الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
58

ثم دخلت سنة ست وستين وثلاثمائة

الجزء السابع 15 عنصر صفحة 363
ذكر وفاة ركن الدولة وملك عضد الدولة ص 363

في هذه السنة في المحرم توفي ركن الدولة أبو علي الحسن بن بويه واستخلف على ممالكه ابنه عضد الدولة وكان ابتداء مرضه حين سمع بقبض بختيار ابن أخيه معز الدولة ومان ابنه عضد الدولة قد عاد من بغداد بعدا أن اطلق بختيار على الوجه الذي ذكرناه وظظهر عند الخاص والعام غضب والده عليه فخاف أن يموت أبوه وهو على حال غضبه فيختل ملكه وتزول طاعته فأرسل إلى أبي الفتح بن العميد وزير والده يطلب منه أن يتوصل مع أبيه واحضاره عنده وأن يتعهد إليه بالملك بعده فسعى أبو الفتح في ذلك فأجابه إليه ركن الدولة وكان قد وجد في نفسه خفة فسار من الري إلى اصبهان فوصلها في جمادى الأولى سنة خمس وستين وثلاثمائة واحضر ولده عضد الدولة من فارس وجمع عنده أيضا سائر أولاده باصبهان فعمل أبو الفتح بن العميد دعوة عظيمة حضرها ركن الدولة وأولاده والقواد والاجناد فلما فرغوا من الطعام عهد ركن الدولة إلى ولده عضد الدولة بالملك بعده وجعل لولده فخر الدولة أبي الحسن على همذان وأعمال الجبل ولولده مؤيد الدولة اصبهان وأعمالها وجعلهما في هذه البلاد بحكم احيهما عضد الدولة وخلع عضد الدولة على سائر الناس ذلك اليوم الاقبية والاكسية على زي الديلم وحياة القواد واخوته بالريحان على عادتهم مع ملوكهم واوصى ركن الدولة أولاده بالاتفاق وترك الاختلاف وخلع عليهم ثم سار عن اصبهان في رجب نحو الري فدام مرضه إلى أن توفي فاصيب به الدين والدينا جميعا لاستكمال جميع خلال الخير فيه وكان عمره قد زاد على سبعين سنة وكانت امارته أربعا وأربعين سنة

ذكر بعض سيرته ص 364

كان حليما كريما واسع الكرم كثير البذل حسن الساسة لرعاياه وجنده رؤوفا بهم عادلا في الحكم بينهم وكان بعيد الهمة عظظيم الجد واسعادة متحرجا من الظلم مانعا لأصحابه منه غفيفا عن الدماء يرى عليهم الارزاق ويصونهم عن التبذل وكان يقصد المساجد الجامعة في أشهر الصيام للصلاة وينتصب لرد المظالم ويتعهد العلويين بالأموال الكثثيرة ويتصدق بالأموال الجليلة على ذوي الحاجات ويلين جانبه للخاص والعام قال له بعض أصحابه في ذلك وذكر له شدة مرداويج على أصحابه فقال انظر كيف اخترم ووثب عليه أخص أصحابه به واقربهم منه لعنفه وشدته وكيف عمرت واحبني الناس للين جانبي وحكي عنه انه سار في سفر فنزل في خركاة قد ضربت له قبل أصحابه وقدم إليه طعام فقال لبعض أصحابه لاي شيء قيل في المثثل خير الاشياء في القرية الامارة فقال صاحبه لقعودك في الخركاة وهذا الطعام بين يديك وأنا لا خركاة ولا طعام فضحك وأعطاه الخركاة والطعام فانظر إلى هذا الخلق ما احسنه وما اجمله وفي فعله في حادثة بختيار ما يدل على كمال مروءته وحسن عهده وصلته لرحمه رضي الله عنه وارضاه وكان له حسن عهد ومودة واقبال

ذكر مسير عضد الدولة إلى العراق ص 364

في هذه السنة تجهز عضد الدولة وسار إلى العراق لما كان يبلغه عن بختيار وابن بقية من استمالة أصحاب الاطراف كحسنوية الكردي وفخر الدولة بن ركن الدولة وأبي تغلب بن حمدان وعمران بن شاهين وغيرهم والاتفاق على معاداته ولما كان يقولانه من الشتم القبيح له ولما رأى من حسن العراق وعظم مملكته إلى غير ذلك وانحدر بختيار إلى واسط على عزم محاربة عضد الدولة وكان حسنويه وعده انه يحضر بنفسه لنصرته وكذلك أبو تغلب بن حمدان فلم يف له وأحد منهما ثم سار بختيار إلى الأهواز اشار بذلك ابن يقية وسار عضد الدولة من فارس نحوهم فالتقوا في ذي القعدة واقتتلوا فخأمر على بختيار بعض عسكره وانتقلوا إلى عضد الدولة فانهزم بختيار واخد ماله ومال ابن بقية ونهبت الأثقال وغيرها ولما وصل بختيار إلى واسط حمل إليه ابن شاهين صاحب البطيحة مالا وسلاحا وغير ذلك من الهدايا النفيسة ودخل بختيار إليه فاكرمه وحمل إليه مالا جليلا واعلاقا نفيسة وعجب الناس من قول عمران ان بختيار سيدخل منزلي وسيتجير بي فكان كما ذكر ثم اصعد بختيار إلى واسط

واما عضد الدولة فانه سير إلى البصرة جيشا فملكوها وسبب ذلك ان أهلها اختلفوا وكانت مضر تهوى عضد الدولة وتميل إليه لاسباب قررها معهم وخالفتهم ربيعة ومالت إلى بختيار فلما انهزم ضعفوا وقويت مضر وكاتبوا عضد الدولة وطلبوا منه انفاذ جيش إليهم فسير جيشا تسلم البلد وأقام عندهم وأقام بختيار بواسط واحضر ما كان له ببغداد والبصرة من مال وغيره ففرقه في أصحابه ثم إنه قبض على ابن يقية لانه اطرحه واستبد بالأمور دونه وجبى الأموال إلى نفسه ولم يوصل إلى بختيار منها شيئا واراد أيضا التقرب إلى عضد الدولة بقبضه لانه هو الذي كان يفسد الاحوال بينهم ولما قبض عليه اخذ أمواله ففرقها وراسل عضد الدولة في الصلح وترددت الرسل بذلك وكان أصحاب بختيار يختلفون عليه فبعضهم يشير به وبعضهم ينهى عنه ثمانه أتاه عبد الرزاق وبدر ابنا حسنويه فب نحو الف فارس معونة فلما وصلا إليه اظهر المقام بواسط ومحاربة عضد الدولة فاتصل بعضد الدولة انه نقض الشرط ثم بدا لبختيار في المسير فسار إلى بغداد فعاد عنه ابنا حسنويه إلى أبيهما وأقام بختيار ببغداد وانقضت السنة وهوبها وسار عضد الدولة إلى واسط ثم سار منها إلى البصرة فاصلح بين ربيعة ومضر وكانوا في الحروب والاختلاف نحو مائة وعشرين سنة ومن عجيب ما جرى لبختيار في هذه الحادثثة انه كان له غلام تركي يميل إليه فاخذ في جملة الاسرى وانقطع خبره عن بختيار فحزن لذلك وامتنع من لذاته والاهتمام بما رفع إليه من زوال ملكه وذهاب نفسه حتى قال على رؤوس الاشهاد ان فجيعتي بهذا الغلام اعظظم من ففجيعتي بذهاب ملكي ثم سمع انه في جملة الاسرى فأرسل إلى عضد الدولة يبذل له ما احب في رده إليه فاعاده عليه وسارت هذه الحادثة عنه فازداد فضحية وهوأنا عند الملوك وغيرهم

ذكر وفاة منصور بن نوح وملك ابنه نوح ص 366

في هذه السنة مات الأمير منصور بن نوح صاحب خراسان وما وراء النهر منتصف شوال وكان موته ببخارى وكانت ولايته خمس عشرة سنة وولي الأمر بعده ابنه أبو القاسم نوح وكان عمره حين ولي الأمر ثلاث عشرة سنة ولقب بالمنصور

ذكر وفاة القاضي منذر البلوطي ص 366

في هذه السنة في ذي القعدة مات القاضي منذر بن سعيد البلوطي أبو الحاكم قاضي قضاة الأندلس وكان اماما فقيها خطيبا شاعرا فصحيا ذا دين متين دخل يوما على عبد الرحمن الناصر صاحب الأندلس بعد ان فرغ من بناء الزهراء وقصورها وقد قعد في قبة مزخرفة بالذهب والبناء البديع الذي لم يسبق إليه ومعه جماعة من الاعيان فقال عبد الرحمن الناصر هل بلغكم ان أحدا بنى مثل هذا البناء فقالت له الجماعة لم نر ولم نسمع بمثله واثنوا وبالغوا والقاضي مطرق فاستنطقه عبد الرحمن فبكى القاضي وانحدرت دموعه على لحيته وقال والله ما كنت اظن ان الشيطان اخزاه الله تعالى يبلغ منك هذا المبلغ ولا ان تمكنه من قيادك هذا التمكين مع ما اتاك الله وفضلك به حتى انزلك منازل الكافرين فقال له عبد الرحمن انظر ما تقول وكيف انزلني منزل الكافرين فقال الله تعالى ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكؤون وزخرفا إلى قوله والآخرة عند ربك للمتقين فوجم عبد الرحمن وبكى وقال جزاك الله خيرا واكثر في المسلمين مثلك وأخبار هذا القاضي كثيرة حسنة جدا منها انه قحط الناس وارادوا الخروج للاستسقاء فأرسل إليه عبد الرحمن يأمره بالخروج فقال القاضي للرسول يا ليت شعري ما الذي يصنعه الأمير يومنا هذا فقال ما رأيته قط اخشع منه الان قد لبس خشن الثياب وافترش التراب وجعله على رأسه ولحيته وبكى واعترف بذنوبه ويقول هذه ناصيتي بيدك اتراك تعذب هذا الخلق لاجلي فقال القاضي يا غلام أحمل الممطر معك فقد اذن الله بسقيانا اذا خشع جبار الأرض رحم جبار السماء فخرج واستسقى بالناس فلما صعد المنبر ورأى الناس قد شخصوا إليه بابصارهم قال سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح ) الاية وكررها فضج الناس بالبكاء والتوبة وتمم خطبته فسقي الناس

ذكر القبض على أبي الفتح بن العميد ص 367

في هذه السنة قبض عضد الدولة على أبي الفتح بن العميد وزير أبيه وسمل عينه الواحدة وقطع انفه وكان سبب ذلك ان أبا الفتح لما كان ببغداد مع عضد الدولة على ما شرحناه وسار عضد الدولة نحو فارس تقدم إلى أبي الفتح بتعجيل المسير عن بغداد إلى الري فخالفه وأقام واعجبه المقام ببغداد وشرب مع بختيار ومال في هواه واقتنى ببغداد املاكا ودورا على عزم العود إليها اذا مات ركن الدولة ثم صار يكاتب بختيار باشياء يكرهها عضد الدولة وكان له نائب يعرضها على بختيار فكان ذلك النائب يكاتب بها عضد الدولة ساعة فساعة فلما ملك عضد الدولة بعد موت أبيه كتب إلى أخيه فخر الدولة بالري يأمره بالقبض عليه وعلى أهله وأصحابه ففعل ذلك وانقلع بيت العميد على يده كما ظنه أبوه أبو الفضل وكان أبو الفتح ليلة قبض وقد امسى مسروا فاحضر الندماء والمغنين واظهر من الالات الذهبية والزجاج المليح وانواع الطيب ما ليس لاحد مثله وشربوا وعمل شعرا وغني له فيه وهو

( دعوت المنى ودعوت العلا % فلما أجابا دعوت القدح )

( وقلت لأيام شرخ الشباب % الي فهذا اوان الفرح ) (

اذا بلغ المرء واماله % فليس له بعدها مقترح )

فلما غنى في الشعر استطابه وشرب عليه إلى ان سكر وقام وقال لغلامه اتركوا المجلس على ما هو عليه لنصطبح غدا وقال لندمائه بكروا الي غدا لنصطبح ولا تتاخروا فانصرف الندماء ودخل هو إلى بيت منامه فلما كان السحر دعاءه مؤيد الدولة فقبض عليه وأرسل إلى داره فاخذ جميع ما في جملته ذلك المجلس بما فيه

ذكر وفاة الحاكم وولاية ابنه هاشم ص 367

وفي هذه السنة توفي الحاكم بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن المستنصر لله الاموي صاحب الأندلس وكانت امارته خمس عشرة سنة وخمسة أشهر وعمره ثلاثا وستين سنة وسبعة أشهر وكان اصهب اعين اقنى عظيم الصوت ضخم الجسم افقم وكان محبا لأهل العلم علما فقيها في المذاهب عالما بالانساب والتواريخ جماعا للكتب والعلماء مكرما لهم محسنا إليهم احضرهم من البلدان البعيدة ليستفيد منهم ويحسن إليهم ولما توفي ولي بعده ابنه هشام بعهد أبيه وله عشر سنين ولقب المؤيد بالله واختلفت البلاد في أيامه واخذ وحبس ثم عاد إلى الامارة وسببه انه لما ولي المؤيد تحجب له المنصور أبو عأمر محمد بن أبي عأمر المعافري وابناه المظفر والناصر فلما حجب له أبو عأمر حجبه عن الناس فلم يكن أحدا يره ولا يصل إليه وقام بأمر دولته القيام المرضي وعدل في الرعية واقبلت الدنيا إليه واشتغل بالغزو وفتح في بلاد الاعداء كثيرا وامتلات بلاد الأندلس بالغنائم والرقيق وجعل اكثر جنده منهم كواضح الفتي وغيره من المشهورين وكانوا يعرفون بالعأمريين وادام الله له الحال ستا وعشرين سنة غزا فيها اثنتين وخمسين غزاة ما بين صائفة وشاتية وتوفي سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة وكان حازما قوي العزم كثير العدل والاحسان حسن السياسة فمن محاسن أعماله انه دخل بلاد الفرنج غازيا فجاز الدرب إليها وهو مضيق بين جبلين واوغل في بلاد الفرنج يسبي ويخرب ويغنم فلما اراد الخروج راهم قد سدوا الدرب وهم عليه يحفظونه من المسلمين فاظهر انه يريد المقام في بلادهم وشرع هو وعسكره في عمارة المساكن وزرع الغلات واحضروا الحطب والتين والميرة وما يحتاجون إليه فلما راوا عزمه على المقام مالوا إلى السلم فراسلوه في ترك الغنائم والجواز إلى بلاده فقال أنا عازم على المقام فتركوا له الغنائم فلم يجبهم إلى الصلح فبذلوا له مالا ودواب تحمل له ما غنمه من بلادهم فأجابهم إلى الصلح وفتحوا له الدرب فجاز إلى بلاده وكان اصله من الجزيرة الخضراء وورد شابا إلى قرطبة طالبا للعلم والادب وسماع الحديث فبرع فيها وتميز ثم تعلق بخدمة صبح والدة المؤيد وعظم محله عندها فلما مات الحاكم المستنصر كان المؤيد صغيرا فخيف على الملك ان يختل فضمن لصبح سكون البلاد وزوال الخوف وكان قوي النفس وساعدته المقادير وامدته الأمراء بالأموال فاستمال العساكر وجرت الأمور على احسن نظام وكانت امه تميمية وأبوه معافري بطن من حمير

فلما توفي بعده ابنه عبد الملك الملقب بالمظفر فسار كسيرة أبيه وتوفي سنة تسع وتسعين وثلاثمائة فكانت ولايته سبع سنين وكان سبب موته ان أخاه عبد الرحمن سمه في تفاحة قطعها بسكين كان قد سم أحد جانبيها فنأول أخاه ما يلي الجانب المسموم واخذ هو ما يلي الجانب الصحيح فاكله بحضرته فاطمان المظفر واكل ما بيده منها فمات فلما توفي ولي بعده اخوه عبد الرحمن الملقب بالناصر فسلك غير طريق أبيه وأخيه واخذ في المجون وشرب الخمرو وغير ذلك ثم دس إلى المؤيد من خوفه منه ان لم يجعله ولي عهده ففعل ذلك فحقد الناس وبنو امية عليه ذلك وابغضوه وتحركوا في أمره إلى ان قتل وغزا شاتية واوغل في بلاد الجلالقة فلم يقدم ملكها على لقائه وتحصن منه في رؤوس الجبال ولم يقدر عبد الرحمن على اتباعه لزيادة الانهار وكثرة الثلوج فاثخن في البلاد التي وطئها وخرج موفورا فبلغه في طريقه ظهور محمد بن عبد الجبار بن الناصر لدين الله بقرطبة واستيلاؤه عليها واخذه المؤيد اسيرا فتفرق عنه عسكره ولم يبق معه إلا خاصته فسار إلى قرطبة ليتلافى ذلك الخطب فخرج إليه عسكر محمد بن هشام فقتلوه وحملوا رأسه إلى قرطبة فطافوا به وكان قتله سنة تسع وتسعين وثلاثمائة ثم صلبوه

ذكر ظهور محمد بن هشام بقرطبة ص 369

وفي سنة تسع وتسعين وثلاثمائة ظهر بقرطبة محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحم الناصر لدين الله الاموي ومعه اثنا عشر رجلا فبايعه الناس وكان ظهوره سلخ جمادى الآخرة وتلقب بالمهدي بالله وملك قرطبة واخذ المؤيد فحبسه معه في القصر ثم أخرجه واخفاه واظهر انه مات وكان قد مات انسان نصراني يشبه المؤيد فابرزه للناس في شعبان من هذه السنة وذكر لهم انه المؤيد فلم يشكوا في موته وصلوا عليه ودفنوه في مقابر المسلمين ثم إنه اظهره على ما نذكره واكذب نفسه فكانت مدة ولاية المؤيد هذه إلى ان حبس ثلاثا وثلاثين سنة وأربعة أشهر ونقم الناس على ابن عبد الجبار اشياء منها انه كان يعمل النبيذ في قصره فسموه نباذا ومنها فعله بالمؤيد وانه كان كذابا متلونا مبغضا للبربر فانقلب الناس عليه

ذكر خروج هشام بن سليمان عليه ص 369

لما استوحش أهل الأندلس من ابن عبد الجبار وابغضوه قصدوا هشام بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر لدين الله فاخرجوه من داره وبايعوه فتلقب بالرشيد وذلك لأربع بقين من شوال سنة تسع وتسعين واجتمعوا بظاهر قرطبة وحصروا ابن عبد الجبار وترددت الرسل بينهما ليخلع ابن عبد الجبار من الملك على ان يؤمنه وأهله وجميع أصحابه ثم إن عبد الجبار جمع أصحابه وخرج إليهم فقاتلهم فانهزم هشام وأصحابه واخذ هشام اسيرا فقتلوه ابن عبد الجبار وقتل معه عدة من قواده واستقر أمر ابن عبد الجبار وكان عم هشام

ذكر خروج سليمان عليه أيضا ص 370

ولما قتل ابن عبد الجبار هشام بن سليمان بن الناصر وانهزم أصحابه انهزم معهم سليمان بن الحاكم بن سليمان بن الناصر وهو ابن اخي هشام المقتول فبايعه أصحاب عمه واكثرهم البربر بعد الوقعة بيومين ولقبوه المستعين بالله ثم لقب بالظاهر بالله وساروا إلى النصارى فصالحوهم واستنجدوهم فانجدوهم وساروا معهم إلى قرطبة فاقتتلوا هم وابن عبد الجبار بقنتيج وهي الوقعة المشهورة غزوا فيها وقتل ما لا يحصى فانهزم ابن عبد الجبار وتحصن بقصر قرطبة ودخل سليمان البلد وحصره بالقصر فلما رأى ابن عبد الجبار ما نزل به اظهر المؤيد ظنا منه ان ينخلع هو وسليمان ويرجع الأمر إلى المؤيد فلم يوافقه أحد ظنا منهم ان المؤيد قد مات فلما اعياه الأمر احتال في الهرب فهرب سرا واختفى دخل سليمان القصر وبايعه الناس بالخلافة في شوال سنة أربعمائة وبقي بقرطبة أياما وكان عدة القتلى بقنتيج نحو خمسة وثلاثين الف واغار البربر والروم على قرطبة فنهبوا وسبوا واسروا عددا عظيما

ذكر عود ابن عبد الجبار وقتله وعود المؤيد ص 370

لما اختفى ابن عبد الجبار سار سرا إلى طليطلة وأتاه واضح الفتى العأمري في أصحابه وجمع له النصارى وسار بهم إلى قرطبة فخرج إليهم سليمان فالتقوا بقرب عقبة البقر واقتتلوا اشد قتال فانهزم سليمان ومن معه منتصف شوال سنة أربعمائة ومضى سليمان إلى شاطبة ودخل ابن عبد الجبار قرطبة وجدد البيعة لنفسه وجعل الحجابة لواضح وتصرف بالاختيار ثم إن جماعة من الفتيان العأمريين منهم عنبر وخيرون وغيرهما كانوا مع سليمان فأرسلوا إلى ابن عبد الجبار يطلبون قبول طاعتهم وان يجعلهم في جملة رجاله فأجابهم إلى ذلك وانما فعلوا ذلك مكيدة به ليقتلوه فلما دخلوا قرطبة استمالوا واضحا فأجابهم إلى قتله

فلما كان التاسع ذي الحجة سنة أربعمائة اجتمعوا في القصر فملكوه واخذوا ابن عبد الجبار اسيرا واخرجوا المؤيد بالله فاجلسوه مجلس الخلافة وبايعوه واحضروا ابن عبد الجبار بين يديه فعدد ذنوبه عليه ثم قتل وطيف براسه في قرطبة وكان عمره ثلاثا وثلاثين سنة وامه أم ولد وكان ينبغي ان نذكر هذه الحوادث متاخرة وانما قدمناها لتعلق بعضها ببعض ولان كل واحدة منهم ليس له من طول المدة ما تؤخر أخباره وتفرق

ذكر عود أبي المعالي بن سيف الدولة إلى ملك حلب ص 371

في هذه السنة عاد أبو المعالي شريف بن سيف الدولة بن حمدان إلى ملك حلب وكان سببه ان قرعويه لما تغلب عليها اخرج منها مولاه أبا المعالي كما ذكرناه سنة سبع وخمسين وثلاثمائة فسار أبو المعالي إلى والدته بميافارقين ثم اتى حماة وهي له فنزل بها وكانت الروم قد خربت حمص وأعمالها وقد ذكر أيضا فنزل إليه يارقتاش مولى أبيه وهو بحصن برزوية وخدمه وعمر له مدينة حمص فكثر أهلها وكان قرعويه قد استناب بحلب مولى له اسمه بكجور فقوي بكجور واستفحل أمره وقبض على مولاه قرعويه وحبسه في قلعة حلب وأقام بها نحو ست سنين فكتب من بحلب من أصحاب قرعويه إلى أبي المعالي بن سيف الدولة ليقصد حلب ويملكها فسار إليها وحصرها أربعة أشهر وملكها وبقيت القلعة بيد بكجور فترددت الرسل بينهما فأجاب إلى التسليم على ان يؤمنه في نفسه وأهله وماله ويوليه حمص وطلب بكجور ان يحضر هذا الامان والعهد وجوه بني كلاب ففعل أبو المعالي ذلك واحضرهم الامان والعهد وسلم قلعة حلب إلى أبي المعالي وسار بكجور إلى حمص فولاها لأبي المعالي وصرف همته إلى عمارتها وحفظ الطرق فازدادت عمارتها وكثثر الخير بها ثم إنتقل منها إلى ولاية دمشق على ما نذكره سنة ست وستين وسبعين وثلاثمائة

ذكر ابتداء دولة ال سبكتكين ص 372

في هذه السنة ملك سبكتكين مدينة غزنة وأعمالها وكان ابتداء أمره انه كان من غلمان أبي إسحاق بن البتكين صاحب جيش غزنة بالسامانية وكان مقدما عنده وعليه مدار أمره وقدم إلى بخارى أيام الأمير منصور بن نوح مع أبي إسحاق فعرفه ارباب تلك الدولة بالعقل والعفة وجودة الرأي والصرامة وعاد معه إلى غزنة فلم يلبث أبو إسحاق ان توفي ولم يخلف من أهله واقاربه من يصلح للتقدم فاجتمع عسكره ونظروا فيمن يلي أمرهم ويجمع كلمتهم فاختلفوا

ثم اتفقوا على سبكتكين لما عرفوه من عقله ودينه ومروءته وكمال خلال الخير فيه فقدموه عليهم وولوه أمرهم وحلفوا له واطاعوه فوليهم واحسن السيرة فيهم وساس امورهم سياسة حسنة وجعل نفسه كاحدهم في الحال والمال وكان يدخر من اقطاعه ما يعمل منه طعاما لهم في كل اسبوع مرتين ثم إنه جمع العساكر وسار نحو الهند مجاهدا وجرى بينه وبين الهنود حرب يشيب لها الوليد وكشف بلادهم وشن الغارات عليها وطمع فيها وخافه الهند ففتح من بلادهم حصونا ومعاقل مقتل منهم ما لا يدخل تحت الاحصاء واتفق له في بعض غزواته ان الهنود اجتمعوا في خلق كثير وطأولوه الأيام وماطلوه القتال فعدم الزاد عند المسلمين وعجزوا عن الامتيار فشكوا إليه ما هم فيه فقال لهم اني استصحبت لنفسي شيئا من السويق استظهارا وأنا اقسمه بينهم قسمة عادلة على السواء إلى ان يمن الله بالفرج فكان يعطي كل انسان منهم ملء قدح معه وياخذ لنفسه مثل احدهما فيجتزي به يوم وليلة وهم مع ذلك يقاتلون الكفار فرزقهم الله النصر عليهم والظفر بهم فقتلوا منهم واسروا خلقا كثيرا

ذكر ولاية سبكتكين على قصدار وبست ص 372

ثم إن سبكتكين عظم شانه وارتفع قدره وحسن بين الناس ذكره وتعلقت الاطماع بالاستعانة به فأتاه بعض الأمراء الكبار وهو صاحب بست واسمه طغان مستعينا به مستنصرا وسبب ذلك انه خرج عليه امير يعرف بباني تور فملك مدينة بست عليه واجلاه عنها بعد حرب شديدة فقصد سبكتكين مستنصرا به وضمن له مالا مقررا وطاعة يبذلها له فتجهز وسار معه حتى نزل على بست وخرج إليه بأبي تور فقاتله قتالا شديدا ثم إنهزم بأبي تور وتفرق هو وأصحابه وتسلم طغان البلد فلما استقر فيه طالبه سبكتكين بما استقر عليه من المال فاخذ في المطل فاغلظ له في القول لكثرة مطله فحمل طغان جهله على ان سل السيف فضرب يد سبكتكين فجرحها فاخذ سبكتكين السيف وضربه أيضا فجرحه وحجز العسكر بينهما وقامت الحرب على ساق فانهزم طغان واستولى سبكتكين على بست ثم إنه سار إلى قصدار وكان متوليها قد عصي عليه لصعوبة مسالكها وحصانتها وظن ان ذلك يمنعه فسار إليه جريدة مجدا فلم يشعر إلا والخيل معه فاخذ من داره ثم إنه من عليه ورده إلى ولايته وقرر عليه مالا يحمله إليه كل سنة

ذكر مسير الهند إلى بلاد الاسلام وما كان منهم مع سبكتكين ص 373

لما فرغ سبكتكين من بست وقصدار غزا الهند فافتتح قلاعا حصينة على شواهق الجبال وعاد سالما ظافرا ولما راة جيبال ملك الهند ما دهاه وان بلاده تملك من اطرافها اخذه ما قدم وحدث فحشد وجمع واستكثر من الفيول وسار حتى اتصل بولاية سبكتكين وقد باض الشبطان في رأسه وفرخ فسار سبكتكين عن غزنة إليه ومعه عساكره وخلق كثير من المتطوعة فالتقوا واقتتلوا أياما كثيرة وصبر الفريقان وبالقرب منهم عقبة غورك وفيها عين ماء لا تقبل نجسا ولا قذرا واذا القى فيها شيء من ذلك اكفهرت السماء وهبت الرياح وكثثر الرعد والبرق والأمطار ولا تزال كذلك إلى ان تطهر من الذي القي فيها فأمر سبكتكين بالقاء نجاسة في تلك العين فجاء الغيم والرعد والبرق وقامت القيامة على الهنود لانهم راوا ما لم يروا مثله وتوالت عليهم الصواعق والأمطار واشتد البرد حتى هلكوا وعميت عليهم المذاهب واستسلموا لشدة ما عاينوه وأرسل ملك الهند إلى سبكتكين يطلب الصلح وترددت الرسل فأجابهم إليه بعد امتناع من ولده محمود على مال يؤدسه وبلاد يسلمها وخمسين فيلا يحملها إليه فاستقر ذلك ورهن عنده جماعة من أهله على تسليم البلاد وسير معه

وفي صفر منها توفي أبو الحسن علي بن وصيف الناشئ المروف بالخلال صاحب المراثي الكثثيرة في أهل البيت

وفيها توفي أبو يعقوب يوسف بن الحسن الجنأبي صاحب هجر وكان مولده سنة ثمانين ومائتين وتولى أمر القرمطي بعده ستة نفر شركة وسموا السادة وكانوا متفقين

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.