الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
71

ثم دخلت سنة ثمانين وثلاثمائة

الجزء السابع 5 عنصر صفحة 442
ص 442

في هذه السنة قتل باذ الكري صاحب ديار بكر وكان سبب قتله أن أبا طاهر والحسين ابني حمدان لما ملكا بلاد الموصل طمع فيها باذ وجمع الأكراد فأكثر وممن أطاعه الأكراد البشنوية أصحاب قلعة فنك وكانوا كثيرا ففي ذلك يقول الحسين البشنوي الشاعر لبني مروان يعتد عليهم بنجتدتهم خالهم باذا من قصيدة

( البشنوية أنصار لدولتكم % وليس في ذا خفا في العجم والعرب )

( أنصار باذ بارجيش وشعيته % بظاهر الموصل الحدباء في العطب )

( بباجلايا جلونا عنه غمغمة % ونحن في الروع جلاؤون للكرب )

وكاتب أهل الموصل فاستمالهم فأجابه بعضهم فسار إليهم ونزل بالجانب الشرقي فضعفا عنه وراسلا أبا الذواد محمد بن المسيب أمير بني عقيل واستنصراه فطلب منهما جزيرة ابن عمر ونصيبين وبلدا وغير ذلك فأجاباه إلى ما طلب واتفقوا وسار إليه أبو عبد الله بن حمدان وأقام أبو طاهر بالموصل يحارب باذا فلما اجنمع أبو عبد الله وابو الذواد سارا إلى بلد وعبرا دجلة وصارا مع باذ على أرض واحدة وهو لا يعلم فأتاه الخبر بعبورهما وقد قارباه فأراد الانتقال إلى الجبل لئلا يأتيه هولاء من خلفه وأبو طاهر من أمامه فاختلط أصحابه وأدركه الحمدانية فناوشوهم القتال وأراد باذ الانتقال من فرس إلى آخر فسقط واندقت ترقوته فأتاه ابن أخته أبو علي بن مروان وأراده على الركوب فلم يقدر فتركوه وانصرفوا واحتموا بالجبل ووقع باذ بين القتلى فعرفه بعض العرب فقتله وحمل رأسه إلى بني حمدان وأخذ جائزة سنية وصلت جثته على دار الإمارة فثار العامة وقالوا رجل غاز ولا يحل فعل هذا به وظهر منهم محبة كثيرة له وأنزلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه

ذكر ابتداء دولة بني مروان ص 443

لما قتل باذ سار ابن أخته أبو علي بن مروان في طائفة من الجيش إلى حصن كيفا وهو على دجلة وهو من أحصن المعاقل وكان به امرأة باذ وأهله فلما بلغ الحصن قال لزوجتة خاله قد أنفذني خالي إليك في مهم فظنته حقا فلما صعد إليها أعلمها بهلاكه وأطمعها في التزوج بها فوافقته على ملك الحصن وغيره ونزل وقصد حصنا حتى ملك ما كان لخاله وسار إلى ميافارقين وسار إليه أبو طاهر وابو عبد الله ابنا حمدان طمعا فيه ومعهما رأس باذ فوجدا أبا علي قد أحكم أمره فتصافوا واقتتلوا وظفر أبو علي وأسر أبا عبد الله بن حمدان فأكرمه وأحسن إليه ثم أطلقه فسار إلى أخيه أبي طاهر وهو بآمد يحصرها فأشار عليه بمصالحة ابن مروان فلم يفعل واضطر أبو عبد الله إلى موافقته وسار إلى ابن مروان فواقعاه فهزمهما وأسر أبا عبد الله أيضا فأساء إليه وضيق عليه إلى أن كاتبه صاحب مصر وشفع إليه فأطلقه ومضى إلى مصر وتقلد منها ولاية حلب وأقام بتلك الديار إلى أن توفي وأما أبو طاهر فإنه لما وصل إلى نصيبين قصده أبو الذواد فأسره وعليا لبنه والمزعفر أمير بني نمير وقتلهم صبرا

وأقام ابن مروان بديار بكر وضبطها وأحسن إلى أهلها وألان جانبه لهم فطمع فيه أهل ميافارقين فاستطالوا على أصحابه فامسك عنهم إلى يوم العيد وقد خرجوا إلى المصلى فلما تكاملوا في الصحراء وافى إلى البلد وأخذ أبا الصقر شيخ البلد فألقاه على السور وقبض على من كان معه وأخذ الأكراد ثياب الناس خارج البلد وأغلق أبواب البلد وأمر أهله أن ينصرفوا حيث شاؤوا ولم يمكنهم من الدخول فذهبوا كل مذهب وكان قد تزوج ست الناس بنت سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان فأتته من حلب فعزم على زفافها بآمد فخاف شيخ البلد واسمه عبد البر أن يفعل بهم مثل فعله بأهل ميافارقين فأحضر ثقاته وحلفهم على كتمان سره وقال لهم قد صح عزم الأمير على أن يفعل بكم مثل فعله بأهل ميافارقين وهو يدخل من باب الماء ويخرج من باب الجهاد فقفوا له في الدركاه وانثروا عليه هذه الدراهم ثم اعتمدوا بها وجهه فانه سيغطيه بكمه فاضربوه بالسكاكسن في مقتله ففعلوا وجرت الحال كما وصف وتولى قتله إنسان يقال له ابن دمنة كان فيه إقدام وجراءة فختبط الناس وماجوا فرمى برأسه إليهم فأسرعوا السير إلى ميافارقين وحدث جماعة من الأكراد نفوسهم بملك البلد فاستراب بهم مستحفظ ميافارقين لإسراعهم وقال أن كان الأمير حيا فادخلوا معه وإن كان قتل فأخوه مستحق لموضعه فما كان بأسرع من أن وصل مهمد الدولة أبو المنصور بن مروان أخو أبي علي إلى ميافارقين ففتح له باب البلد فدخله وملكه ولم يكن له فيه إلا السكة والخطبة لما نذكره $ وأما عبد البر فاستولى على آمد وزوج ابن دمنة الذي قتل أبا علي ابنته فعمل له ابن دمنة دعوة وقتله وملك آمد وعمر البلد وبنى لنفسه قصرا عند السور وأصلح أمره مع ممهد الدولة وهادى ملك الروم وصاحب مصر وغيرهما من الملوك وانتشر ذكره وأما ممهد الدولة فإنه كان معه إنسان من أصحابه يسمى شروة حاكما في مملكته وكان لشروة غلام قد ولاه الشرطة وكان ممهد الدولة يبغضه ويريد قتله ويتركه احتراما لصاحبه ففطن الغلام لذلك فأفسد ما بينهما فعمل شروة طعاما بقلعة الهتاخ وهي إقطاعة ودعا إليها ممهد الدولة فلما حضر عنده قتله وذلك سنة اثنتين وأربعمائة وخرج من الدار إلى بني عم ممهد الدولة فقبض عليهم وقيدهم وأظهر أن ممهد الدولة أمره بذلك ومضى إلى ميافارقين وبين يديه المشاعل ففتحوا له ظنا منهم أنه ممهد الدولة فملكها

وكتب إلى أصحاب القلاع يستدعيهم وأنفذ إنسانا إلى أرزن ليحضر متوليها ويعرف بخواجه أبي القاسم فسار خواجه نحو ميافارقين ولم يسلم القلعة إلى القاصد إليه فلما توسط الطريق سمع بقتل ممهد الدولة فعاد إلى أرزن وأرسل إلى أسعرد فأحضر أبا نصر بن مروان أخا ممهد الدولة وكان أخوه قد ابعده عنه وكان يبغضه لمنام رآه وهو أنه رأى كأن الشمس سقطت في حجره فنازعه أبو نصر عليها وأخذها فأبعده لهذا وتركه بأسعرد مضيقا عليه فلما استدعاه خواجة قال له دبير تفلح قال نعم

وكان شروة قد أنفذ إلى أبي نصر فوجدوه قد سار إلى ارزان فعلم حينئذ انتقاص أمره وكان مروان والد ممهد الدولة قد أضر وهو بأرزن عند قبر ابنه أبي علي هو وزوجته فأحضر خواجه أبا نصر عندهما وحلفه على القبول منه والعدل وأحضر القاضي الشهود على اليمين وملكه أرزن ثم ملك سائر بلاد ديار بكر فدامت أيامه وأحسن السيرة وكان مقصدا للعلماء من سائر الآفاق وكثروا ببلاده وممن قصده أبو عبد الله الكازروني وعنه انتشر مذهب الشافعي بديار بكر وقصده الشعراء وأكثروا مدحه وأجزل جوائزهم وبقي كذلك من سنة اثنتين وأربعمائة إلى سنة ثلاث وخمسين فتوفي فيها وكان عمره نيفا وثمانين سنة وكانت الثغور معه آمنة وسيرته في رعيته أحسن سيرة فلما مات ملك بلاده ولده

ذكر ملك آل المسيب الموصل ص 445

لما انهزم أبو طاهر بن حمدان من أبي علي بن مروان كما ذكرناه سار إلى نصيبين في قلة من أصحابه وكانوا قد تفرقوا فطمع فيه أبو الذواد محمد بن المسيب أمير بني عقيل وكان صاحب نصيبين حينئذ كما ذكرناه فثار بأبي طاهر فأسره وأسر ولده وعدة من قوادهم وقتلهم وسار إلى الموصل فملكها وأعمالها وكاتب بهاء الدولة يسأله أن ينفذ إليه من يقيم عنده من أصحابه يتولى الأمور فسير إليه قائدا من قواده وكان بهاء الدولة قد سار من العراق إلى الأهواز على ما نذكره إن شاء الله تعالى وأقام نائب بهاء الدولة وليس له من الأمر شيء ولا يحكم إلا فيما يريده أبو الذواد وسيرد من ذكره وذكر عقبة ما تقف عليه إن شاء الله تعالى

ذكر مسير بهاء الدولة إلى الأهواز وما كان منه ومن صمصام الدولة ص 445

في هذه السنة سار بهاء الدولة عن بغداد إلى خوزستان عازما على قصد فارس واستخلف ببغداد أبا نصر خواشاذه ووصل إلى البصرة ودخلها وسار عنها إلى خوزستان فأتاه نعي أخيه أبي طاهر فجلس للعزاء به ودخل أرجان فاستولى عليها وأخذ ما فيها من الأموال فكان ألف ألف دينار وثمانية ألف ألف درهم ومن الثياب والجوهر ما لا يحصى فلما علم الجند بذلك شغبوا شغبا متتابعا فأطلقت تلك الأموال كلها لهم ولم يبق منها إلا القليل

ثم سارت مقدمته وعليها أبو العلاء بن الفضل إلى النوبندجان وبها عساكر صمصام الدولة فهزمهم وبث أصحابه في نواحي فارس فسير إليهم صمصام الدولة عسكرا وعليهم فولاذزماندار فواقعهم فنهزم أبو العلاء وعاد مهزوما وكان سبب الهزيمة أنه كان بين العسكرين واد وعليع قنطرة وكان أصحاب أبي العلاء يعبرون القنطرة ويغيرون على أثقال الديلم عسكر صمصام الدولة فوضع فولاذ كمينا عند القنطرة فلما عبر أصحاب بهاء الدولة خرجوا عليهم فقتلوهم حميعهم وراسل فولاذ أبا العلاء وخدعه ثم سار إليه وكبسه فانهزم من بين يديه وعاد إلى أرجان مهزوما وغلت الأسعار بها

ولما بلغ الخير إلى صمصام الدولة سار عن شيراز إلى فولاذ وترددت الرسل في الصلح فتم على أن يكون لصمصام الدولة بلاد فارس وأرجان ولبهاء الدولة خوزستان والعراق وأن يكون لكل واحد منهما أقطاع في بلد صاحبه وحلف كل واحد منهما لصاحبه وعاد بهاء الدولة إلى الأهواز ولما سار بهاد الدولة عن بغداد ثار العيارون بجانبي بغداد ووقعت الفتن بين أهل السنة والشيعة وكثر القتل بينهم وزالت الطاعة وأحرق عدة محال ونهبت الأموال وأخربت المساكن ودام ذلك عدة شهور إلى أن عاد بهاء الدولة إلى بغداد

ذكر عدة حوادث ص 446

في هذه السنة قبض بهاء الدولة على وزيره أبي منصور بن صالحان واستوزر أبا نصر سابور بن أردشير قبل مسيره إلى خوزستان وكان المدبر لدولة بهاء الدولة أبا الحسين المعلم وإليه الحكم

وفيها توفي أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن كلس وزير العزيز صاحب مصر وكان كاما الأوصاف متمكنا من صاحبه فلما مرض عاده العزيز صاحب مصر وقال وددت أنك تباع فابتاعك بملكي فهل من حاجة توصي بها فبكى وقبل يده ووضعها على عينه وقال أما فيما يخصني فانك أرعى لحقي من أن أوصيك بمخلفي ولكن فيما يتعلق بدولتك سالم الحمدانية ما سالموك واقنع منهم بالدعة وان ظفرت بالمفرج فلا تبق عليه فلما مات حزن العزيز عليه وحضر جنازته وصلى عليه وألحده بيده في قصره وأغلق الدواوين عدة أيام واستوزر بعده أبا عبد الله الموصلي ثم صرفه وقلد عيسى بن نسطورس النصراني فمال إلى النصارى وولاهم واستناب بالشام يهوديا يعرف بمنشا بن إبراهيم ففعل مع الهيود مثل ما فعل عيسى بالنصارى وجرى على المسلمين تحامل عظيم

وفيها في ربيع الأول قلد الشريف أبو أحمد والد الرضي نقابة العلويين والمظالم وإمارة الحج وحج بالناس أبو عبد الله أحمد بن محمد بن عبد الله العلوي نيابة عن النقيب أبي أحمد الموسوي وفيها توفي أبو بكر محمد بن عبد الرحمن الفقيه الحنفي ومولده سنة عشرين وثلاثمائة وفيها توفي عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري بالأندلس والد الإمام أبي عمر بن عبد البر

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.