في هذه السنة أرسل الصاحب أبو القاسم اسماعيل بن عباد إلى عضد الدولة بهمذان رسولا من عند أخيه مؤيد الدولة همذان وغيرها وأقام عند عضد الدولة إلى ان عاد إلى بغداد فرده إلى مؤيد الدولة فاقطعه اقطاعا كثيرة وسير معه عسكرا يكون عند مؤيد الدولة في خدمته
[ثم] ذخلت سنة سبعين وثلاثمائة
لما خلع عضد الدولة على بدر واخويه عاصم وعبد الملك وفضل بدرا عليهما وولاه الاكراد حسده اخواه فشقا العصا وخرجا عن الطاعة واستمال عاصم جماعة الاكراد المخالفين فاجتمعوا عليه فسير إليه عضد الدولة عسكرا فاوقعوا بعاصم ومن معه فانهزموا واسر عاصم وادخل همذان على جمل ولم يعرف له خبر بعد ذلك اليوم وقتل أولاد حسنويه إلا بدرا فانه ترك على حاله واقر على عمله وكان عاقلا لبيبا حازما كريما حليما وسيرد من أخباره ما يعلم به ذلك إن شاء الله تعالى
وفيها استولى عضد الدولة على قلاع أبي عبد الله المري بنواحي الجبل وكان منزله بسندة وله فيها مساكن نفيسة وكان قديم البيت فقبض عليه وعلى أولاده واعتقلوهم فبقوا كذلك إلى ان اطلقهم الصاحب من عباد فيما بعد واستخدم ابنه أبا طاهر واستكتبه وكان حسن الخط واللفظ
في هذه السنة سيرت العساكر من مصر لقتال المفرج بن جراح وسبب ذلك ان ابن جراح عظم شانه بأرض فلسطين وكثر جمعه وقويت شوكته وبالغ هو في العيث والفساد وتخريب البلاد فجهز العزيز بالله العساكر وسيرها وجعل عليها القائد بلتكين التركي فسار إلى الرملة واجتمع إليها من العرب من قيس وغيرها جمع كثير وكان مع ابن جراح جمع يرمون بالنشاب ويقاتلون قتال الترك فالتقوا ونشبت الحرب بينهما وجعل بلتكين كمينا فخرج على عسكر ابن جراح من وراء ظهورهم عند اشتداد الحرب فانهزموا واخذتهم سيوف المصريين ومضى ابن جراح منهزما إلى انطاكية فاستجار بصاحبها فاجاره وصادف خروج ملك الروم من القسطنطينية في عساكر عظيمة يريد بلاد الاسلام فخاف ابن جراح فكاتب بكجور بحمص والتجاء إليه واما عسكر مصر فانهم نازلوا دمشق مخادعين لقسام لم يظهروا له إلا انهم جاؤوا لاصلاح البلد وكف الايدي المتطرقة إلى الاذى
وكان القائد أبو محمود قد مات سنة سبعين وهو والي البلد ولا حكم له وانما الحكم لقسام فلما مات قام بعده في الولاية جيش بن الصمصامة وهو ابن اخت أبي محمود فخرج إلى بلتكين وهو يظن انه يريد اصلاح البلد فأمره ان يخرج هو ومن معه وينزلوا بظاهر البلد ففعلوا وحضر قسام وأمر من معه بمباشرة الحرب فقاتلوا دفعات عدة فقوي عسكر بلتكين ودخلوا اطراف البلد وملكوا الشاغور واحرقوا ونهبوا فاجتمع مشايخ البلد عند قسام وكلموه في ان يخرجوا إلى بلتكين وياخذوا امان لهم وله فانخدل وذل وخضع بعد تجبره وتكبره وقال افعلوا ما شئتم وعاد أصحاب قسام إليه فوجدوه خائفا ملقيا بيده فاخذ كل لنفسه وخرج شيوخ البلد البلد إلى بلتكين فطلبوا منه الامان لهم ولقسام فأجابهم إليه وقال اريد اتسلم البلد اليوم فقالوا افعل ما تؤمر فأرسل واليا يقال له ابن خطلخ ومعه خيل رجل وكان مبدا هذه الحرب والحصر في المحرم سنة سبعين لعشر بقين منه والدخول إلى البلد لثلاث بقين منه ولم يعرض لقسام ولا لاحد من أصحابه وأقام قسام في البلد يومين ثم استتر فاخذ كل ما في داره وما حولها من دور أصحابه وغيرهم ثم خرج إلى الخيام فقصد حاجب بلتكين وعرفه نفسه فاخذه وحمله إلى بلتكين فحمله بلتكين إلى مصر فاطلقه العزيز واستراح الناس من تحكمه عليهم وتغلبه بمن تبعه من الأحداث من أهل العيثث والفساد
وفيها توفي علي بن محمد الاحدب المزور وكان يكتب على خط كل واحد فلا يشك المكتوب عنه انه خطه وكان عضد الدولة اذا اراد الايقاع بين الملوك أمره ان يكتب على خط بعضهم إليه في الموافقة على من يريد افساد الحال بينهما ثم يتوصل ليصل المكتوب إليه فيفسد الحال وكان هذا الاحدب ربما ختمت يده لهذا السبب
وفيها زادت الفرات زيادة عظيمة جاوزت المالوف وغرق كثير من الغلات وتمردت الصراة وخربت قناطرها العتيقة والجديدة واشفى أهل الجانب الغربي من بغداد على الغرق وبقيت الزيادة بها وبدجلة ثلاثة أشهر ثم نقصت
وفيها زفت ابنة عضد الدولة إلى الخليفة الطائع ومععها من الجواهر شيء لا يحصى
وفيها ورد على عضد الدولة هدية من صاحب اليمن فيها قطعة واحدة من عنبر وزنها ستة وخمسون رطلا وحج بالناس أبو الفتح أحمد بن عمر بن يحيى العلوي وخطب بمكة والمدينة للعزيز بالله صاحب مصر العلوي
وفيها توفي أبو بكر أحمد بن علي الرازي امام الفقهاء الحنفية في زمانه وطلب ليلي قضاء القضاة فامتنع وهو من أصحاب الكرخى
وفيها توفي الزبير بن عبد الواحد بن موسى أبو يعلى البغدادي سمع البغوي وابن صاعد وسافر إلى اصبهان وخراسان واذربيجان وغيرها وسمع فيها الكثير وتوفي بالموصل هذه السنة ومحمد بن جعفر بن الحسين بن محمد أبو بكر المفيد المعروف بغندر توفي بمفازة بخارى وأبو الفرج محمد بن العباس بن فسانجس وأبو محمد علي بن الحسن الاصبهاني والحسن بن بشر الامدي وفيها توفي القائد أبو محمود إبراهيم بن جعفر والي دمشق للعزيز وقام بعده
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
