قد ذكرنا سنة ست وستين ولاية بكجور حمص لأبي المعالي بن سيف الدولة بن حمدان فلما وليها عمرها وكان بلد دمشق قد خربه العرب وأهل العيث والفساد مدة تحكم قسام عليها وانتقل أهله إلى أعمال حمص فعمرت وكثر أهلها والغلات فيها ووقع الغلاء والقحط بدمشق فحمل بكجور الاقوات من حمص إليه وتردد الناس في حمل الغلات وحفظ الطرق وحماها وكتب إلى العزيز بالله بمصر وتقرب إليه فوعده ولاية دمشق فبقي كذلك إلى هذه السنة ووقعت وحشة بين سعد الدولة أبي المعالي بن سيف الدولة بن حمدان صاحب حلب وبين بكجور فأرسل سعد الدولة يأمره بان يفارق بلده فأرسل بكجور إلى العزيز بالله يطلب نجاز ما وعده من امارة دمشق وكان الوزير ابن كلس يمنع العزيز من ولايته إلى هذه الغاية وكان القائد بلتكين قد ولي دمشق بعد قسام كما ذكرناه وهو مقيم بها فاجتمع المغارب بمصر على الوثوب بالوزير ابن كلس وقتله فدعته الضرورة إلى ان يستحضر بلتكين من دمشق فأمره العزيز باحضاره وتسليم دمشق إلى بكجور فقال ان بكجور ان وليها عصا فيها فلم يصغ إلى قوله وأرسل إلى بلتكين يأمره بقصد مصر وتسليم دمشق إلى بكجور ففعل ذلك ودخلها في رجب من هذه السنة واليا عليها فاساء السيرة إلى أصحاب الوزير ابن كلس والمتعلقين به حتى انه صلب بعضهم وفعل مثل ذلك في أهل البلد وظلم الناس وكان لا يخلو من اخذ مال وقتل وصلب وعقوبة فبقي كذلك إلى سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة وسنذكر هناك عزله إن شاء الله تعالى
ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة
في هذه السنة في شوال شتدت علة عضد الدولة وهو ما كان يعتاده من الصرع فضعفت قوته عن دفعه فخنقه فمات منه ثامن شوال ببغداد وحمل إلى مشهد امير المؤمنين علي عليه السلام فدفن به وكانت ولايته بالعراق خمس سنين ونصفا ولما توفي جلس ابنه صمصام الدولة أبو كاليجار للعزاء فأتاه الطائع لله معزيا وكان عمر عضد الدولة سبعا وأربعين سنة وكان قد سير ولده شرف الدولة أبي الفوارس إلى كرمان مالكا لها قبل ان يشتد مرضه وقيل انه لما احتضر لم ينطلق لسانه إلا بتلاوة ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه وكان عاقلا فاضلا حسن السياسة كثير الاصابة شديد الهيبة بعيد الهمة ثاقب الرأي محبا للفضائل وأهلها باذلا في مواضع العطاء مانعا في اماكن الحزم ناظرا في عواقب الأمور قيل لما مات عضد الدولة بلغ خبره بعض العلماء وعنده جماعة من اعيان الفضلاء فتذاكروا الكلمات التي قالها الحكماء عند موت الاسكندر وقد ذكرتها في أخباره فقال بعضهم لو قلتم أنتم مثلها لكان ذلك يؤثر عنكم فقال احدهم لقد وزن هذا الشخص الدنيا بغير مثقالها وأعطاها فوق قيمتا وطلب الربح فيها فخسر روحه فيها وقال الثاني من استيقظ للدنيا فهذا نومه ومن حلم فيها فهذا انتباهه وقال الثالث ما رأيت عاقلا في عقله ولا غافلا في غفلته مثله لقد كان ينقد جانبا وهو يظن انه مبرم ويغرم وهو يظن انه غانم وقال الرابع من جد للدنيا هزلت به ومن هزل راغبا عنها جدت له وقال الخامس ترك هذه الدنيا شاغرة ورحل عنها بلا زاد ولا راحلة وقال السادس ان ما اطفا هذه النار لعظيم وان ريحا زعزعت هذا الركن لعصوف وقال السابع انما سلبك من قدر عليك وقال الثامن اما انه لو كان معتبرا في حياته لما صار عبرة في مماته وقال التاسع الصاعد في درجات الدنيا إلى استفال والنازل في دركاتها اذا تعال وقال العاشر كيف غفلت عن كيد هذا الأمر حتى نفذ فيك وهلا اتخذت دونه جنة تقيك ان في ذلك لعبرة للمعتبرين وانك لاية للمستبصرين وبنى على مدينة النبي سورا وله شعر حسن فمن شعره لما أرسل إليه أبو تغلب بن حمدان يعتذر من مساعدته بختيار ويطلب الامان فقال عضد الدولة
( اافاق حين وطات ضيق خناقه % يبغي الامان وكان يبغي صارما )
( فلاركبن عزيمة عضدية % تاجية تدع الانوف رواغما )
وقال أبياتا منها بيت لم يفلح بعده وهي هذه
( ليس شرب الكاس إلا في المطر % وغناء من جوار في السحر )
( غانيات سالبات للنهى % ناغمات في تضاعيف الوتر )
( مبرزات الكاس من مطلعها % ساقيات الراح من فاق البشر )
( عضد الدولة وابن ركنها % ملك الاملاك غلاب القدر )
وهذا البيت هو المشار إليه
وحكي عنه انه كان في قصره جماهة من الغلمان يحمل إليهم مشاهراتهم من الخزانة فأمر أبا نصر خواشاذة ان يتقدم إلى الخازن بان يسلم جامكية الغلمان إلى نقيبهم في شهر قد يقي منه ثلاثة أيام قال أبو نصر فانسيت ذلك أربعة أيام فسالني عضد الدولة عن ذلك فقلت انسيته فاغلظ لي فقلت امس استهل الشهر والساعة نحمل المال وما ههنا ما يوجب شغل القلب فقال المصيبة بما لا تعلمه من الغلط اكثر منها في التفريط إلا تعلم أنا اذا اطلقنا لهم ما لهم قبل محله كان الفضل لنا عليهم فاذا اخرنا ذلك عنهم حتى استهل الشهر الاخر حضروا عند عارضهم وطالبوه فيعدهم فبحضرونه في اليوم الثاني فيعدهم ثم يحضرونه في اليوم الثالث ويبسطون السنتهم فتضيع المنة وتحصل الجراة ونكون إلى الخسارة اقرب منا إلى الربح وكان لا يعول في الأمور إلا على الكفاءة ولا يحمل للشفاعات طريقا إلى معارضة من ليس من جنس الشافع ولا فيما يتعلق به حكي عنه ان مقدم جيشه اسفار من كردويه شفع في بعض ابناء العدول ليتقدم إلى القاضي ليسمع تزكيته ويعدله فقال ليس هذا من اشغالك انما الذي يتعلق بك الخطاب في زيادة قائد ونقل مرتبة جندي وما يتعلق بهم واما الشهادة وقبولها فهي إلى القاضي وليس لنا ولا لك الكلام فيه ومتى عرف القضاة من انسان ما يجوز معه قبول شهادته فعلوا ذلك بغير شفاعة وكان يخرج في ابتداء كل سنة شيئا كثيرا من الأموال للصدقة والبر في سائر بلاده ويأمر بتسليم ذلك إلى القضاة ووجوه الناس ليصرفوه إلى مستحقيه وكان يوصل إلى العمال المتعطلين ما يقوم بهم ويحاسبهم به اذا عملوا وكان محبا للعلوم وأهلها مقربا لهم محسنا إليهم وكان يجلس معهم ويعارضهم في المسائل فقصده العلماء من كل بلد وصنفوا له الكتاب ومنها الأيضاح في النحو والحجة في القراءات والملكي في الطب والتاجي في التاريخ إلى غير ذلك وعمل المصالح في سائر البلاد كالبيمارستانات والقناطر وغير ذلك من المصالح العامة إلا انه احدث في اخر أيامه رسوما جائرة في المساحة والضرائب على بيع الدواب وغيرها من الامتعة وزاد على ما تقدم ومنع من عمل الثلج والقز وجعلهما متجرا للخاص وكان يتوصل إلى اخذ المال بكل طريق ولما توفي عضد الدولة قبض على نائبه أبي الريان من الغد فاخذ من كمه رقعة فيها
( ايا واثقا بالدهر عند انصرافه % رويدك اني بالزمان اخو خبر )
( ويا شامتا مهلا فكم ذي شماتة % تكون له العقبة بقاصمة الظهر )
لما توفي عضد الدولة اجتمع القواد والأمراء على ولديه أبي كاليجار المرزبان فبايعوه وولوه الامارة ولقبه صمصام الدولة فلما وولي خلع على اخويه أبي الحسين أحمد وأبي طاهر فيروزشاه واقطعهم فارس وأمرهم بالجد في السير ليسبقا اخوهما شرف الدولة أبا الفوارس شيرزيل إلى شيراز فلما وصلا إلى ارجان أتاهما خبر وصول شرف الدولة إلى شيراز فعادا إلى الأهواز وكان شرف الدولة بكرمان فلما بلغه خبر وفاة أبيه سار مجدا إلى فارس فملكها وقبض على نصر بن هارون النصراني وزير أبيه وقتله لانه كان يسيء صحبته أيام أبيه واصلح أمر البلاد واطلق الشريف أبا الحسين محمد بن عمر العلوي والنقيب أبا أحمد الموسوي والد الشريف الرضي والقاضي أبا محمد بن معروف وابا نصر خواشاذه وكان عضد الدولة حبسهم واظهر مشاققة أخيه صمصام الدولة وقطع خطبته وخطب لنفسه وتلقب بتاج الدولة وفارق الأموال وجمع الرجال وملك البصرة واقطعها اخوه أبا الحسين فبقي كذلك ثلاث سنين إلى ان قبض عليه شرف الدولة على ما نذكره إن شاء الله تعالى فلما سمع صمصام الدولة بما فعله شرف الدولة سير إليه جيشا واستعمل عليهم الأمير أبا الحسن ابن دبعش حاجب عضد الدولة فجهز تاج الدولة عسكرا واستعمل عليهم الأمير أبا الاعز دبيس بن عفيف الاسدي فالتقيا بظاهر قرقوب واقتتلوا فانهزم عسكر صمصام الدولة واسر دبعش فاستولى حينئذ أبو الحسين بن عضد الدولة على الأهواز واخذ ما فيه وفي رامهرمز وطمع في الملك وكانت الوقعة في ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة
في هذه السنة قتل الحسين بن عمران بن شاهين صاحب البطيحة قتله اخوه أبو الفرج واستولى على البطيحة وكان سبب قتله انه حسده على ولايته ومحبة الناس له فاتفق ان اخت لهما مرضت فقال أبو الفرج لأخيه الحسين ان اختنا مشفية فلوا عدتها ففعل وسار إليه ورتب أبو الفرج في الدار نفرا يساعدونه على قتله فلما دخل الحسين الدار تخلف عنه أصحابه ودخل أبو الفرج معه وبيده سيفه فلما خلا به قتله ووقعت الصيحة فصعد إلى السطع واعلم العسكر بقتله ووعدهم الاحسان فسكتوا وبذل لهم المال فاقروه في الأمر وكتب إلى بغداد يظهر الطاعة ويطلب تقليده الولاية وكان متهورا جأهلا
لما عزل أبو الحسن بن سيمجور عن قيادة جيوش خراسان ووليها أبو العباس سار بن سيمجور إلى سجستان فأقام به فلما انهزم أبو العباس عن جرجان على ما ذكرناه ورأى الفتنة قد رفعت رأسها سار عن سجستان نحو خراسان وأقام بقهستان فلما سار أبو العباس إلى بخارى وخلت منه خراسان كاتب ابن سيمجور فائقا يطلب موافقته على الاستيلاء على خراسان فأجابه إلى ذلك واجتمعا بنيسابور واستوليا على تلك النواحي
وبلغ الخبر إلى أبي العباس فسار عن بخارى في جمع كثير إلى مرو وترددت الرسل بينهم فاصطلحوا على ان تكون نيسابور وقيادة الجيوش لأبي العباس وتكون بلخ لفائق وتكون هراة لأبي علي بن أبي الحسن بن سيمجور وتفرقوا على ذلك وقصد كل واحد منهم ولايته
في هذه السنة توفي نقيب النقباء أبو تمام الزينبي وولي النقابة بعده ابنه أبو الحسن وتوفي محمد بن جعفر المعروف بزوج الحرة في صفر ببغداد وتوفي في جمادى الأولى منصور بن أحمد بن هارون الزاهد وهو ابن خمس وستين سنة
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
