في هذه السنة عزل أبو الحسن محمد بن إبراهيم بن سيمجور عن قيادة جيوش خراسان واستعمل عوضه حسام الدولة أبو العباس تاش وكان سبب ذلك ان الأمير نوح بن منصور لما ملك خراسان وما وراء النهر وهو صبي استوزر أبا الحسين العتبي فقام في حفظ الدولة القيام المرضي وكان محمد بن سيمجور قد استوطن خراسان وطالت أيامه فيها فلا يطيع إلا فيما يريد فعزله أبو الحسين العتبي عنها واستعمل مكانه حسام الدولة أبا العباس تاش وسيره من بخارى إلى نيسابور في هذه السنة فاستقر بها ودبر خراسان ونظر في امورها واطاعه جندها
ثم دخلت سنة احدى وسبعين وثلاثمائة
في هذه السنة في جمادى الاخرة استولى عضد الدولة على بلاد جرجان وطبرستان واجل عنها صاحبها قأبوس بن وشمكير وسبب ذلك ان عضد الدولة لما استولى على بلاد أخيه فخر الدولة انهزم فخر الدولة فلحق بقأبوس كما ذكرناه وبلغ ذلك عضد الدولة فأرسل إلى قأبوس يبذل له الرغائب من البلاد والأموال والعهود وغير ذلك ليسلم ايه أخاه فخر الدولة فامتنع قأبوس من ذلك ولم يجب إليه فجهز عضد الدولة أخاه مؤيد الدولة وسيره ومعه العساكر والأموال والعدد إلى جرجان وبلغ الخبر قأبوسا فسار إليه فلقيه بنواحي استراباذ فاقتتلوا من بكرة إلى الظهر فانهزم قأبوس وأصحابه في جمادى الأولى وقصد قأبوس بعض قلاعه التي فيها ذخائره وأمواله فاخذخ ما اراد وسار نحو نيسابور فلما وردها لحق به فخر الدولة وانضم إليهما من تفرق من أصحابهما وكان وصولهم إليها ولاية حسام الدولة أبي العباس تاش خراسان فكتب حسام الدولة إلى الأمير أبي القاسم نوح بن منصور يعرفه خبر وضولهما وكتبا أيضا إلى نوح يعرفانه حالهما ويستنصرانه على مؤيد الدولة فوردت كتب نوح على حسام الدولة يأمره باجلال محلهما واكرامهما وجمع العساكر والمسير معهما واعادتهما إلى ملكهما وكتب وزيره أبو الحسين بذلك أيضا
فلما وردت الكتب من الأمير نوح على حسام الدولة بالمسير بعساكر خراسان جميعها مع فخر الدولة وقأبوس جمع العساكر وحشد فاجتمع بنيسابور عساكر سدت الفضاء وساروا نحو جرجان فنازلوها وحصروها وبها مؤيد الدولة ومعه من عساكره وعساكر أخيه عضد الدولة جمع كثير إلا انهم لا يقاربون عساكر خراسان فخصرهم حسام الدولة شهرين يغاديهم القتال ويراوحهم وضاقت الميرة على أهل جرجان حتى كانوا ياكلون نخالة الشعير معجونة بالطين فلما اشتد عليهم الأمر خرجوا من جرجان فس شهر رمضان على عزم صدق القتال اما لهم واما عليهم فلما راهم خراسان ظنوها كما تقدم من الدفعات يكون قتال ثم تحاجز فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا فراوا الأمر خلاف ما ظنوه
وكان مؤيد الدولة قد كاتب بعض قواد خراسان يسمى فائق الخاصة واطعمه ورغبه فأجابه إلى الانهزام عند اللقاء وسيرد من أخبار فائق هذا ما يعرف به من محله من الدولة فلما خرج مؤيد الدولة هذا اليوم حمل عسكره على فائق وأصحابه فانهزم هو ومن معه وتبعه الناس وثبت فخر الدولة وحسام الدولة في القلب واشتد القتال إلى اخر النهار فلما راوا تلاحق الناس في الهزيمة لحقوا بهم وغنم أصحاب مؤيد الدولة منهم ما لا يعلمه إلا الله تعالى واخذوا من الاقوات شيئا كثيرا
وعاد حسام الدولة وفخر الدولة وقأبوس إلى نيسابور وكتبوا إلى بخارى بالخبر فأتاهم الجواب يمنيهم ويعدهم بانفاذ العساكر والعود إلى جرجان والري وأمر الأمير نوح سائر العساكر بالمسير إلى نيسابور فاتوها من جذب ينسلون فاجتمع بظاهر نيسابور من العساكر اكثر من المرة الأولى وحسام الدولة ينتظر تلاحق الامداد ليسير بهم فأتاهم الخبر بقتل الوزير أبي الحسين العتبي فتفرق ذلك الجمع وبطل ذلك التدبير وكان سبب قتله ان أبا الحسن بن سيمجور وضع جماعة من الممإليك على قتله فوثبوا فقتلوه كتب الرضي نوح بن منصور إلى حسام الدولة يستدعيه إلى بخارى ليدير دولته ويجمع ما انتشر منها بقتل أبي الحسن فسار عن نيسابور إليها وقتل من ظفر به من قتلة أبي الحسين وكان قتله سنة اثنتين وسبعين
في هذه السنة في ذي القعدة سار أبو القاسم امير صقلية من المدينة يريد الجهاد وسبب ذلك ان ملكا من ملوك الفرنج يقال له بردويل خرج في جموع كثيرة من الفرنج إلى صقلية فحصرها قلعة مالطة فلما قاربها خاف وجبن فجمع وجوه أصحابه وقال لهم اني راجع من مكاني هذا فلا تكسروا على رأي فرجع هو وعساكره
وكان اسطول الكفار يساير المسلمين في البحر فلما راوا المسلمين راجعين أرسلوا إلى بردويل ملك الروم يعلمونه ويقولون له ان المسلمين خائفون منك فالحق بهم فانك تظفر فجرد الفرنجي عسكره من أثقالهم وسار جريدة وجد في السير فادركهم في العشرين من المحرم سنة اثنتين وسبعين فتعبى المسامون للقتال واقتتلوا واشتدت الحرب بينهم فحمل طائفة من الفرنج على القلب والاعلام فشقوا العسكر ووصلوا إليها وقد تفرق كثير من المسلمين عن اميرهم واختل نظامهم فوصل الفرنج إليه فاصابته ضربه على أم رأسه فقتل معه جماعة من اعيان الناس وشجعانهم
ثم إن المنهزمين من المسلمين رجعوا مصممين على القتال ليظفروا أو يموتوا واشتد حيئنذ الأمر وعظم الخطب على الطائفتين فانهزم الفرنج اقبح هزيمة وقتل منهم نحو أربعة الاف قتيل واسر من بطارقتهم كثير وتبعوهم إلى ان ادركهم الليل وغنموا من أموالهم كثيرا وافلت ملك الفرنج هاربا ومعه رجل يهودي كان خصيصا به فوقف فرس الملك فقال له إليهودي اركب فرسي فان قتلت فانت لولدي فركبه الملك وقتل إليهودي فنجا الملك إلى خيامه وبها زوجته وأصحابه فاخذهم وعاد إلى رومية ولما قتل الأمير أبو القاسم كان معه ابنه جابر فقام مقام أبيه ورحل المسلمين لوقتهم ولم يمكنهم من اتمام الغنيمة فتركوا كثيرا منها وساله أصحابه ان يقيم إلى ان يجمع السلاح وغيره ويعمر به الخزائن فلم يفعل وكانت ولاية أبي القاسم على صقلية اثثنتي عشرة سنة وخمسة أشهر وخمسة أيام وكان عادلا حسن السيرة كثير الشفقة على رعيته والاحسان إليهم عظيم الصدقة ولم يخلف دينارا ولا درهما ولا عقارا فانه كان قد وقف جميع املاكه على الفقراء وأبواب البر
في هذه السنة وقع حريق بالكرخ ببغداد فاحترق فيها مواضع كثيرة هلك فيها خلق كثير من الناس وبقي الحريق اسبوعا
وفيها قبض عضد الدولة على القاضي أبي علي المحسن بن علي التنوخي والزمه منزله وعزله عن أعماله التي كان يتولاها وكان حنفي المذهب شديد التعصب على الشافعي يطلق لسانه فيه قاتله الله
وفيها افرج عضد الدولة عن أبي إسحاق إبراهيم بن هلال الصأبي الكاتب وكان القبض عليه سنة سبع وستين وكان سبب قبضه انه كان يكتب عن بختيار كتبا في معنى الخلف الواقع بينه وبين عضد الدولة فكان ينصح صاحبه فمما كتبه عن الخليفة الطائع إلى عضد الدولة في المعنى وقد لقب عز الدولة بشاهنشاه فتزحزح له عن سنن المساواة فنقم عليه عضد الدولة ذلك وهذا من اعجب الاشياء فانه كان ينبغي ان يعظم في عينه لنصحه لصاحبه فلما اطلقه أمره بعمل كتاب يتضمن أخبارهم ومحاسنها فعمل التاجي في دولة الديلم
وفيها أرسل عضد الدولة القاضي أبا بكر محمد بن الطيب الاشعري المعروف بابن الباقلاني إلى ملك الروم في جواب رسالة وردت منه فلما وصل إلى الملك قيل له ليقبل الأرض بين يديه فلم يفعل فقيل لا سبيل إلى الدخول إلا مع تقبيل الأرض فاصر على الامتناع فعمل الملك بابا صغيرا يدخل منه القاضي منحنيا ليوهم الحاضرين انه قبل الأرض فلما رأى القاضي الباب علم ذلك فاستدبره ودخل منه فلما جاره استقبل الملك وهوقائم فعطم عندهم محله
وفيها المارستان الغضدي غربي بغداد ونقل إليه جميع ما يحتاج إليه من الادوية
وفي هذه السنة توفي الامام أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن اسماعيل الاسماعيلي الجرجاني الفقيه الشافعي وكان عالما بالحديث وغيره من العلوم والامام محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد أبو زيد المروزي الفقيه الشافعي الزاهد يروى صحيح البخاري عن الفربري وتوفي في رجب وأبو عبد الله محمد بن خفيف الشيرازي شيخ الصوفية في وقته صحب الجريري وابن عطاء وغيرهما
وفيها توفي أبو الحسن علي بن إبراهيم الصوفي المعروف بالحصري
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
