ذكر القبض على الطائع لله $
ص 448
في هذه السنة قبض على الطائع لله قبض عليه بهاء الدولة وهوالطائع لله أبو بكر عبد الكريم بن الفضل المطيع لله ابن جعفر المقتدر بالله بن المعتضد بالله بن أبي أحمد الموفق بن المتوكل وكان سبب ذلك أن الأمير بهاء الدولة قلت عنده الأموال فكثر شغب الجند فقبض على وزيره سابور فلم يغن عنه ذلك شيء وكان أبو الحسن بن المعلم قد غلب على بهاء الدولة وحكم في مملكته فحسن له القبض على الطائع وأطمعه في ماله وهون عليه ذلك وسهله فأقدم عليها بهاء الدولة وأرسل إلى الطائع وسأله الاذن في الحضور في خدمته ليجدد العهد به فأذن له في ذلك وجلس له كما جرت العادة فدخل بهاء الدولة ومعه جمع كثير فلما دخل قبل الأرض وأجلس على كرسي فدخل بعض الديلم كأنه يريد يقبل يد الخليفة فجذبه فأنزله عن سريره والخليفة يقول إنا لله وانا إليه راجعون وهو يستغيث ولا يلتفت إليه وأخذ ما في دار الخليفة من الذخائر فمشوا به في الحال ونهب الناس بعضهم بعض وكان من جملتهم الشريف الرضي فبادر بالخروج وسلم وقال أبياتا من جملتها
( من بعد ما كان رب الملك مبتسما % إلي أدنوه في النجوى ويدنيني )
( أمسيت أرحم من قد كنت أغبطه % لقد تقارب بين العز والهون )
( ومنظر كان بالسراء يضحكني % يا قرب ما عاد بالضراء يبكيني )
( هيهات أغتر بالسلطان ثانية % قد ضل ولاج أبواب السلاطين )
ولما حمل الطائع إلى دار بهاء الدولة أشهد عليه بالخلع وكانت مدة خلافته سبع عشرة وثمانية شهور وستة أيام وحمل إلى القادر بالله لما ولي الخلافة فبقي عنده إلى أن توفي سنة ثلاث وتسعين ليلة الفطر وصلى عليه القادر بالله وكبر عليه خمسا وكان مولده سنة سبع عشرة وثلاثمائة وكان أبيض مربوعا حسن الجسم وكان أنفه كبيرا جدا وكان شديد القوة كثير الإقدام اسم أمه عتب وعاشت إلى أن أدركت أيامه ولم يكن له من الحكم في ولايته ما يعرف به حال يستدل به على سيرته
ذكر خلافة القادر بالله
ص 449
لما قبض على الطائع الله ذكر بهاء الدولة من يصلح للخلافة فاتفقوا على القادر بالله وهو أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر بن المعتضد وأمه أم ولد اسمها دمنة وقيل تمنى وكان بالبطيحة كما ذكرناه فأرسل إليه بهاء الدولة خواص أصحابه ليحضروه إلى بغداد ليتولى الخلافة فانحدروا إليه وشغب الديلم ببغداد ومنعوا من الخطبة فقيل على المنبر اللهم أصلح عبدك وخليفتك القادر بالله ولم يذكروا اسمه وأرضاهم بهاء الدولة ولما وصل الرسل إلى القادر بالله كان تلك الساعة يحكي مناما رآه تلك الليلة وهو ما حكاه هبة الله بن عيسى كاتب مهذب الدولة قال كنت أحضر عند عبد القادر بالله كل أسبوع مرتين فكان يكرمني فدخلت عليه يوما فوجدته قد تأهب تأهبا لم تجر به عادته ولم أر منه ما ألفته من إكرامه واختلفت بي الظنون فسألته عن سبب ذلك فإن كان لزلة مني اعتذرت عن نفسي فقال بل رأيت البارحة في منامي كأن نهركم هذا نهر الصليق قد اتسع فصار مثل دجلة دفعات فسرت على حافته متعجبا منه ورأيت قنطرة عظيمة فقلت من قد حدث نفسه بعمل هذه القنطرة على هذا البحر العظيم ثم صعدتها وهي محكمة فبينا أنا عليها أتعجب منها إذ رأيت شخصا قد تأملني من ذلك الجانب فقال اتريد أن تعبر قلت نعم فمد يده حتى وصلت الي فأخذني وعبرني فهالني وتعاظمني فعله قلت من أنت قال علي ابن أبي طالب وهذا الأمر صائر اليك ويطول عمرك فيه فأحسن إلى ولدي وشيعتي
فما انتهى القادر إلى هذا القول حتى سمعنا صياح الملاحين وغيرهم وسألنا عن ذلك وإذا هم الواردون إليه لإصعاده ليتولى الخلافة فخاطبته بأمرة المؤمنين وبايعته وقام مهذب الدولة بخدمته أحسن قيام وحمل إليه من المال وغيره ما يحمله كبار الملوك للخلفاء وشيعه فسار القادر بالله إلى بغداد فلما دخل جبل انحدر بهاء الدولة وأعيان الناس لاستقباله وساروا في خدمته فدخل دار الخلافة ثاني عشر رمضان وبايعه بهاء الدولة والناس وخطب له ثالث عشر رمضان وجدد أمر الخلافة وعظم ناموسها وسيرد من أخباره إن شاء الله تعالى ما يعلم به ذلك وحمل إليه بعض ما نهب من دار الخلافة وكانت مدة مقامه في البطيحة سنتين وأحد عشر شهرا ولم يخطب له في جميع خرأسان كانت الخطبة فيها للطائع لله
ذكر ملك خلف بن أحمد كرمان
ص 450
في هذه السنة أنفذ خلف بن أحمد صاحب سجستان وهو ابن بانو بنت عمرو بن الليثث الصفار ابنه عمرا إلى كرمان فملكها وكان سبب ذلك انه كان لما قوي أمره وجمع الأموال الكثيرة حدث نفسه بملك كرمان ولم يتهيأ له ذلك لهدنة كانت بينه وبين عضد الدولة فلما مات عضد الدولة وملك شرف الدولة واستقر أمره وانتظم وأمن ملكه لم يتحرك بشيء من ذلك فلما توفي شرف الدولة واضطرب ملوك بني بويه ووقع الخلف بين صمصام الدولة وبهاء الدولة قوي طمعه وانتهز الفرصة وجهز ولده عمرا وسيره في عسكر كثير إلى كرمان وبها قائد يقال له تمرتاش كان قد استعمله شرف الدولة فلم يشعر تمرتاش إلا وعمر وقد قاربه فلم يكن له ولمن معه حيلة إلا الدخول إلى بردسير وصادر الناس وجبى الأموال فلما وصل الخبر إلى صمصام الدولة وهو صاحب فارس جهز العساكر وسيرها إلى تمرتاش وقدم عليهم قائدا يقال له أبو جعفر وأمره بالقبض على تمرتاش عند الاجتماع به لأنه اتهمه بالميل إلى أخيه بهاء الدولة فسار أبو جعفر فلما اجتمع بتمرتاش أنزله عنده بعلة الاجتماع على ما يفعلانه وقبض عليه وحمله إلى شيراز فسار أبو جعفر بالعسكر جميعه يقصد عمرو بن خلف ليحاربه فالتقوا بدارزين واقتتلوا فانهزم أبو جعفر والديلم وعادوا على طرسق جيرفت وبلغ الخبر إلى صمصام الدولة وأصحابه فانزعجوا لذلك ثم أجمعوا أمرهم على إنفاذ العباس بن أحمد في عسكر أكثر من الأول فسيروه في عدد كثير وعدة ظاهرة فسار حتى بلغ عمرا فالتقوا بقرب السيرجان واقتتلوا فكانت الهزيمة على عمرو بن خلف وأسر جماعة من قواده وأصحابه وكان هذا في المحرم سنة اثنتين وثمانين
وعاد عمرو إلى أبيه بسجستان مهزوما فلما دخل عليه لامه ووبخه ثم حبسه أياما ثم قتله بين يديه وتولى غسله والصلاة عليه ودفنه في القلعة فسبحان الله ما كان أقسى قلب هذا الرجل مع علمه ومعرفته
ثم إن صمصام الدولة عزل العباس عن كرمان واستعمل عليها أستاذ هرمز فلما وصل إلى كرمان خافه خلف بن أحمد فكاتبه في تجديد الصلح واعتذر عن فعله فاستقر الصلح فأنفذ خلف قاضيا كان بسجستان يعرف بأبي يوسف وكان له قبول عند العامة والخاصة ووضع عليه إنسانا يكون معه وأمره أن يسقيه سما وإذا صار عند أستاذ هرمز ويعود مسرعا ويشيع بأن أستاذ هرمز قتله فسار أبو يوسف إلى كرمان فصنع له أستاذ هرمز طعاما فحضره وأكل منه فلما عاد إلى منزله سقاه ذلك الرجل سما فمات منه وركب جمازة وسار مجدا إلى خلف فجمع له وخلف وجوه الناس ليسمعوا له فذكر أن أستاذ هرمز قتل القاضي أبا يوسف وبكى خلف وأظهر الجزع عليه ونادى في الناس بغزو كرمان وأخذ بثأر أبي يوسف فاجتمع الناس واحتشدوا فسيرهم مع ولده طاهر فوصلوا إلى نرماسير وبها عسكر الديلم فهزموهم وأخذوا البلد منهم ولحق الديلم بجيرفت فاجتمعوا بها وجعلوا ببردسير من يحميها وهي أصل بلاد كرمان مصرها فقصدها وحصرها ثلاثة أشهر فضاق بأهلها وكتبوا إلى أستاذ هرمز يعلمونه حالهم وانه إن لم يدركهم سلموا البلد فركب الخطر وسار مجدا في مضايق وجبال وعرة حتى أتى بردسير فلما وصل اليها رحل طاهر ومن معه عنها وعادوا إلى سجستان واستقرت كرمان للديلم وكان ذلك سنة أربع وثمانين وثلاثمائة
ذكر عصيان بكجور على سعد الدولة بن حمدان وقتله
ص 452
لما وصل بكجور إلى الرقة منهزما من عساكر مصر بدمشق وأقام على ما ذكرناه واستولى على الرحبة وكا يجاور الرقة راسل الملك بهاء الدولة بن بويه بالأنضمام إليه وكاتب أيضا باذا الكردي المتغلب على ديار بكر والموصل بالمسير إليه وراسل سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان صاحب حلب بأن يعود إلى طاعته على قاعدته الأولى ويقطعه منه مدينة حمص كما كانت له فليس فيهم من أجابة إلى شيء مما طلب فبقي في الرقة يراسل جماعة رفقاء من مماليك سعد الدولة ويستميلهم فأجابوه إلى الموافقة على قصد بلد سعد الدولة وأخبروه أنه مشغول بلذاته وشهواته عن تدبير الملك فأرسل حينئذ بكجور إلى العزيز بالله صاحب مصر يطمعه في حلب ويقول له إنها دهليز العراق ومتى أخذت كام ما بعدها أسهل منها ويطلب الإنجاد بالعساكر فأجابه العزيز إلى ذلك وأرسل إلى نزال والي طرابلس والى ولاة غيرها من البلاد الشامية يأمرهم بتجهيز العساكر مع نزال إلى بكجور والتصرف على ما يأمرهم به من قتال سعد الدولة وقصد بلاده
وكتب عيسى بن نسطورس النصراني وزير العزيز إلى نزال يأمره بمدافعة بكجور وإطماعه في المسير إليه فإذا تورط في قصد سعد الدولة تخلى عنه وكان السبب في فعل عيسى هذا ببكجور أنه كان بينه وبين بكجور عداوة مستحكمه وولي الوزارة بعد وفاة ابن كلس فكتب إلى نزال ما ذكرناه
فلما وصل أمر العزيز إلى نزال بإنجاد بكجور كتب إليه يعرفه ما أمر به من نجدته بنفسه وبالعساكر معه وقال له بكجور مسيرك عن الرقة يوم كذا ومسيري أنا عن طرابلس يوم كذا ويكون إجتماعنا على حلب يوم كذا وتابع رسله إليه بذلك فسار مغترا بقوله إلى بالس فامتنعت عليه فحصرها خمسة أيام فلم يظفر بها فسار عنها
وبلغ الخبر بمسير بكجور إلى سعد الدولة فسار عن حلب ومعه لؤلؤ الكبير مولى أبيه سيف الدولة وكتب إلى بكجور يستميله ويدعوه إلى الموافقة ورعاية حق الرق والعبودية ويبذل له أن يقطعه من الرقة إلى حمص فلم يقبل منه ذلك وكان سعد الدولة قد كاتب الوالي بأنطاكية لملك الروم يستنجده فسير إليه جيشا كثيرا من الروم وكاتب أيضا من مع بكجور من العرب يرغبهم في الإقطاع والعطاء الكثير والعفو عن مساعدتهم بكجور فمالوا إليه ووعدوه الهزيمة بين يديه فلما التقى العسكران اقتتلوا واشتد القتال فلما اختلط الناس في الحرب وشغل بعضهم ببعض عطف العرب على سواد بكجور فنهبوه واستأمنوا إلى سعد الدولة فلما رأى بكجور ذلك اختار من شجعان أصحابه أربعمائة رجل وعزم على أن يقصد موقف سعد الدولة ويلقي نفسه عليه فإما له وإما عليه فهرب واحد ممن حضر الحال إلى لؤلؤ الكبير وعرفه ذلك فطلب لؤلؤ من سعد الدولة أن يتحرك من موقفه ويقف مكانه فأجابه إلى ذلك بعد امتناع فحمل بكجور ومن معه فوصلوا إلى موقف لؤلؤ بعد قتال شديد عجب الناس منه واستعظموه كلهم فلما رأى لؤلؤا ألقى نفسه عليه وهو يظنه سعد الدولة وضربه على رأسه فسقط إلى الأرض فظهر حينئذ سعد الدولة وعاد إلى موقفه ففرح به أصحابه وقويت نفوسهم وأحاطوا ببكجور وصدقوه القتال فمضى منهزما هو وعامة أصحابه وتفرقوا وبقي منهم معه سبعة أنفس وكثر القتل والأسر في الباقين ولما طال الشوط ببكجور ألقى سلاحه وسار فوقف فرسه فنزل عنه وسار راجلا فلحقه نفر من العرب فأخذوا ما عليه وقصد بعض العرب فنزل عليه وعرفه نفسه وضمن له حمل بغير ذهبا ليوصله إلى الرقة فلم يصدقه لبخله المشهور عنه فتركه في بيته وتوجه إلى سعد الدولة فعرفه أن بكجور عنده فحكمه سعد الدولة في مطالبه فطلب مائتي فدان ملكا ومائة ألف درهم ومائة جمل تحمل له حنطة وخمسين قطعة ثيابا فأعطاه ذلك أجمع وزيادة وسير معه سرية فتسلموا بكجور وأحضروه عند سعد الدولة فلما رآه أمر بقتله فقتل ولقي عاقبة بغيه وكفره وإحسان مولاه
فلما قتله سعد الدولة سار إلى الرقة فنازلها وبها سلامة الرشيقي ومعه أولاد بكجور وابو الحسن علي بن الحسين المغربي وزير بكجور فسلموا البلد إليه بأمان وعهود أكدوها وأخذوها عليه لأولاد بكجور وأموالهم وللوزير المغربي ولسلامة الرشيقي ولأموالهم فلما خرج أولاد بكجور بأموالهم رأى سعد الدولة ما معهم فاستعظمه واستكثره وكان عنده القاضي ابن أبي الحصين فقال سعد الدولة ما كنت اظن أن بكجور يملك هذا جميعه فقال له القاضي لم لا تأخذه فهو لك لأنه مملوك لا يملك شيئا ولا حرج عليك ولا حنث ومهما كان فيها من وزر إثم فعلي دونك
فلما سمع هذا أخذ المال جميعه وقبض عليهم وهرب الوزير المغربي إلى مشهد أمير المؤمنين علي عليه السلام وكتب أولاد بكجور إلى العزيز يسألونه الشفاعة فيهم فأرسل إليه يشفع فيهم ويأمره أن يسيرهم إلى مصر ويتهدده إن لم يفعل فأهان الرسول وقال له قل لصحابك أنا سائر إليه وسير مقدمته إلى حمص ليلحقهم
ذكر وفاة سعد الدولة بن حمدان
ص 454
فلما برز سعد الدولة ليسير إلى دمشق لحقه قولنج فعاد إلى حلب ليتداوى فزال ما به وعوفي وعزم على العود إلى معسكره وحضر عنده إحدى سراريه فواقعها فسقط عنها وقد فلج وبطل نصفه فاستدعى الطبيب فقال له اعطني يدك لأخذ مجسك فاعطاه اليسرى فقال أعطني اليمين فقال لاتركت لي اليمين يمينا يعني نكثه بأولاد بكجور هو الذي أهلكه وقد ذكر ذلك وندم عليه حيث لم تنفعه الندامة وعاش بعد ذلك ثلاثة أيام ومات بعد أن عهد إلى ولده أبي الفضائل ووصى إلى لؤلؤ به وبسائر أهله فلما توفي قام أبو الفضائل وأخذ له لؤلؤ العهد على الأجناد وتراجعت العساكر إلى حلب وكان الوزير أبو الحسن المغربي قد سار من مشهد علي عليه السلام إلى العزيز بمصر وأطمعه في حلب فسير جيشا وعليهم منجوتكين أحد أمرائه إلى حلب فسار إليها في جيش كثيف فحصرها وبها أبو الفضائل ولؤلؤ فكتبا إلى بسيل ملك الروم يستنجدانه وهو يقاتل البلغار فأرسل بسيل إلى نائبه بأنطاكية يأمره بانجاد أبي الفضائل فسار في خمسين ألفا حتى نزل على الجسر الجديد بالعاصي فلما سمع منجوتكين سار إلى الروم ليلقاهم قبل اجتماعهم بأبي الفضائل وعبر إليهم العاصي وأوقعوا بالروم فهزموهم وولوا الإدبار إلى أنطاكية وكثر القتل فيهم
وسار منجوتكين إلى انطاكية فنهب بلدها وقراها وأحرقها وأنفذ أبو الفضائل إلى حلب فنقل ما فيه من الغلال وأحرق الباقي إضرارا بعساكر مصر وعاد منجوتكين إلى حلب فحصرها فأرسل لؤلؤ إلى أبي الحسن المغربي وغيره وبذل لهم مالا ليردوا منجوتكين عنهم هذه السنة بعلة تعذر الأقوات ففعلوا ذلك وكان منجوتكين قد ضجر من الحرب فأجابهم إليه وسار إلى دمشق ولما بلغ الخبر إلى العزيز غضب وكتب بعود العسكر إلى حلب وإبعاد المغربي وأنفذ الأقوات من مصر في البحر إلى طرابلس ومنها إلى العسكر فنازل العسكر حلب وأقاموا عليها ثلاثة عشر شهرا فقلت الأقوات بحلب وعاد إلى مراسلة ملك الروم والإعتضاد به وقال له متى أخذت حلب أخذت انطاكية وعظم عليك الخطب وكان قد توسط بلاد البلغار فعاد وجد في السير وكان الزمان ربيعا وعسكر مصر قد أرسل إلى منجوتيكن يعرفه الحال وأتته جواسيسه بمثل ذلك فأخرب ما كان بناه من سوق وحمام وغير ذلك وسار كالمنهزم عن حلب ووصل ملك الروم فنزل على باب حلب وخرج إليه أبو الفضائل ولؤلؤ وعادا إلى حلب ورحل بسيل إلى الشام ففتح حمص وشيزر ونهبها وسار إلى طرابلس فنازلها فامتنعت عليه وأقام عليها نيفا وأربعين يوما فلما أيس منها عاد إلى بلاد الروم ولما بلغ الخبر إلى العزيز عظم عليه ونادى في الناس بالنفير لغزو الروم وبرز من القاهرة وحدثث به أمراض منعته وأدركه الموت على ما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر عدة حوادث
ص 455
في هذه السنة عزل المنصور صاحب أفريقية نائبه في البلاد يوسف واستعمل بعده على البلاد أبا عبد الله محمد بن أبي العرب وفيها توفي القائد جوهر بعد عزله وهذا جوهر هو الذي فتح مصر للمعز العلوي وفيها قبض بهاء الدولة على وزيره أبي نصر سابور بالأهواز واستوزر أبا القاسم عبد العزيز بن يوسف وفيها أيضا قبض بهاء الدولة على أبي نصر خواشاذه وابي عبد الله بن طاهر بعد عوده من خوزستان وكان سبب قبضهما أن أبا نصر كان شحيحا فلم يواصل ابن المعلم بخدمه وهداياه فشرع في القبض عليه وفيها هرب فولاذ زماندار من عند صمصام الدولة إلى الري وكان سبب هربه انه تحكم على صمصام الدولة تحكما عظيما أنف منه فأراد القبض عليه فعلم به فهرب منه وفيها كتب أهل الرحبة إلى بهائ الدولة يطلبون إنفاذ من يسلمون إليه الرحبة فأنفذ خمارتكين الحفصي إلى الرحبة فتسلمها وسار منها إلى الرقة وبها بدر غلام سعد الدولة بن حمدان فجرت بينهما وقعات فلم يظفر بها وبلغه اختلاف ببغداد فعاد فخرج عليه بعض العرب فأخذوه أسيرا افتدى منهم بمال كثير وفيها حلف بهاء الدولة للقادر بالله على الطاعة والقيام بشروط البيعة وحلف له القادر والوفاء والخلوص وأشهد عليه أنه قلده ما وراء بابه وفيها كثرت الفتن بين العامة ببغداد وزالت هيبة السلطنة وتكرر الحريق في المحال واستمر الفساد وفيها توفي قاضي القضاة عبيد الله بن أحمد بن معروف أبو محمد ومولده سنة ست وثلاثمائة وكان فاضلا عفيفا نزها وكان معتزليا ومحمد بن إبراهيم بن علي بن عاصم بن زاذان أبو بكر المعروف بابن المقري الأصبهاني وله ست وتسعون سنة وهو راوي مسند أبي يعلى الموصلي عنه
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.