في هذه السنة ظهر أولاد بختيار من محبسهم واستولوا على القلعة التي كانوا معتقلين بها وكان سبب حبسهم أن شرف الدولة أحسن إليهم بعد والده وأطلقهم وأنزلهم بشيراز وأقطعهم فلما مات شرف الدولة حبسوا في قلعة ببلاد فارس فاستمالوا مستحفظها ومن معه من الديلم فأفرجوا عنهم وأنفذوا إلى أهل تلك النواحي وأكثرهم رجالة فجمعوهم تحت القلعة وعرف صمصام الدولة الحال فسير أبا علي بن أستاذ هرمز في عسكر فلما قاربهم تفرق من معهم من الرجالة ة تحصن بنو بختيار وكانوا ستة ومن معهم من الديلم بالقلعة وحصرهم أبو علي ورأسل أحد وجوه الديلم وأطعمه في الإحسان فأصعدهم إلى القلعة سرا فملكوها وأخذوا أولاد بختيار أسرى فأمر صمصام الدولة بقتل إثنين منهم وحبس الباقين ففعل ذلك بهم
ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة
في هذه السنة ملك صمصام الدولة خوزستان وكان سبب نقض الصلح أن بهاء الدولة سير أبا العلاء عبد الله بن الفضل إلى الأهواز وتقدم إليه بأن يكون مستعدا لقصد بلاد فارس وأعلمه أنه يسير إليه العساكر متفرقين فاذا اجتمعوا عنده سار بهم إلى بلاد فارس بغتة فلا يشعر صمصام الدولة إلا وهم معه في بلاده فسار أبو العلاء ولم يتهيأ لبهاء الدولة إمداده بالعساكر وظهر الخبر فجهز صمصام الدولة عسكره وسيرهم إلى خوزستان وكتب أبو العلاء إلى بهاء الدولة بالخبر ويطلب إمداده بالعساكر فسير إليه عسكرا كثيرا ووصلت فارس فلقيهم أبو العلاء فانهزم هو وأصحابه وأخذ أسيرا وحمل إلى صمصام الدولة فالبس ثيابا وطيف يه وسألت فيه والدة صمصام الدولة فلم يقتله واعتقله ولما سمع بهاء الدولة بذلك ازعجه وأقلقه وكانت خزانته قد خلت من الأموال فأرسل وزيره أبا نصر بن سابور إلى واسط ليحصل ما أمكنه وأعطاه رهونا من الجواهر والأعلاف النفيسة ليقترض عليها من مهذب الدولة صاحب البطيحة فلما وصل إلى واسط تقرب منها إلى مهذب الدولة وترك ما معه الرهون بحاله وأرسل بهاء الدولة ورهنها واقترض عليها
في هذه السنة ملك مدينة بخارى شهاب الدولة هارون بن سليمان ايلك المعروف ببغراخان التركي وكان له كاشغر وبلاساغون إلى حد الصين وكان سبب ذلك أن أبا الحسن بن سيمجور لما مات وولي ابنه أبو علي خرأسان بعده كاتب الأمير الرضي نوح بن منصور يطلب أن يقر على ما كان ابوه يتولاه فأجيب إلى ذلك وحملت إليه الخلع وهو لا يشك انها له فلما بلغ الرسول طريق هراة عدل اليها وبها فائق فأوصل الخلع والعهد بخراسان إليه فعلم أبو علي انهم مكروا به وأن هذا دليل سوء يريدونه به فلبس فائق الخلع وسار عن هراة نحو أبي علي فبلغه الخبر فسار جريدة في نخبة أصحابه وطوى المنازل حتى سبق خبره فأوقع بفائق فيما بين بوشنج وهراة فهزم فائقا وأصحابه وقصدوا مرو الروذ وكتب أبو علي إلى الأمير نوح يجدد طلب ولاية خراسان فأجابه إلى ذلك وجمع له ولاية خراسان جميعها بعد أن كانت هراة لفائق فعاد أبو علي إلى نيسابور ظافرا وجبى أموال خراسان فكتب إليه نوح يستنزله عن بعضها ليصرفه في أرزاق جنده فاعتذار إليه ولم يفعل وخاف عاقبة المنع فكتب إلى بغراخان المذكور يدعوه إلى أن يقصد بخارى ويملكها على السامانية وأطمعه فيهم واستقر الحال بينهما على أن يملك بغراخان ما وراء النهر كله ويملك أبو علي خراسان فطمع بغراخان في البلاد وتجدد له إليها حركة وأما فائق فإنه أقام بمرو الروذ حتى انجبر كسره واجتمع إليه أصحابه وسار نحو بخارى وسار من غير إذن فارتاب الأمير نوح له فسير إليه الجيوش وأمرهم بمنعه فلما لقوه قاتلوه فانهزم فائق وأصحابه وعاد على عقبية وقصد ترمذ
فكتب الأمير نوح إلى صاحب الجوزجان من قبله وهو أبو الحرث أحمد بن محمد الفريغوني وأمره بقصد فائق فجمع جمعا كثيرا وسار نحوه فأوقع بهم فائق فهزمهم وغنم أموالهم وكاتب أيضا بغراخان يطمعه في البلاد فسار نحو بخارى وقصد بلاد السامانية فاستولى عليها شيئا بعد شيء فسير إليه نوح جيشا كثيرا واستعمل عليهم قائدا كبيرا من قواده اسمه أنج فلقيهم بغراخان فهزمهم وأسر انج وجماعة من القواد فلما ظفر بهم قوي طمعه في البلاد وضعف نوح وأصحابه وكاتب الأمير نوح أبا علي بن سيمجور يستنصره ويأمره بالقدوم إليه بالعساكر فلم يجبه إلى ذلك ولا لبى دعوته وقوي طمعه في الاستيلاء على خراسان وسار بغراخان نحو بخارى فلقيه فائق واختص به وصار في جملته ونازلوا بخارى فاختفى الأمير نوح وملكها بغراخان ونزلها وخرج نوح منها مستخفيا فعبر النهر إلى آمل الشط وأقام بها ولحق به أصحابه فاجتمع عنده منهم جمع كثير وأقاموا هناك وتابع نوح كتبه إلى أبي علي ورسله يستنجده ويخضع له فلم يصغ إلى ذلك وأما فائق فانه استأذن بغراخان في قصد بلخ والإستيلاء عليها فأمره بذلك فسار نحوها ونزلها
لما نزل بغراخان بخارى وأقام بها استوخمها فلقه مرض ثقيل عنها نحو بلاد الترك فلما فارقها ثار أهلها بساقة عسكره ففتكوا بهم وغنموا أموالهم ووافقهم الأتراك الغزية على النهب والقتل لعسكر بغراخان فلما سار بغراخان عن بخارى أدركه أجله فمات ولما سمع الأمير نوح بمسيره عن بخارى بادر اليها فيمن معه من أصحابه فدخلها وعاد إلى دار ملكه وملك آبائه وفرح أهلها به وتباشروا بقدومه وأما بغراخان فانه لما مات عاد أصحابه إلى بلادهم وكان دينا خيرا عادلا حسن السيرة محبا للعلماء وأهل الدين مكرما لهم وكان يحب أن يكتب عنه مولى رسول الله وولي أمر الترك بعده أيلك خان
في هذه السنة كثر شغب الديلم على بهاء الدولة ونهبوا دار الوزير أبي نصر بن سابور واختفى منهم واستعفى ابن صالحان من الانفراد بالوارة فأعفي واستوزر أبا القاسم علي بن أحمد ثم هرب وعاد سابور إلى الوزارة بعد أن أصلح الديلم وفيها جلس القادر بالله لأهل خراسان بعد عودهم من الحج وقال لهم في معنى الخطبة له وحملوا رسالة وكتبا إلى صاحب خراسان في المعنى وفيها عقد النكاح للقادر على بنت يهاء الدولة بصداق مائة ألف دينار وكان بحضرته والولي النقيب أبو أحمد الحسين بن موسى والد الرضي وماتت قبل النقلة
وفيها كان بالعراق غلاء شديد بيعت الكارة الدقيق بمائتين وستين درهما والكر الحنطة بستة آلاف وستمائة درهم غياثية وفيها بنى أبو نصر سابور بن اردشير ببغداد دارا للعلم ووقف فيها كتبا كثيرة على المسلمين المنتفين بها وفيها توفي أبو الحسن محمد بن علي بن سهل الماسرجسي الفقيه الشافعي شيخ أبي الطيب الطبري بنيسابور وأبو بكر محمد بن العباس الخوارزمي الشاعر وأبو طالب عبد السلامبن الحسن المأموني وهو من أولاد المأمون وكان فاضلا حسن الشعر
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
