الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء السابع / ثم دخلت سنة خمس وستين وثلاثمائة
57

ثم دخلت سنة خمس وستين وثلاثمائة

الجزء السابع 4 عنصر صفحة 359
ذكر وفاة المعز لدين الله العلوي وولاية ابنه العزيز بالله ص 359

في هذه السنة توفي المعز لدين الله أبو تميم معد بن المنصور بالله إسماعيل بن القائم بأمر الله أبي القاسم محمد بن المهدي أبي محمد عبيد الله العلوي الحسيني بمصر وأمه أم ولد وكان موته سابع عسر ربيع الآخر من هذه السنة وولد بالمهدية من أفريقية حادي عشر شهر رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة وعمره خمس وأربعون سنة وستة أشهر تقريبا وكان سبب موته أن ملك الروم بالقسطنطينية أرسل إليه رسولا كان يتردد إليه بأفريقية فخلا به بعض الأيام فقال له المعز أتذكر إذ أتيتني رسولا وأنا بالمهدية فقلت لك لتدخلن علي وأنا بمصر مالكا لها قال نعم قال وأنا أقول لك لتدخلن علي بغداد وأنا خليفة فقال له الرسول إن أمنتني على نفسي ولم تغضب قلت لك ما عندي فقال له المعز قل وأنت آمن قال بعثني إليك الملك ذلك العام فرأيت من عظمتك في عيني وكثرة أصحابك ما كدت أموت منه ووصلت إلى قصرك فرأيت عليه نورا عظيما غطى بصري ثم دخلت عليك فرأيتك على سريرك فظنتك خالقا فلو قلت لي أنك تعرج إلى السماء لتحققت ذلك ثم جئت إليك الأن فما رأيت من ذلك شيئا أشرفت على مدينتك فكانت في عيني سوداء مظلمة ثم دخلت عليك فما وجدت من المهابة ما وجدته ذلك العام فقلت إن ذلك كان أمرا مقبلا وإنه الآن بضد ما كان عليه فأطرق المعز وخرج الرسول من عنده وأخذت المعز الحمى لشدة ما وجد واتصل مرضه حتى مات وكانت ولايته ثلاثا وعشرين سنة وخمسة أشهر وعشرة أيام منها مقامه بمصر سنتان وتسعة أشهر والباقي بأفريقية وهو أول الخلفاء العلويين ملك مصر وخرج إليها وكان مغرى بالنجوم ويعمل بأقوال المنجمين قال له منجمه أن عليه قطعا في وقت كذا وأشار عليه بعمل سرداب يختفي فيه إلى أن يجوز ذلك الوقت ففعل ما أمره وأحضر قواده فقال لهم إن بيني وبين الله عهدا أنا ماض إليه وقد استخلفت عليكم ابني نزارا يعني العزيز فاسمعوا له واطعيوا ونزل السرداب فكان أحد المغاربة إذا رأى سحابا نزل وأومأ بالسلام إليه ظنا منه أن المعز فيه فغاب سنة ثم ظهر وبقي مديدة ومرض وتوفي فستر ابنه العزيز موته إلى عيد النحر من السنة فصلى بالناس وخطبهم ودعا لنفسه وعزى بأبيه وكان المعز عالما فاضلا جوادا شجاعا جاريا على منهاج أبيه من حسن السيرة وإنصاف الرعية وستر ما يدعون إليه إلا عن الخاصة ثم أظهره وأمر الدعاة باظهاره إلا أنه لم يخرج فيه إلى حد يذم به ولما استقر العزيز في الملك أطاعه العسكر فاجتمعوا عليه وكان هو يدبر الأمور منذ مات أبوه إلى أن أظهره ثم سير إلى الغرب دنانير عليها اسمه فرقت في الناس وأقر يوسف بلكين على ولاية أفريقية وأضاف إليه ما كان أبوه استعمل عليه غير يوسف وهي طرابلس وسرت واجد أبيه فاستعمل عليها يوسف عماله وعظم أمره حينئذ وأمن ناحية العزيز واستبد بالملك وكان يظهر الطاعة مجاملة ومراقبة لا طائل وراءها

ذكر حرب يوسف بلكين مع زناتة وغيرها بأفريقية ص 360

في هذه السنة جمع بن فلفول بن خزرون الزناتي جمعا كبيرا وسار إلى سجلماسة فلقيه صاحبها في رمضان فقتله خزرون وملك سجلماسة وأخذ منها من الأموال والعدد شيئا كثيرا وبعث برأس صاحبها إلى الأندلس وعظم شأن زناتة واشتد ملكهم وكان بلكين عند سبتة وكان قد رحل إلى فاس وسجلماسة وأرض الهبط وملكه لكله وطرد عنه عمال بني أمية وهربت زناتة منه فلجا كثير منهم إلى سبتة وهي للأموي صاحب الأندلس وكان في طريقه شعارى مشتبكة ولا تسلك فأمر بقطعها وإحراقها فقطعت وأحرقت حتى صارت للعسكر طريقا ثم مضى بنفسه حتى أشرف على سبتة من جبل مطل عليها فوقف نصف نهار لينظر من أي جهة يحاصرها ويقاتلها فرأى أنها لا تؤخذ إلا بأسطول فخافه أهلها خوفا عظيما ثم رجع عنها نحو البصرة وهي مدينة حسنة تسمى بصرة في المغرب فلما سمعت به رناتة رحلوا إلى أقاصي الغرب في الرمال والصحاري هاربين منه فدخل يوسف البصرة وكانت قد عمرها صاحب الأندلس عمارة عظيمة فأمر بهدمها ونهبها ورحل إلى بلد برغزاطة وكان ملكهم عبس ابن أم الأنصار وكان مشعبذا ساحرا وادعى النبوة فأطاعوه في كل ما أمرهم به وجعل لهم شريعة فغزاة بلكين وكانت بينهم حروب عظيمة لا توصف كان الظفر في آخرها لبلكين

وقتل الله عبس ابن أم الأنصار وهزم عساكره وقتتلوا قتالا ذريعا وسبى من نساءهم وأبنائهم ما لا يحصى وسيره إلى أفريقية فقال أهل أفريقية إنه لم يدخل إليهم من السبي مثله قط وأقام يوسف بلكين بتلك الناحية قاهرا لأهلها وأهل سبتة منه خائفون وزناتة هاربون في الرمال إلى سنة ثلاث وثلاثمائة

ذكر حصر كسنتة وغيرها ص 361

في هذه السنة سار أمير صقيلة وهوأبو القاسم بن الحسن بن علي بن أبي الحسين في عساكر المسلمين ومعه جماعة من الصالحين والعلماء فنازل مدينة مسيني في رمضان فهرب العدو عنها وعدى المسلمون إلى كسنته فحصروها أياما فسأل أهلها الأمان فأجابهم إليه وأخذ منهم مالا ورحل عنها إلى قلعة جلوا ففعل كذلك بها وبغيرها وأمر أخاه القاسم أن يذهب بالأسطول إلى ناحية بربولة ويبث السرايا في جميع قلورية ففعل ذلك فغنم غنائم كثيرة وقتل وسبى وعاد هو وأخوه إلى المدينة

فلما كان سنة ست وستين وثلاثمائة أمر أبو القاسم بعمارة رمطة وكانت قد خربت قبل ذلك وعاود الغزو وجمع الجيوش وسار فنازل قلعة إغاثة فطلب أهلها الأمان وأغلقوا أبوابها فصعد الناس السور وفتحوا الأبواب ودخلها الناس فأمر الأمير بهدمها فهدمت وأحرقت وأرسل السرأيا فبلغوا أذرنت وغيرها ونزل هو على مدينة عردلية فقاتلها فبذل أهلها له مالا صالحهم عليه وعاد إلى المدينة

ذكر عدة حوادث ص 361

في هذه السنة خطب للعزيز العلوي بمكة حرسها الله تعالى بعد أن أرسل جيشا إليها فحصروها وضيقوا على أهلها ومنعوهم الميرة فغلت الأسعار بها ولقي أهلها شدة شديدة

وفيها أقام بسيلس بن أرمانوس ملك الروم وردا المعروف بسقلاروس دمستقا فلما استقر في الولاية استوحش من الملك فعصى عليه واستظهر بأبي تغلب بن حمدان وصاهره ولبس التاج وطلب الملك

وفيها توفي أبو أحمد بن عدي الجرجاني في جمادى الآخرة وهو إمام مشهور ومحمد بن بدر الكبير الحمامي غلام ابن طولون وكان قد ولي فارس بعد أبيه

وفيها في ذي القعدة توفي ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة الصابي صاحب التاريخ

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.