في هذه السنة في المحرم توفي ركن الدولة أبو علي الحسن بن بويه واستخلف على ممالكه ابنه عضد الدولة وكان ابتداء مرضه حين سمع بقبض بختيار ابن أخيه معز الدولة ومان ابنه عضد الدولة قد عاد من بغداد بعدا أن اطلق بختيار على الوجه الذي ذكرناه وظظهر عند الخاص والعام غضب والده عليه فخاف أن يموت أبوه وهو على حال غضبه فيختل ملكه وتزول طاعته فأرسل إلى أبي الفتح بن العميد وزير والده يطلب منه أن يتوصل مع أبيه واحضاره عنده وأن يتعهد إليه بالملك بعده فسعى أبو الفتح في ذلك فأجابه إليه ركن الدولة وكان قد وجد في نفسه خفة فسار من الري إلى اصبهان فوصلها في جمادى الأولى سنة خمس وستين وثلاثمائة واحضر ولده عضد الدولة من فارس وجمع عنده أيضا سائر أولاده باصبهان فعمل أبو الفتح بن العميد دعوة عظيمة حضرها ركن الدولة وأولاده والقواد والاجناد فلما فرغوا من الطعام عهد ركن الدولة إلى ولده عضد الدولة بالملك بعده وجعل لولده فخر الدولة أبي الحسن على همذان وأعمال الجبل ولولده مؤيد الدولة اصبهان وأعمالها وجعلهما في هذه البلاد بحكم احيهما عضد الدولة وخلع عضد الدولة على سائر الناس ذلك اليوم الاقبية والاكسية على زي الديلم وحياة القواد واخوته بالريحان على عادتهم مع ملوكهم واوصى ركن الدولة أولاده بالاتفاق وترك الاختلاف وخلع عليهم ثم سار عن اصبهان في رجب نحو الري فدام مرضه إلى أن توفي فاصيب به الدين والدينا جميعا لاستكمال جميع خلال الخير فيه وكان عمره قد زاد على سبعين سنة وكانت امارته أربعا وأربعين سنة
ثم دخلت سنة ست وستين وثلاثمائة
كان حليما كريما واسع الكرم كثير البذل حسن الساسة لرعاياه وجنده رؤوفا بهم عادلا في الحكم بينهم وكان بعيد الهمة عظظيم الجد واسعادة متحرجا من الظلم مانعا لأصحابه منه غفيفا عن الدماء يرى عليهم الارزاق ويصونهم عن التبذل وكان يقصد المساجد الجامعة في أشهر الصيام للصلاة وينتصب لرد المظالم ويتعهد العلويين بالأموال الكثثيرة ويتصدق بالأموال الجليلة على ذوي الحاجات ويلين جانبه للخاص والعام قال له بعض أصحابه في ذلك وذكر له شدة مرداويج على أصحابه فقال انظر كيف اخترم ووثب عليه أخص أصحابه به واقربهم منه لعنفه وشدته وكيف عمرت واحبني الناس للين جانبي وحكي عنه انه سار في سفر فنزل في خركاة قد ضربت له قبل أصحابه وقدم إليه طعام فقال لبعض أصحابه لاي شيء قيل في المثثل خير الاشياء في القرية الامارة فقال صاحبه لقعودك في الخركاة وهذا الطعام بين يديك وأنا لا خركاة ولا طعام فضحك وأعطاه الخركاة والطعام فانظر إلى هذا الخلق ما احسنه وما اجمله وفي فعله في حادثة بختيار ما يدل على كمال مروءته وحسن عهده وصلته لرحمه رضي الله عنه وارضاه وكان له حسن عهد ومودة واقبال
في هذه السنة تجهز عضد الدولة وسار إلى العراق لما كان يبلغه عن بختيار وابن بقية من استمالة أصحاب الاطراف كحسنوية الكردي وفخر الدولة بن ركن الدولة وأبي تغلب بن حمدان وعمران بن شاهين وغيرهم والاتفاق على معاداته ولما كان يقولانه من الشتم القبيح له ولما رأى من حسن العراق وعظم مملكته إلى غير ذلك وانحدر بختيار إلى واسط على عزم محاربة عضد الدولة وكان حسنويه وعده انه يحضر بنفسه لنصرته وكذلك أبو تغلب بن حمدان فلم يف له وأحد منهما ثم سار بختيار إلى الأهواز اشار بذلك ابن يقية وسار عضد الدولة من فارس نحوهم فالتقوا في ذي القعدة واقتتلوا فخأمر على بختيار بعض عسكره وانتقلوا إلى عضد الدولة فانهزم بختيار واخد ماله ومال ابن بقية ونهبت الأثقال وغيرها ولما وصل بختيار إلى واسط حمل إليه ابن شاهين صاحب البطيحة مالا وسلاحا وغير ذلك من الهدايا النفيسة ودخل بختيار إليه فاكرمه وحمل إليه مالا جليلا واعلاقا نفيسة وعجب الناس من قول عمران ان بختيار سيدخل منزلي وسيتجير بي فكان كما ذكر ثم اصعد بختيار إلى واسط
واما عضد الدولة فانه سير إلى البصرة جيشا فملكوها وسبب ذلك ان أهلها اختلفوا وكانت مضر تهوى عضد الدولة وتميل إليه لاسباب قررها معهم وخالفتهم ربيعة ومالت إلى بختيار فلما انهزم ضعفوا وقويت مضر وكاتبوا عضد الدولة وطلبوا منه انفاذ جيش إليهم فسير جيشا تسلم البلد وأقام عندهم وأقام بختيار بواسط واحضر ما كان له ببغداد والبصرة من مال وغيره ففرقه في أصحابه ثم إنه قبض على ابن يقية لانه اطرحه واستبد بالأمور دونه وجبى الأموال إلى نفسه ولم يوصل إلى بختيار منها شيئا واراد أيضا التقرب إلى عضد الدولة بقبضه لانه هو الذي كان يفسد الاحوال بينهم ولما قبض عليه اخذ أمواله ففرقها وراسل عضد الدولة في الصلح وترددت الرسل بذلك وكان أصحاب بختيار يختلفون عليه فبعضهم يشير به وبعضهم ينهى عنه ثمانه أتاه عبد الرزاق وبدر ابنا حسنويه فب نحو الف فارس معونة فلما وصلا إليه اظهر المقام بواسط ومحاربة عضد الدولة فاتصل بعضد الدولة انه نقض الشرط ثم بدا لبختيار في المسير فسار إلى بغداد فعاد عنه ابنا حسنويه إلى أبيهما وأقام بختيار ببغداد وانقضت السنة وهوبها وسار عضد الدولة إلى واسط ثم سار منها إلى البصرة فاصلح بين ربيعة ومضر وكانوا في الحروب والاختلاف نحو مائة وعشرين سنة ومن عجيب ما جرى لبختيار في هذه الحادثثة انه كان له غلام تركي يميل إليه فاخذ في جملة الاسرى وانقطع خبره عن بختيار فحزن لذلك وامتنع من لذاته والاهتمام بما رفع إليه من زوال ملكه وذهاب نفسه حتى قال على رؤوس الاشهاد ان فجيعتي بهذا الغلام اعظظم من ففجيعتي بذهاب ملكي ثم سمع انه في جملة الاسرى فأرسل إلى عضد الدولة يبذل له ما احب في رده إليه فاعاده عليه وسارت هذه الحادثة عنه فازداد فضحية وهوأنا عند الملوك وغيرهم
في هذه السنة مات الأمير منصور بن نوح صاحب خراسان وما وراء النهر منتصف شوال وكان موته ببخارى وكانت ولايته خمس عشرة سنة وولي الأمر بعده ابنه أبو القاسم نوح وكان عمره حين ولي الأمر ثلاث عشرة سنة ولقب بالمنصور
في هذه السنة في ذي القعدة مات القاضي منذر بن سعيد البلوطي أبو الحاكم قاضي قضاة الأندلس وكان اماما فقيها خطيبا شاعرا فصحيا ذا دين متين دخل يوما على عبد الرحمن الناصر صاحب الأندلس بعد ان فرغ من بناء الزهراء وقصورها وقد قعد في قبة مزخرفة بالذهب والبناء البديع الذي لم يسبق إليه ومعه جماعة من الاعيان فقال عبد الرحمن الناصر هل بلغكم ان أحدا بنى مثل هذا البناء فقالت له الجماعة لم نر ولم نسمع بمثله واثنوا وبالغوا والقاضي مطرق فاستنطقه عبد الرحمن فبكى القاضي وانحدرت دموعه على لحيته وقال والله ما كنت اظن ان الشيطان اخزاه الله تعالى يبلغ منك هذا المبلغ ولا ان تمكنه من قيادك هذا التمكين مع ما اتاك الله وفضلك به حتى انزلك منازل الكافرين فقال له عبد الرحمن انظر ما تقول وكيف انزلني منزل الكافرين فقال الله تعالى ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكؤون وزخرفا إلى قوله والآخرة عند ربك للمتقين فوجم عبد الرحمن وبكى وقال جزاك الله خيرا واكثر في المسلمين مثلك وأخبار هذا القاضي كثيرة حسنة جدا منها انه قحط الناس وارادوا الخروج للاستسقاء فأرسل إليه عبد الرحمن يأمره بالخروج فقال القاضي للرسول يا ليت شعري ما الذي يصنعه الأمير يومنا هذا فقال ما رأيته قط اخشع منه الان قد لبس خشن الثياب وافترش التراب وجعله على رأسه ولحيته وبكى واعترف بذنوبه ويقول هذه ناصيتي بيدك اتراك تعذب هذا الخلق لاجلي فقال القاضي يا غلام أحمل الممطر معك فقد اذن الله بسقيانا اذا خشع جبار الأرض رحم جبار السماء فخرج واستسقى بالناس فلما صعد المنبر ورأى الناس قد شخصوا إليه بابصارهم قال سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح ) الاية وكررها فضج الناس بالبكاء والتوبة وتمم خطبته فسقي الناس
في هذه السنة قبض عضد الدولة على أبي الفتح بن العميد وزير أبيه وسمل عينه الواحدة وقطع انفه وكان سبب ذلك ان أبا الفتح لما كان ببغداد مع عضد الدولة على ما شرحناه وسار عضد الدولة نحو فارس تقدم إلى أبي الفتح بتعجيل المسير عن بغداد إلى الري فخالفه وأقام واعجبه المقام ببغداد وشرب مع بختيار ومال في هواه واقتنى ببغداد املاكا ودورا على عزم العود إليها اذا مات ركن الدولة ثم صار يكاتب بختيار باشياء يكرهها عضد الدولة وكان له نائب يعرضها على بختيار فكان ذلك النائب يكاتب بها عضد الدولة ساعة فساعة فلما ملك عضد الدولة بعد موت أبيه كتب إلى أخيه فخر الدولة بالري يأمره بالقبض عليه وعلى أهله وأصحابه ففعل ذلك وانقلع بيت العميد على يده كما ظنه أبوه أبو الفضل وكان أبو الفتح ليلة قبض وقد امسى مسروا فاحضر الندماء والمغنين واظهر من الالات الذهبية والزجاج المليح وانواع الطيب ما ليس لاحد مثله وشربوا وعمل شعرا وغني له فيه وهو
( دعوت المنى ودعوت العلا % فلما أجابا دعوت القدح )
( وقلت لأيام شرخ الشباب % الي فهذا اوان الفرح ) (
اذا بلغ المرء واماله % فليس له بعدها مقترح )
فلما غنى في الشعر استطابه وشرب عليه إلى ان سكر وقام وقال لغلامه اتركوا المجلس على ما هو عليه لنصطبح غدا وقال لندمائه بكروا الي غدا لنصطبح ولا تتاخروا فانصرف الندماء ودخل هو إلى بيت منامه فلما كان السحر دعاءه مؤيد الدولة فقبض عليه وأرسل إلى داره فاخذ جميع ما في جملته ذلك المجلس بما فيه
وفي هذه السنة توفي الحاكم بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن المستنصر لله الاموي صاحب الأندلس وكانت امارته خمس عشرة سنة وخمسة أشهر وعمره ثلاثا وستين سنة وسبعة أشهر وكان اصهب اعين اقنى عظيم الصوت ضخم الجسم افقم وكان محبا لأهل العلم علما فقيها في المذاهب عالما بالانساب والتواريخ جماعا للكتب والعلماء مكرما لهم محسنا إليهم احضرهم من البلدان البعيدة ليستفيد منهم ويحسن إليهم ولما توفي ولي بعده ابنه هشام بعهد أبيه وله عشر سنين ولقب المؤيد بالله واختلفت البلاد في أيامه واخذ وحبس ثم عاد إلى الامارة وسببه انه لما ولي المؤيد تحجب له المنصور أبو عأمر محمد بن أبي عأمر المعافري وابناه المظفر والناصر فلما حجب له أبو عأمر حجبه عن الناس فلم يكن أحدا يره ولا يصل إليه وقام بأمر دولته القيام المرضي وعدل في الرعية واقبلت الدنيا إليه واشتغل بالغزو وفتح في بلاد الاعداء كثيرا وامتلات بلاد الأندلس بالغنائم والرقيق وجعل اكثر جنده منهم كواضح الفتي وغيره من المشهورين وكانوا يعرفون بالعأمريين وادام الله له الحال ستا وعشرين سنة غزا فيها اثنتين وخمسين غزاة ما بين صائفة وشاتية وتوفي سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة وكان حازما قوي العزم كثير العدل والاحسان حسن السياسة فمن محاسن أعماله انه دخل بلاد الفرنج غازيا فجاز الدرب إليها وهو مضيق بين جبلين واوغل في بلاد الفرنج يسبي ويخرب ويغنم فلما اراد الخروج راهم قد سدوا الدرب وهم عليه يحفظونه من المسلمين فاظهر انه يريد المقام في بلادهم وشرع هو وعسكره في عمارة المساكن وزرع الغلات واحضروا الحطب والتين والميرة وما يحتاجون إليه فلما راوا عزمه على المقام مالوا إلى السلم فراسلوه في ترك الغنائم والجواز إلى بلاده فقال أنا عازم على المقام فتركوا له الغنائم فلم يجبهم إلى الصلح فبذلوا له مالا ودواب تحمل له ما غنمه من بلادهم فأجابهم إلى الصلح وفتحوا له الدرب فجاز إلى بلاده وكان اصله من الجزيرة الخضراء وورد شابا إلى قرطبة طالبا للعلم والادب وسماع الحديث فبرع فيها وتميز ثم تعلق بخدمة صبح والدة المؤيد وعظم محله عندها فلما مات الحاكم المستنصر كان المؤيد صغيرا فخيف على الملك ان يختل فضمن لصبح سكون البلاد وزوال الخوف وكان قوي النفس وساعدته المقادير وامدته الأمراء بالأموال فاستمال العساكر وجرت الأمور على احسن نظام وكانت امه تميمية وأبوه معافري بطن من حمير
فلما توفي بعده ابنه عبد الملك الملقب بالمظفر فسار كسيرة أبيه وتوفي سنة تسع وتسعين وثلاثمائة فكانت ولايته سبع سنين وكان سبب موته ان أخاه عبد الرحمن سمه في تفاحة قطعها بسكين كان قد سم أحد جانبيها فنأول أخاه ما يلي الجانب المسموم واخذ هو ما يلي الجانب الصحيح فاكله بحضرته فاطمان المظفر واكل ما بيده منها فمات فلما توفي ولي بعده اخوه عبد الرحمن الملقب بالناصر فسلك غير طريق أبيه وأخيه واخذ في المجون وشرب الخمرو وغير ذلك ثم دس إلى المؤيد من خوفه منه ان لم يجعله ولي عهده ففعل ذلك فحقد الناس وبنو امية عليه ذلك وابغضوه وتحركوا في أمره إلى ان قتل وغزا شاتية واوغل في بلاد الجلالقة فلم يقدم ملكها على لقائه وتحصن منه في رؤوس الجبال ولم يقدر عبد الرحمن على اتباعه لزيادة الانهار وكثرة الثلوج فاثخن في البلاد التي وطئها وخرج موفورا فبلغه في طريقه ظهور محمد بن عبد الجبار بن الناصر لدين الله بقرطبة واستيلاؤه عليها واخذه المؤيد اسيرا فتفرق عنه عسكره ولم يبق معه إلا خاصته فسار إلى قرطبة ليتلافى ذلك الخطب فخرج إليه عسكر محمد بن هشام فقتلوه وحملوا رأسه إلى قرطبة فطافوا به وكان قتله سنة تسع وتسعين وثلاثمائة ثم صلبوه
وفي سنة تسع وتسعين وثلاثمائة ظهر بقرطبة محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحم الناصر لدين الله الاموي ومعه اثنا عشر رجلا فبايعه الناس وكان ظهوره سلخ جمادى الآخرة وتلقب بالمهدي بالله وملك قرطبة واخذ المؤيد فحبسه معه في القصر ثم أخرجه واخفاه واظهر انه مات وكان قد مات انسان نصراني يشبه المؤيد فابرزه للناس في شعبان من هذه السنة وذكر لهم انه المؤيد فلم يشكوا في موته وصلوا عليه ودفنوه في مقابر المسلمين ثم إنه اظهره على ما نذكره واكذب نفسه فكانت مدة ولاية المؤيد هذه إلى ان حبس ثلاثا وثلاثين سنة وأربعة أشهر ونقم الناس على ابن عبد الجبار اشياء منها انه كان يعمل النبيذ في قصره فسموه نباذا ومنها فعله بالمؤيد وانه كان كذابا متلونا مبغضا للبربر فانقلب الناس عليه
لما استوحش أهل الأندلس من ابن عبد الجبار وابغضوه قصدوا هشام بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر لدين الله فاخرجوه من داره وبايعوه فتلقب بالرشيد وذلك لأربع بقين من شوال سنة تسع وتسعين واجتمعوا بظاهر قرطبة وحصروا ابن عبد الجبار وترددت الرسل بينهما ليخلع ابن عبد الجبار من الملك على ان يؤمنه وأهله وجميع أصحابه ثم إن عبد الجبار جمع أصحابه وخرج إليهم فقاتلهم فانهزم هشام وأصحابه واخذ هشام اسيرا فقتلوه ابن عبد الجبار وقتل معه عدة من قواده واستقر أمر ابن عبد الجبار وكان عم هشام
ولما قتل ابن عبد الجبار هشام بن سليمان بن الناصر وانهزم أصحابه انهزم معهم سليمان بن الحاكم بن سليمان بن الناصر وهو ابن اخي هشام المقتول فبايعه أصحاب عمه واكثرهم البربر بعد الوقعة بيومين ولقبوه المستعين بالله ثم لقب بالظاهر بالله وساروا إلى النصارى فصالحوهم واستنجدوهم فانجدوهم وساروا معهم إلى قرطبة فاقتتلوا هم وابن عبد الجبار بقنتيج وهي الوقعة المشهورة غزوا فيها وقتل ما لا يحصى فانهزم ابن عبد الجبار وتحصن بقصر قرطبة ودخل سليمان البلد وحصره بالقصر فلما رأى ابن عبد الجبار ما نزل به اظهر المؤيد ظنا منه ان ينخلع هو وسليمان ويرجع الأمر إلى المؤيد فلم يوافقه أحد ظنا منهم ان المؤيد قد مات فلما اعياه الأمر احتال في الهرب فهرب سرا واختفى دخل سليمان القصر وبايعه الناس بالخلافة في شوال سنة أربعمائة وبقي بقرطبة أياما وكان عدة القتلى بقنتيج نحو خمسة وثلاثين الف واغار البربر والروم على قرطبة فنهبوا وسبوا واسروا عددا عظيما
لما اختفى ابن عبد الجبار سار سرا إلى طليطلة وأتاه واضح الفتى العأمري في أصحابه وجمع له النصارى وسار بهم إلى قرطبة فخرج إليهم سليمان فالتقوا بقرب عقبة البقر واقتتلوا اشد قتال فانهزم سليمان ومن معه منتصف شوال سنة أربعمائة ومضى سليمان إلى شاطبة ودخل ابن عبد الجبار قرطبة وجدد البيعة لنفسه وجعل الحجابة لواضح وتصرف بالاختيار ثم إن جماعة من الفتيان العأمريين منهم عنبر وخيرون وغيرهما كانوا مع سليمان فأرسلوا إلى ابن عبد الجبار يطلبون قبول طاعتهم وان يجعلهم في جملة رجاله فأجابهم إلى ذلك وانما فعلوا ذلك مكيدة به ليقتلوه فلما دخلوا قرطبة استمالوا واضحا فأجابهم إلى قتله
فلما كان التاسع ذي الحجة سنة أربعمائة اجتمعوا في القصر فملكوه واخذوا ابن عبد الجبار اسيرا واخرجوا المؤيد بالله فاجلسوه مجلس الخلافة وبايعوه واحضروا ابن عبد الجبار بين يديه فعدد ذنوبه عليه ثم قتل وطيف براسه في قرطبة وكان عمره ثلاثا وثلاثين سنة وامه أم ولد وكان ينبغي ان نذكر هذه الحوادث متاخرة وانما قدمناها لتعلق بعضها ببعض ولان كل واحدة منهم ليس له من طول المدة ما تؤخر أخباره وتفرق
في هذه السنة عاد أبو المعالي شريف بن سيف الدولة بن حمدان إلى ملك حلب وكان سببه ان قرعويه لما تغلب عليها اخرج منها مولاه أبا المعالي كما ذكرناه سنة سبع وخمسين وثلاثمائة فسار أبو المعالي إلى والدته بميافارقين ثم اتى حماة وهي له فنزل بها وكانت الروم قد خربت حمص وأعمالها وقد ذكر أيضا فنزل إليه يارقتاش مولى أبيه وهو بحصن برزوية وخدمه وعمر له مدينة حمص فكثر أهلها وكان قرعويه قد استناب بحلب مولى له اسمه بكجور فقوي بكجور واستفحل أمره وقبض على مولاه قرعويه وحبسه في قلعة حلب وأقام بها نحو ست سنين فكتب من بحلب من أصحاب قرعويه إلى أبي المعالي بن سيف الدولة ليقصد حلب ويملكها فسار إليها وحصرها أربعة أشهر وملكها وبقيت القلعة بيد بكجور فترددت الرسل بينهما فأجاب إلى التسليم على ان يؤمنه في نفسه وأهله وماله ويوليه حمص وطلب بكجور ان يحضر هذا الامان والعهد وجوه بني كلاب ففعل أبو المعالي ذلك واحضرهم الامان والعهد وسلم قلعة حلب إلى أبي المعالي وسار بكجور إلى حمص فولاها لأبي المعالي وصرف همته إلى عمارتها وحفظ الطرق فازدادت عمارتها وكثثر الخير بها ثم إنتقل منها إلى ولاية دمشق على ما نذكره سنة ست وستين وسبعين وثلاثمائة
في هذه السنة ملك سبكتكين مدينة غزنة وأعمالها وكان ابتداء أمره انه كان من غلمان أبي إسحاق بن البتكين صاحب جيش غزنة بالسامانية وكان مقدما عنده وعليه مدار أمره وقدم إلى بخارى أيام الأمير منصور بن نوح مع أبي إسحاق فعرفه ارباب تلك الدولة بالعقل والعفة وجودة الرأي والصرامة وعاد معه إلى غزنة فلم يلبث أبو إسحاق ان توفي ولم يخلف من أهله واقاربه من يصلح للتقدم فاجتمع عسكره ونظروا فيمن يلي أمرهم ويجمع كلمتهم فاختلفوا
ثم اتفقوا على سبكتكين لما عرفوه من عقله ودينه ومروءته وكمال خلال الخير فيه فقدموه عليهم وولوه أمرهم وحلفوا له واطاعوه فوليهم واحسن السيرة فيهم وساس امورهم سياسة حسنة وجعل نفسه كاحدهم في الحال والمال وكان يدخر من اقطاعه ما يعمل منه طعاما لهم في كل اسبوع مرتين ثم إنه جمع العساكر وسار نحو الهند مجاهدا وجرى بينه وبين الهنود حرب يشيب لها الوليد وكشف بلادهم وشن الغارات عليها وطمع فيها وخافه الهند ففتح من بلادهم حصونا ومعاقل مقتل منهم ما لا يدخل تحت الاحصاء واتفق له في بعض غزواته ان الهنود اجتمعوا في خلق كثير وطأولوه الأيام وماطلوه القتال فعدم الزاد عند المسلمين وعجزوا عن الامتيار فشكوا إليه ما هم فيه فقال لهم اني استصحبت لنفسي شيئا من السويق استظهارا وأنا اقسمه بينهم قسمة عادلة على السواء إلى ان يمن الله بالفرج فكان يعطي كل انسان منهم ملء قدح معه وياخذ لنفسه مثل احدهما فيجتزي به يوم وليلة وهم مع ذلك يقاتلون الكفار فرزقهم الله النصر عليهم والظفر بهم فقتلوا منهم واسروا خلقا كثيرا
ثم إن سبكتكين عظم شانه وارتفع قدره وحسن بين الناس ذكره وتعلقت الاطماع بالاستعانة به فأتاه بعض الأمراء الكبار وهو صاحب بست واسمه طغان مستعينا به مستنصرا وسبب ذلك انه خرج عليه امير يعرف بباني تور فملك مدينة بست عليه واجلاه عنها بعد حرب شديدة فقصد سبكتكين مستنصرا به وضمن له مالا مقررا وطاعة يبذلها له فتجهز وسار معه حتى نزل على بست وخرج إليه بأبي تور فقاتله قتالا شديدا ثم إنهزم بأبي تور وتفرق هو وأصحابه وتسلم طغان البلد فلما استقر فيه طالبه سبكتكين بما استقر عليه من المال فاخذ في المطل فاغلظ له في القول لكثرة مطله فحمل طغان جهله على ان سل السيف فضرب يد سبكتكين فجرحها فاخذ سبكتكين السيف وضربه أيضا فجرحه وحجز العسكر بينهما وقامت الحرب على ساق فانهزم طغان واستولى سبكتكين على بست ثم إنه سار إلى قصدار وكان متوليها قد عصي عليه لصعوبة مسالكها وحصانتها وظن ان ذلك يمنعه فسار إليه جريدة مجدا فلم يشعر إلا والخيل معه فاخذ من داره ثم إنه من عليه ورده إلى ولايته وقرر عليه مالا يحمله إليه كل سنة
لما فرغ سبكتكين من بست وقصدار غزا الهند فافتتح قلاعا حصينة على شواهق الجبال وعاد سالما ظافرا ولما راة جيبال ملك الهند ما دهاه وان بلاده تملك من اطرافها اخذه ما قدم وحدث فحشد وجمع واستكثر من الفيول وسار حتى اتصل بولاية سبكتكين وقد باض الشبطان في رأسه وفرخ فسار سبكتكين عن غزنة إليه ومعه عساكره وخلق كثير من المتطوعة فالتقوا واقتتلوا أياما كثيرة وصبر الفريقان وبالقرب منهم عقبة غورك وفيها عين ماء لا تقبل نجسا ولا قذرا واذا القى فيها شيء من ذلك اكفهرت السماء وهبت الرياح وكثثر الرعد والبرق والأمطار ولا تزال كذلك إلى ان تطهر من الذي القي فيها فأمر سبكتكين بالقاء نجاسة في تلك العين فجاء الغيم والرعد والبرق وقامت القيامة على الهنود لانهم راوا ما لم يروا مثله وتوالت عليهم الصواعق والأمطار واشتد البرد حتى هلكوا وعميت عليهم المذاهب واستسلموا لشدة ما عاينوه وأرسل ملك الهند إلى سبكتكين يطلب الصلح وترددت الرسل فأجابهم إليه بعد امتناع من ولده محمود على مال يؤدسه وبلاد يسلمها وخمسين فيلا يحملها إليه فاستقر ذلك ورهن عنده جماعة من أهله على تسليم البلاد وسير معه
وفي صفر منها توفي أبو الحسن علي بن وصيف الناشئ المروف بالخلال صاحب المراثي الكثثيرة في أهل البيت
وفيها توفي أبو يعقوب يوسف بن الحسن الجنأبي صاحب هجر وكان مولده سنة ثمانين ومائتين وتولى أمر القرمطي بعده ستة نفر شركة وسموا السادة وكانوا متفقين
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
