرجانية فنزل بقرية بقرب خوارزم تسمى هزار أسف فأرسل إليه أبو عبد الله خوارزمشاه من أقام له ضيافة ووعده أنه يقصده ليجتمع به فسكن إلى ذلك فلما كان الليل أرسل إليه خوارزمشاه جمعا من عسكره فأحاطوا به وأخذوه أسيرا في رمضان من هذه السنة فاعتقله في بعض دوره وطلب أصحابه فأسر أعيانهم وتفرق الباقون وأما فائق فإنه سار إلى أيلك خان بما وراء النهر فأكرمه وعظمه ووعده أن يعيده إلى قاعدته وكتب إلى نوح يشفع في فائق وأن يتولى سمرقند فأجابه إلى ذلك وأقام بها

ذكر خلاص أبي علي وقتل خوارزمشاه ص 470

لما أسر أبو علي بلغ خبره إلى مأمون بن محمد والي الجرجانية فقلق لذلك وعظم عليه وجمع عساكره وسار نحو خوارزمشاه وعبر إلى كاث وهي مدينة خوارزمشاه فحصروها وقاتلوها وفتحوها عنوة وأسروا أبا عبد الله خوارزمشاه وأحضروا أبا علي ففكوا عنه قيده وأخذوه وعادوا إلى الجرجانية واستخلف مأمون بخوارزم بعض أصحابه وصارت في جملة ما بيده وأحضر خوارزمشاه وقتله بين يدي أبي علي سيمجور

ذكر قبض أبي علي بن سيمجور وموته ص 470

لما حصل أبو علي عند مأمون بن محمد بالجرجانية كتب إلى الأمير نوح يشفع فيه ويسأل الصفح عنه فأجيب إلى ذلك وأمر أبا علي بالمسير إلى بخارى فسار إليها فيمن بقي معه من أهله وأصحابه فلما بلغوا بخارى لقيهم الأمراء والعساكر فلما دخلوا على الأمير نوح أمر بالقبض عليهم وبلغ سبكتكين أن ابن عزيز وزير الأمير نوح يسعى في خلاص أبي علي فأرسل إليه يطلب أبا علي إليه فحبسه فمات في حبسه سنة سبع وثمانين وثلاثمائة وكان ذلك خاتمة أمره وآخر حال بيت سيمجور جزاء لكفران إحسان مولاهم فتبارك الحي الدائم الباقي الذي لا يزول ملكه وكان ابنه أبو الحسن قد لحق بفخر الدولة بن بويه فأحسن إليه وأكرمه فسار عنه سرا إلى خراسان لهوى كان له بها وظن أن أمره يخفى فظهر حاله فأخذ أسيرا وسجن عند والده وأما أبو القاسم أخو أبي علي فإنه أقام في خدمة سبكتكين مدة يسيرة ثم ظهر منه خلاف الطاعة وقصد نيسابور فلم يتم له ما أراد وعاد محمود بن سبكتكين إليه فهرب منه وقصد فخر الدولة وبقي عنده وسيرد أخباره إن شاء الله تعالى

ذكر وفاة الصاحب بن عباد ص 470

في هذه السنة مات الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد وزير فخر الدولة بالري وكان واحد زمانه علما وفضلا وتدبيرا وجودة رأي وكرما عالما بأنواع العلوم عارفا بالكتابة وموادها ورسائله مشهورة مدونة وجمع من الكتاب ما لم يجمعه غيره حتى أنه كان يحتاج في نقلها إلى أربعمائة جمل ولما مات وزر بعده لفخر الدولة أبو العباس أحمد بن إبراهيم الضبي الملقب بالكافي ولما حضره الموت قال لفخر الدولة قد خدمتك خدمة استفرغت فيها وسعي وسرت سيرة جلبت لك حسن الذكر فأن أجريت الأمور على ما كانت عليه نسب ذلك الجميل إليك وتركت أنا وإن عدلت عنه كنت أنا المشكور ونسبت الطريقة الثانية إليك وقدح ذلك في دولتك فكان هذا نصحه له إلى أن مات فلما توفي أنفذ فخر الدولة من احتاط على ماله وداره ونقل جميع ما فيها إليه فقبح الله خدمة الملوك هذا فعلهم مع من نصح لهم فكيف مع غيره ونقل الصاحب بعد ذلك إلى أصبهان وكثير ما بين فعل فخر الدولة مع ابن عباد وبين العزيز بالله العلوي مع وزيره يعقوب بن كلس وقد تقدم

وكان الصاحب بن عباد قد أحسن إلى القاضي عبد الجبار المعتزلي وقدمه وولاه قضاء الري وأعمالها فلما توفي قال عبد الجبار لا أرى الترحم عليه لأنه مات عن غير توبة ظهرت منه فنسب عبد الجبار إلى قلة الوفاء ثم إن فخر الدولة قبض على عبد الجبار وصادره فباع في جملة ما باع الف طيلسان وألف ثوب صوف رفيع فلم لا نظر لنفسه وتاب عن أخذ مثل هذا وادخاره من غير حله ثم إن فخر الدولة قبض على أصحاب ابن عباد وأبطل كل مسامحة كانت منه وقرر هو ووزارؤه المصادرات في البلاد فاجتمع له منها شيء كثير ثم تمزق بعد وفاته في أقرب مدة وحصل بالوزر وسوء الذكر

ذكر إيقاع صمصام الدولة بالأتراك ص 472

في هذه السنة أمر صمصام الدولة بقتل من بفارس من الأتراك فقتل منهم جماعة وهرب الباقون فعاثوا في البلاد وانصرفوا إلى كرمان ثم منها إلى بلاد السند واستأذون ملكها في دخول بلادهم فاذن لهم وخرج إلى تلقيهم ورافق أصحابه على الإيقاع بهم فلما رآهم جعل أصحابه صفين فلما حصل الأتراك في وسطهم اطبقوا عليهم وقتلوهم فلم يفلت منهم إلا نفر جرحى وقعوا بين القتلى وهربوا تحت الليل

ذكر وفاة خواشاذة ص 472

في هذه السنة توفي أبو نصر خواشاذة بالبطائح وكان قد هرب إليها بعد أن قبض وكاتبه بهاء الدولة وفخر الدولة وصمصام الدولة وبدر بن حسنويه كل منهم يستدعه ويبذل له ما يريده وقال له فخر الدولة لعلك تسيء الظن بما قدمته في خدمة عضد الدولة وما كن لنؤاخذك بطاعة من قدمك ومناصحته وقد علمت ما عملته مع الصاحب بن عباد وتركنا ما فعله معنا فعزم على قصده فأدركه أجله قبل ذلك وتوفي وكان من أعيان قواد عضد الدولة

ذكر عود عسكر صمصام الدولة إلى الأهواز ص 472

في هذه السنة جهز صمصام الدولة عسكره من الديلم وردهم إلى الأهواز مع العلاء بن الحسن واتفق أن طغان نائب بهاء الدولة بالأهواز توفي وعزم من معه من الأتراك على العود إلى بغداد وكتب من هناك إلى بهاء الدولة بالخبر فأقلقه ذلك وأزعجه فسير أبا كاليجار المرزبان بن شهفيروز إلى الأهواز نائبا عنه وأنفذ أبا محمد الحسن بن مكرم إلى الفتكين وهو برامهرمز قد عاد من بين يدي عسكر صمصام الدولة إليها يأمره بالمقام بموضعه فلم يفعل وعاد إلى الأهواز فكتب إلى أبي محمد بن مكرم بالنظر في الأعمال وسار بعدهم بهاء الدولة نحو خوزستان فكاتبه العلاء وسلك طريق اللين والخداع ثم سار على نهر المسرقان إلى أن حصل بخان طوق ووقعت الحرب بينه وبين أبي محمد بن مكرم والفتكين وزحف الديلم بين البساتين حتى دخلوا البلد وانزاح عنه ابن مكرم والفتكين وكتبا إلى بهاء الدولة يشيران عليه بالعبور إليها فتوقف عن ذلك ووعدهما به وسير إليهما ثمانين غلاما من الأتراك فعبروا وحملوا على الديلم من خلفهم فأفرج لهم الديلم فلما توسطوا بينهم اطبقوا عليهم فقتلوهم فلما عرف بهاء الدولة ذلك ضعفت نفسه وعزم على العود ولم يظهر ذلك فأمر بإسراج الخيل وحمل السلام ففعل ذلك وسار نحو الأهواز يسيرا ثم عاد إلى البصرة فنزل بظاهرها فلما عرف ابن مكرم خبر بهاء الدولة عاد إلى عسكر مكرم وتبعهم العلاء والديلم فأجلوهم عنها فنزلوا براملان بين عسكر مكرم وتستر وتكررت الوقائع بين الفريقين مدة وكان بيد الأتراك أصحاب بهاء الدولة من تستر إلى رامهرمز ومع الديلم منها إلى أرجان وأقاموا ستة أشهر ثم رجعوا إلى الأهواز ثم عبر بهم النهر إلى الديلم واقتتلوا نحو شهرين ثم رحل الأتراك وتبعهم العلاء فوجدهم قد سلكوا طريق واسط فكف عنهم وأقام بعسكر مكرم

ذكر حادثثة غريبة بالأندلس ص 473

في هذه السنة سير المنصور محمد بن أبي عامر أمير الأندلس لهشام المؤيد عسكرا إلى بلاد الفرنج للغزاة فنالوا منهم وغنموا وأوغلوا في ديارهم وأسروا غرسية وهو ملك للفرنج ابن ملك من ملوكهم يقال له شانجة وكان من أعظم ملوكهم وأمنعهم وكان من القدر أن شاعرا للمنصور يقال له أبو العلاء صاعد بن الحسن الربعي قد قصده من بلاد الموصل وأقام عنده وامتدحه قبل هذا التاريخ فلما كان الآن أهدى أبو العلاء إلى المنصور أيلا وكتب معه أبياتا منها

( يا حرز كل مخوف وأمان كل % مشرد ومعز كل مذلل )

( جدواك أن تخصص به فلأهله % وتعم بالإحسان كل مؤمل ) يقول فيها

( مولاي مؤنس غربتي متخطفي % من ظفر أيامي ممنع معقلي )

( عبد رفعت بضبعه وغرسته % في نعمة أهدي إليك بايل )

( سميته غرسية وبعثته % في حبله ليتاح فيه تفاؤلي )

( فلئن قبلت فتلك أسنى نعمة % أسدى بها ذو نعمة وتطول )

فسمي هذا الشاعر الايل غرسية تفاؤلا بأسر ذلك غرسية فكان أسره في اليوم الذي أهدي فيه الايل فانظر إلى هذا الاتفاق ما أعجبه

ذكر عدة حوادث ص 474

في هذه السنة ورد الوزير أبو القاسم علي بن أحمد الأبرقوهي من البطيحة إلى بهاء الدين بعد عوده من خوزستان وكان قد التجأ إلى مهذب الدولة فأرسل بهاء الدولة يطلبه ليستوزره فحضر عنده فلم يتم له ذلك فعاد إلى البطيحة وكان الفاضل وزير بهاء الدولة معه بواسط فلما علم الحال استأذن في الإصعاد إلى بغداد فأذن له فأصعد فعاد بهاء الدولة وطلبه ليرجع إليه فغالطه ولم يعد

وفي هذه السنة في ذي الحجة توفي أبو حفص عمر بن أحمد بن محمد بن أيوب المعروف بابن شاهين الواعظ مولده في صفر سنة سبع وتسعين ومائتين وكان مكثرا من الحديث ثقة

وفيها في ذي القعدة توفي الإمام أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي المعروف بالدارقطني الإمام المشهور وفيها في ربيع الأول توفي محمد بن عبد الله بن سكرة الهاشمي من ولد علي بن المهدي بالله وكان منحرفا عن علي بن أبي طالب عليه السلام وكان خبيث اللسان يتقى سفهه ومن جيد شعره

( في وجه إنسانة كلفت بها % أربعة ما اجتمعن في أحد )

( الوجه بدر والصدغ غالية % والريق خمر والثغر من برد )

وفيها توفي يوسف بن عمر بن مسروق أبو الفتح القواس الزاهد في ربيع الأول وله خمس وخمسون سنة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.