في هذه السنة في شعبان توفي مؤيد الدولة أبو منصور بويه بن ركن الدلوة بجرجان وكان علته الخوانيق وقال له الصاحب بن عباد لو عهدت إلى أحد فقال أنا في شغل عن هذا ولم يعهد بالملك إلى أحد وكان عمره ثلاثا وأربعين سنة وجلس صمصام الدولة للعزاء ببغداد فأتاه الطائع لله معزيا فلقيه في طيارة ولما مات مؤيد الدولة يشاور اكابر دولته فيمن يقوم مقامه ففاشار الصاحب اسماعيل بن عباد باعادة فخر الدولة إلى مملكته اذ هو كبير البيت ومالك تلك البلاد قبل مؤيد الدولة ولما فيه من آيات الامارة والملك فكتب إليه واستدعاه وهو بنيسابور وأرسل الصاحب إليه واستخلفه لنفسه وأقام في الوقت خسرو فيروز بن ركن الدولة ليسكن الناس إلى قدوم فخر الدولة فلما وصلت الأخبار إلى فخر الدولة سار إلى جرجان فلقيه العساكر بالطاعة وجلس في دست ملكي في رمضان بغير منة لاحد فسبحان من اذ اراد أمرا كان ولما عاد إلى مملكته قال له الصاحب يا مولانا قد بلغك الله وبلغني فيك ما املته ومن حقوق خدمتي لك اجبتي إلى ترك الجندية وملازمة داري والتوفر على أمر الله فقال لا تقل هذا فما اريد الملك إلا لك ولا يستقيم لي أمر إلا بك واذا كرهت ملابسة الأمور كرهتها أنا أيضا وانصرفت فقبل الأرض وقال الأمر لك فاستوزره واكرمه وعظمه وصدر عن رأيه في جليل الأمور وصغيرها وسيرت الخلع من الخليفة إلى فخر الدولة والعهد واتفق فخر الدولة وصمصام الدولة فصارا يدا واحدة
ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة
لما عاد أبو العباس عن بخارى إلى نيسابور كما ذكرناه استوزر الأمير نوح عبد الله بن عزيز وكان ضدا لأبي الحسين العتبي وأبي العباس فلما ولي الوزارة بدا بعزل أبي العباس عن خراسان واعادة أبي الحسن بن سيمجور إليها فكتب من بخراسان من القواد إليه يسالونه ان يقر أبا العباس على عمله فلم يجبهم إلى ذلك فكتب أبو العباس إلى فخر الدولة بن بويه يستمده فامده بمال كثير وعسكر فأقاموا بنيسابور وأتاهم أبو محمد عبد الله بن عبد الرزاق معاضدا لهم على ابن سيمجور وكان أبو العباس حينئذ بمرو فلما سمع أبو الحسن بن سيمجور وفائق بوصول عسكر فخر الدولة إلى نيسابور قصدوهم فانحاز عسكر فخر الدولة وابن عبد الرزاق وأقاموا ينتظرون أبا العباس ونزل ابن سيمجور ومن معه بظاهر نيسابور ووصل أبو العباس فيمن معه واجتمع بعسكر الديلم ونزل بالجانب الاخر وجرى بينهم حروب عدة أيام وتحصن ابن سيمجور بالبلد وانفذ فخر الدولة إلى أبي العباس عسكرا اخر اكثثر من الفي فارس فلما رأى ابن سيمجور قوة أبي العباس انحاز عن نيسابور فسار عنها ليلا وتبعه عسكر أبي العباس فغنموا كثيرا من أموالهم ودوابهم واستولى أبو العباس على نيسابور وراسل الأمير نوح بن منصور يستميله ويستعطفه ولج انب العزيز غي عزله ووافقه على ذلك والدة الأمير نوح وكانت تحكم في دولة ولدها وكانوا يصدرون عن رأيها فقال بعض أهل العصر في ذلك
( شيئان يعجز ذو الرياضة عنهما % رأي النساء وأمرة الصبيان )
( اما النساء فميلهن إلى الهوى % واخو الصبا يجري بغير عنان )
لما انهزم ابن سيمجور أقام أبو العباس يستعطف الأمير نوحا ووزير ابن عزيز وترك اتباع ابن سيمجور واخراجه من خراسان فتراجع إلى ابن سيمجور أصحابه المنهزمون وعادت قوته واتته الامداد من بخارى وكاتب شرف الدلة أبا الفوارس بن عضد الدولة وهو بفارس يستمده فامده بالفي فارس مراغمة لعمه فخر الدولة فلما كثثف جمعه قصد أبا العباس فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا إلى اخر النهار فانهزم أبو العباس وأصحابه وسر منهم جماعة كثيرة وقصد أبو العباس جرجان وبها فخر الدولة فاكرمه وعظمه وترك له جرجان ودهستان واستراباذ صافية له ولمن معه وسار عنها إلى الري وأرسل إليه من الأموال والالات ما يجل عن الوصف وأقام أبو العباس بجرجان هو وأصحابه وجنع العساكر وسار نحو خراسان فلم يصل إليها وعاد إلى جرجان وأقام بها ثلاث سنين ثم وقع بها وباء شديد ومات فيه كثير من أصحابه ثم مات هو أيضا وكان موته سنة سبع وسبعين وقيل انه مات مسموما وكان أصحابه قد اساؤوا السيرة مع أهل جرجان فلما مات ثار بهم أهلها ونهبوهم وجرت بينهم وقعة عظيمة اجلت عن هزيمة الجرجانية وقتل منهم خلق كثير واحرقت دورهم ونهبت أموالهم وطلب مشايخهم الامان فكفوا عنهم وتفرق أصحابه فسار اكثرهم إلى خراسان واتصلوا بأبي علي بن أبي الحسن بن سيمجور وكان حينئذ صاحب الجيش مكان أبيه وكان والده قد توفي فجاة وهو بجامع بعض حظاياه فمات على صدرها فلما مات قام بالأمر بعده ابنه أبو علي واجتمع اخوته على طاعته منهم اخوه أبو القاسم وغيره فنازعه فائق الولاية وسنذكر ذلك سنة ثلاث وثمانين عند ملك الترك بخارى إن شاء الله تعالى
في هذه السنة قتل أبو الفرج محمد بن عمران بن شاهين صاحب البطيحة وولي أبو المعالي ابن أخيه الحسن وسبب قتله ان أبا الفرج قدم الجماعة الذين ساعدوه على قتل أخيه وضع من حال مقدمي القواد فجمعهم المظفر بن علي الحاجب وهو أكبر قواد أبيه عمران وأخيه الحسن وحذرهم عاقبة أمرهم فاجتمعوا على قتل أبي الفرج فقتله المظفر واجلس أبا المعالي مكانه وتولى تدبيره بنفسه وقتل كل من كان يخافه من القواد ولم يترك معه إلا من يثق به وكان أبو المعالي صغيرا
لما طالت أيام على المظفر بن علي الحاجب وقوي أمره طمع في الاستقلال بأمر البطيحة فوضع كتابا عن لسان صمصام الدولة إليه يتضمن التعويل عليه في ولاية البطيحة وسلمه إلى ركأبي غريب وأمره ان ياتيه اذا كان القواد والاجناد عنده ففعل ذلك وأتاه وعليه أثر الغبار وسلم إليه الكتاب فقبله وفتحه وقراه بمحضر من الاجناد وأجاب بالسمع والطاعة وعزل أبا المعالي وجعله مع والدته واجرى عليهما جرأية ثم اخرجهما إلى واسط وكان يصلهما بما ينفقانه واستبد بالأمر واسن السير وعدل الناس مدة ثن انه عهد إلى ابن اخته أبي الحسن علي بن نصر الملقب بمهذب الدولة وكان يلقب حينئذ بالأمير المختار وبعده إلى أبي الحسن ععلي بن جعفر وهو ابن اخته وانقرض بيت عمران بن شاهين وكذلك الدنيا دول وما اشبه حاله بحال باذ فانه ملك وانتقل الملك إلى ابن اخته ممهد الدولة بن مروان
وفيها عصى محمد بن غانم البرزيكاتي بناحية كوردر من أعمال قم على فخر الدولة واخذ بعض غلات السلطان وامتنع بحصن الهفتجان وجمع البرزيكاتي إلى نفسه فسارت إليه العساكر في شوال لقتاله فهزمها واعيدت إليه من الري مرة اخرى فهزمها فأرسل فخر الدولة إلى أبي النجم بدر بن حسنويه ينكر ذلك عليه ويأمره باصلاح الحال معه ففعل وراسله فاصطلحوا أول سنة أربع وسبعين وبقي إلى خمس وسبيعن فسار إليه جيش لفخر الدولة فقاتله فاصابه طعنة واخذ اسيرا فمات من طعنته
في هذه السنة انتقل أولاد زيري بن مناد وهم زاوي وجلالة وماكسن اخوة بلكين إلى الأندلس وسبب ذلك انهم وقع بينهما وبين أخيهم حماد حروب وقتال على بلاد بينهم فغلبهم حماد فتوجهوا إلى طنجة ومنها إلى قرطبة فانزلهم محمد بن أبي عأمر وسر بهم واجرى عليهم الوظائف واكرمهم وسالهم عن سبب انتقاله فاخبروه وقالوا له انما اخترنك على غيرك واحببنا ان نكون معك نجاهد في سبيل الله فاستحسن ذلك منهم ووعدهم ووصلهم فأقاموا أياما ثم دخلوا عليه وسالوه اتمام ما وعدهم به من الغزو فقال انظروا ما اردتم من الجند نعطيكم فقالوا ما يدخل معنا بلاد العدو غيرنا إلا الذين معنا من بني عمنا وصنهاجة وموالينا فاعطيهم الخيل والسلاح والأموال وبعث معهم دليل وكان الطريق ضيقا فاتوا أرض جليقية فدخلوها ليلا وكمنوا في بستان بالقرب من المدينة وقتلوا كل من به وقطعوا اشجاره فلما اصبحوا خرج جماعة عن البلد فضربوا عليهم واخذوهم وقتلوهم جميعا فرجوا وتسامع العدو فركبوا في أثرهم فلما احسوا بذلك كمنوا وارء ربوة فلما جاوزهم العدو خرجوا عليهم من ورائهم وضربوا في ساقتهم وكبروا فلما سمع العدو تكبيرهم ظنوا ان العدد كثير فانهزموا وتبعهم صنهاجة فقتلوا خلقا كثيرا وغنموا دوابهم وسلاحهم وعادوا إلى قرطبة فعظم ذلك عند ابن أبي عأمر ورأى من شجاعتهم ما لم يره من جند الأندلس فاحسن إليهم وجعلهم بطانته
لما رأى أهل الأندلس فعل صنهاجة حسدوهم ورغبوا في الجهاد وقالوا للمنصور بن أبي عأمر لقد نشطنا هؤلاء للغزو فجمع الجيوش الكثيرة من سائر الاقطار وخروج إلى الجهاد وكان رأى في منامه تلك الليالي كان رجل أعطاه الاسبراج فاخذه من يده واكل منه فعبره على ابن أبي جمعة فقال له اخرج إلى بلد اليون فانك ستفتحها فقال من اين اخذت هذا فقال لان الاسبراج يقال له في المشرق الهليون فملك الرؤيا قال لك هاليون فخرج إليها ونازلها وهي من اعظم مدائنهم واستمد أهلها الفرنج فامدهم بجيوش كثيرة واقتتلوا ليلا ونهارا فكثر القتل فيهم وصبرت صنهاجة صبرا عظيما ثم خرج قومص كبير من الفرنج لم يكن لهم مثله فجال بين الصفوف وطلب البراز فبرز إليه جلالة بن زيري الصنهاجي فحمل كل واحد منهم على صاحبه فطعنه الفرنجي فمال عن الطعنة وضربه بالسيف على عاتقيه فابان عاتقه فسقط الفرنجي على الأرض وحمل المسلمون على النصارى فانهزموا إلى بلادهم فقتل منهم ما لا يحصى وملك المدينة وغنما ابن أبي عأمر غينمة لم ير مثلها واجتمع من السبي ثلاثون الف وأمر بالقتلى فنضدد بعضها على بعض وأمر مؤذن فاذن فوق القتلى المغرب وخرب مدينة قامونة ورجع سالما هو وعساكره
في هذه السنة لسبع يقين من ذي الحجة توفي يوسف بلكين بن زيري صاحب أفريقية بوارقلين وسبب مضيه إليها ان خزرون الزناتي دخل سجلماسة وظرد عنها نائب يوسف بلكين ونهبا ما فيها من الأموال والعدد وتغلب على فاس زيري بن عطية الزناتي فرحل يوسف فاعتل في الطرق بقولنج وقيل خرج في يده بثرة فمات منها فاوصى بولاية ابنه المننصور
وكان المنصور بمدينة اشير فجلس للعزاء بأبيه وأتاه أهل القيروان وسائر البلاد يعزونه بأبيه ويهنونه بالولاية فاحسن إلى الناس وقال لهم ان أبي يوسف وجدي زيري كانا ياخذان الناس بالسيف وأنا إلا بالاحسان ولست ممن يولي كتاب ويعزل بكتاب يعني ان الخليفة بمصر لا يقدر على عزله بكاتب ثم سار إلى القيروان وسكن برقادة وولي الأعمال واستعمل الأمراء وأرسل هدية عظيمة إلى العزيز بالله بمصر قيل كانت قيمتها الف الف دينار ثم عاد إلى اشير واستخلف على جباية الأموال بالقيروان والمهدية وجميع أفريقية انسانا يقال له عبد الله بن الكاتب
في هذه السنة قوي أمر باذ الكردي واسمه أبو عبد الله الحسين بن دوستك وهو من الاكراد الحميدية وكان ابتداء أمره انه كان يغزو بثغور ديار بكر كثيرا وكان عظيم الخلقة له باس وشدة فلما ملك عضد الدولة الموصل حضر عنده فلما رأى عضد الدولة خافه وقال ما اظنه يبقي علي فهرب حين خرج من عنده وطلبه عضد الدولة بعد خروجه ليقبض عليه وقال له باس وشدة وفيه شر ولا يجوز الابقاء على مثله فاخبر بهربه فكف عن طلبه وحصل بثغور ديار بكر وأقام بها إلى ان استفحل أمره وقوي وملك ميافارقين وكثيرا من ديار بكر بعد موت عضد الدولة ووصل بعد أصحابه إلى نصيبين فاستة لى عليها فجهز صمصام الدولة إليه العساكر مع أبي سعد بهرام بن اردشير فواقعه فانهزم بهرام واسر جماعة من أصحابه وقوي أمر باذ فأرسل صمصام الدولة إليه أبا القاسم سعد بن محمد الحاجب في عسكر كثير فالتقوا بباجلايا على خأبور الحسينة من بلد كواشي واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم سعد وأصحابه واستولى باذ على كثير من الديلم فقتل واسر ثم قتل الاسرى صبرا وفي هذه الوقعة يقول أبو الحسين البشنوي
( بباجلايا جلون عنه غمغمة % ونحن في الروع جلاؤن للكرب ) يعني باذ وسنذكر سببه سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة إن شاء الله تعالى ولما هزم باذ الديلم وسعدا وفعل بهم ما تقدم ذكره سبقه سعد فدخل الموصل وسار باذ في أثره فثار العامة بسعد لسوء سيرة الديلم فيهم فنجا منهم بنفسه ودخل باذ إلى الموصل واستولى عليها وقويت شوكته وحدث نفسه بالتغلب على بغداد وازالة الديلم عنها وخرج من حد المتطرفين وسار في عداد أصحاب الاطراف فخافه صمصام الدولة واهمه أمره وشغله عن غيره وجمع العساكر ليسيرها إليه فانقضت السنة
وقد حدثنا بعض اصدقائنا من الاكراد الحميدية ممن يعتني بأخبار باذ ان باذا كنيته أبو شجاع واسمه باذ وان أبا عبد الله الحسين بن دوستك هو اخو باذ وكان ابتداء أمره انه كان يرعى الغنم وكان كريما جوادا وكان يذبح الغنم التي له ويطعم الناس فظهر عنه اسم الجود فاجتمع عليه الناس وصار يقطع الطريق وكلما حصل له شيء أخرجه فكثر جمعه وصار يغزو ثم ناه دخل ارمينية فملك مدينة ارجيش وهو أول مدينة ملكها فقوي بها وسار منها إلى ديار بكر فملك مدينة امد ثم ملك مدينة ميافارقين وغيرها من ديار بكر وسار إلى الموصل فملكها كما ذكرناه
في هذه السنة استعمل العزيز بالله الخليفة العلوي على دمشق وأعمالها بكجور التركي مولى قرعويه احدى غلمان سيف الدولة بن حمدان وكان له حمص فسار منها إلى دمشق وظلم أهلها وعسفهم واساء السيرة فيهم وقد ذكرناه سن اثنتين وسبعين مستقصى
وفيها وزر أبو محمد علي بن العباس بن فسانجس لشرف الدولة
وفيها في ربيع الأول انقضى كوكب عظيم اضاءت له الدنيا وسمع له مثل دوي الرعد الشديد
وفيها غلت الاسعار بالعراق وما يجاوره من البلاد وعدمت الاقوات فمات كثير من الناس جوعا وفيها وزر أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن سعدان لصمصام الدولة وفيها ورد القرامطة إلى قريب بغداد وطمعوا في موت عضد الدولة فصولحوا على مال اخذوه وعادوا وفيها في جمادى الاخرة توفي سعيد بن سلام أبو عثمان المغربي بنيسابور ومولده بالقيروان ودخل الشام فصحب الشيوخ منهم أبو الخير الاقطع وغيره وكان من ارباب الاحوال
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
