ذكر استيلاء عضد الدولة على العراق وقبض بختيار
ص 349
في هذه السنة وصل عضد الدولة واستولى على العراق وقبض بختيار ثم عاد فأخرجه وسبب ذلك أن بختيار لما تابع كتبه إلى عضد الدولة يستنجده و يستعين به على الأتراك سار إليه في عساكر فارس واجتمع به أبو الفتح بن العميد وزير أبيه ركن الدولة في عساكر الري بالأهواز وساروا إلى واسط فلما سمع الفتكين بخبر وصولهم رجع إلى بغداد وعزم على أن يجعلها وراء ظهره ويقاتل على ديالى ووصل عضد الدولة فاجتمع به بختيار وسار عضد الدولة إلى بغداد في الجانب الشرقي وأمر بختيار أن يسير في الجانب الغربي ولما بلغ الخبر إلى أبي تغلب بقرب الفتكين منه عاد عن بغداد إلى الموصل لأن أصحابه شغبوا عليه فلم يمكنه المقام ووصل الفتكين إلى بغداد فحصل محصورا من جميع جهاته وذلك أن بختيار كتب إلى ضبه بن محمد الأسدي وهو أول من أهل عين التمر وهو الذي هجاه المتنبي فأمره بالإغارة على أطراف بغداد وبقطع الميرة عنها وكتب بمثل ذلك إلى بني شيبان
وكان أبو تغلب بن حمدان من ناحية الموصل يمنع الميرة وينفذ سراياه فغلا السعر ببغداد وسار العيارون والمفسدون فنهبوا الناس ببغداد وامنتع الناس من المعاش لخوف الفتنة وعدم الطعام والقوت بها وكبس الفتكين المنازل في طلب الطعام وسار عضد الدولة نحو بغداد فلقيه الفتكين والأتراك بين ديالى والمدائن فاقتتلوا قتالا شديدا وانهزم الأتراك فقتل منهم خلق كثير ووصلوا إلى ديالى فعبروا على جسور كانوا عملوها عليه فغرق منهم أكثرهم من الزحمة وكذلك قتل وغرق من العيارين الذين أعانوهم من بغداد واستباحوا عسكرهم وكانت الوقعة رابع عشر جمادى الأولى وسار الاتراك إلى تكريت وسار عضد الدولة فنزل بظاهر بغداد فلما علم وصول الاتراك إلى تكريت دخل بغداد ونزل بدار المملكة وكان الاتراك قد اخذوا الخليفة معهم كارها فسعى عضد الدولة حتى رده إلى بغداد فوصلها ثامن رجب في الماء
وخرج عضد الدولة فلقيه في الماء وامتلات دجلة بالمسيريات والزبازب ولم يبق ببغداد أحد ولو اراد انسان ان يعبر دجلة على المسميريات من واحدة إلى اخرى لامكنه ذلك لكثرتها وسار عضد الدولة مع الخليفة وانزله بدار الخلافة وكان عضد الدولة قد طمع في العراق واستضعف بختيار وانما خاف اباه ركن الدولة فوضع جند بختيار على ان يثوروا به ويشغبوا عليه ويطالبوه باموالهم والاحسان لاجل صبرهم فقابل الاتراك ففعلوا ذلك وبالغوا وكان بختيار لا يملك قليلا ولا كثيرا وقد نهب البعض واخرج هو الباقي والبلاد خراب فلا تصل يده إلى اخذ شيء منها واشار عضد الدولة على بختيار بترك الالتفات اليهم والغلظة لهم وعليهم ووعده انه اذا فعل ذلك توسط الحال بينهم على ما يريد فظن بختيار انه ناصح لع مشفق عليه ففعل ذلك واستعفى من الامارة واغلق باب داره وصرف كتابه وحجابه فراسله عضد الدولة ظظاهرا بمحضر من مقدمي الجند يشير عليه بمقاربتهم وتطييب قلوبهم وكان اوصاه سرا ان لا يقبل منه ذلك فعمل بختيار بما اوصاه وقال لست اميرا لهم ولا بيني وبينهم معاملة وقد رئت منهم فترددت الرسل بينهم ثلاثة ايام وعضد الدولة يغريهم به ة الشغب يزيد
وارسل بختيار اليه يطلب نجاز ما وعده به ففرق الجند على عدة جميلة واستدعى بختيار واخونه اليه فقبض عليهم ووكل بهم وجمع الناس واعلمهم استعفاء بختيار عن الامارة عجزا عنها ووعدهم الاحسان والنظر في امورهم فسكنوا إلى قوله وكان قبضه على بختيار في السادس والعشرين من جمادى الاخرة وكان الخليفة الطائع لله نافرا عن بختيار لانه كان مع الاتراك في حروبهم فلما بلغه قبضه سره ذلك وعاد إلى عضد الدولة فاظظهر عضد الدولة من تعظيم الخلافة ما كان قد نسي وترك وامر بعمارة الدار والاكثار من الالات وعمارة ما يتعلق بالخليفة وحماية اقطاعه ولما دخل الخليفة إلى بغداد ودخل دار الخلافة انفذ اليه عضد الدولة مالا كثيرا وغيره من الامتعة والفرش وغير ذلك
ذكر عود بختيار إلى مكة
ص 351
لما قبض على بختيار كان ولده المرزبان بالبصرة متوليا لها فلما بلغه قبض والده امتنع فيها على عضد الدولة وكتب إلى ركن الدولة يشكو ما جرى على والده وعميه من عضد الدولة ومن أبي الفتح بن العميد ويذكر له الحيلة التي تمت عليه فلما سمع ركن الدولة ذلك القى نفسه عن سريره إلى الأرض وتمرغ عليها وامتنع من الاكل واشرب عدة ايام ومرض مرضا لم يستقل منه باقي حياته وكان محمد بن بقية بعد بختيار قد خدم عضد الدولة وضمن منه مدينة واسط واعمالها فلما صار اليها خلع طاعة عضد الدولة وخالف عليه واظهر الامتعاض لقبض بختيار وكاتب عمران بن شاهين وطلب مساعدته وحذره مكر عضد الدولة فاجابه عمران إلى ما التمس وكان عضد الدولة قد ضمن سهل بن بشر وزير الفتكين بلد الاهواز وأخرجه من حبس بختيار ففكاتبه محمد بن بقية واستماله فاجابه فلما عصى ابن بقية انفذ اليه عضد الدولة جيشا قويا فخرج اليهم ابن بقية في الماء ومعه عسكر قد سيره اليه عمران فانهزم اصحاب عضد الدول اقبح هزيمة
وكاتب ركن الدولة وحال بختيار فكتب ركن الدولة اليه والى المرزبان وغيرهما ممن احتمى لبختيار يامرهم بالثبات والصبر ويعرفهم انه على المسير إلى العراق لاخراج عضد الدولة واعادة بختيار فاضطربت النواحي على عضد الدولة وتجاسر عليه الاعداء حيث علموا انكار أبيه عليه وانقطعت عنه مواد فارس والبحر ولم يبق بيده الا قصبة بغداد وطمع فيه العامة واشرف على ما يكره فراى انفاذ الفتح بن العميد برسالة إلى أبيه يعرفه ما جرى له وما فرق من الاموال وضعف بختيار عن حفظ البلاد وانه ان اعيد إلى حاله خرجت المملكة والخلافة عنهم وكان بوارهم ويساله ترك نصرة بختيار وقال لابي الفتح فان اجاب إلى ما تريد منه والا فقل له انني اضمن منك اعمال العراق واحمل اليك منها كل سنة ثلاثين الف الف درهم وابعث بختيار واخويه اليك لتجعلهم بالخيار فان اختاروا اقاموا عندك وان اختاروا بعض بلاد فارس سلمته اليهم ووسعت عليهم وان احببت انت ان تحضر في العراق لتلي تدبير الخلافة وتنفذ بختيار إلى الري واعود انا إلى فارس فالامر اليك وقال لابن العميد فان اجاب إلى ما ذكرت له والا فقل له ايها السيد الوالد انت مقبول الحكم والقول ولكن لا سبيل إلى إطلاق هؤلاء القوم بعد مكاشفتهم وإظهار العداوة وسيقاتلونني بغاية ما يقدرون عليه فتنتشر الكلمة ويختلف أهل هذا البيت أبدا فإن قبلت ما ذكرته فأنا العبد الطائع وإن أبيت وحكمت بانصرافي فإني سأقتل بختيار وأخويه وأقبض على كل من أتهمه بالميل إليهم وأخرج عن العراق وأترك البلاد سائبة ليدبرها من اتفقت له فخاف ابن العميد أن يسير بهذه الرسالة وأشار أن يسير بها غيره ويسير هو بعد ذلك ويكون كالمشير على ركن الدولة بأجابته إلى ما طلب فأرسل عضد الدولة رسولا بهذه الرسالة وسير بعده ابن العميد عل الجمازات فلما حضر الرسول عند ركن الدولة وذكر بعض الرسالة وثب إليه ليقتله فهرب من بين يديه ثم رده بعد أن سكن غضبه وقال قل لفلان يعني عضد الدولة وسماه بغير اسمه وشتمه خرجت إلى نصرة ابن أخي وللطمع في مملكته أما عرفت أني نصرت الحسن بن الفيرزان وهو غريب مني مرارا كثيرة أخاطر فيها بملكي ونفسي فإذا ظفرت أعدت له بلاده ولم أقبل منه ما قيمته درهم واحد ثم نصرت إبراهيم بن المرزبان وأعدته إلى اذربيجان ونفذت وزيري وعساكري في نصرته ولم آخذ منه درهما واحدا كل ذلك طلبا لحسن الذكر ومحافظة على الفتوة تريد أن تمن أنت علي بدرهمين أنفقتهما أنت علي وعلى أولاد أخي ثم تطمع في ممالكهم وتهددني بقتلهم فعاد الرسول ووصل ابن العميد فحجبه عنه ولم يسمع حديثه وتهدده بالهلاك وأنفذ إليه يقول له لأتركنك وذلك الفاعل يعني عضد الدولة تجتهدان جهدكما ثم لا أخرج إليكما إلا في ثلاثمائة جمازة وعليها الرجال ثم اثبتوا الي إن شئتم فوالله لاقاتلنكما إلا بأقرب الناس إليكما وكان ركن الدولة يقول إنني أرى أخي معز الدولة كل ليلة في المنام يعض على أنامله ويقول يا أخي هكذا ضمنت لي أن يخلفني في أهلي وولدي
وكان ركن الدولة يحب أخاه محبة شديدة لأنه رباه فكان عنده بمنزلة الولد ثم إن الناس سعوا لابن العميد وتوسطوا الحال بينه وبين ركن الدولة وقالوا إنما تحمل ابن العميد هذه الرسالة ليجعلها طريقا للخلاص من عضد الدولة والوصول إليك لتامر بما تراه فأذن له بالحضور عنده فاجتمع به وضمن له إعادة عضد الدولة إلى فارس وتقرير بختيار بالعراق فرده إلى عضد الدولة وعرفه جلية الحال فلما رأى عضد الدولة انحراف الأمور عليه من كل ناحية أجاب إلى المسير إلى فارس وإعادة بختيار فأخرجه من محبسه وخلع عليه وشرط عليه أن يكون نائبا عنه بالعراق ويخطب له ويجعل أخاه أبا إسحاق أمير الجيش لضعف بختيار ورد عليهم عضد الدولة جميع ما كان لهم وسار إلى فارس في شوال من هذه السنة وأمر أبا الفتح بن العميد وزير أبيه أن يلحقه بعد ثلاثة أيام فلما سار عضد الدولة أقام ابن العميد عند بختيار متشاغلا باللذات وبما بختيار مغرى به من اللعب واتفقا باطنا على أنه إذا مات ركن الدولة سار إليه ووزر له واتصل ذلك بعضد الدولة فكان سبب هلاك ابن العميد على ما نذكره
واستقر بختيار ببغداد ولم يقف لعضد الدولة على العهود فلما ثبت أمر بختيار أنفذ ابن يقية من خلفه له وحضر عنده وأكد الوحشة بين بختيار وعضد الدولة وثارت الفتنة بعد مسير عضد الدولة واستمال ابن بقية الأجناد وجبى كثيرا من الأموال إلى خزانته وكان إذا طالبه بختيار بالمال وضع الجند على مطالبته فثقل على بختيار فاستشار في مكروه يوقعه به فبلغ ذلك ابن بقية فعاتب بختيار عليه فأنكره وحلف له فاحترز ابن بقية منه
ذكر اضطراب كرمان على عضد الدولة وعودها له
ص 353
في هذه السنة خالف أهل كرمان على عضد الدولة وسبب ذلك أن رجلا من الجرومية وهي اليلاد الحارة يقال له طاهر بن الصمة ضمن من عضد الدولة ضمانان فاجتمع عليه أموال كثيرة فطمع فيها وكان عضد الدولة قد سار إلى العراق وسير وزيره المطهر بن عبد الله إلى عمان ليستولي عليها فخلت كرمان من العساكر فجمع طاهر الرجال الجرومية وغيرهم فاجتمع له خلق كثير واتفق أن بعض الأتراك السامانية واسمه يوزتمر كان قد استوحش من أبي الحسن محمد بن إبراهيم بن سيمجور صاحب جيش خراسان للسامانية فكاتبه طاهر وأطعمه في أعمال كرمان فسار إليه واتفقا وكان يوزتمر هو الأمير فاتفق أن الرجال الجرومية شغبوا على يوزتمر فظن أن طاهرا وضعهم فاختلفا واقتتلا فظفر يوزتمر بطاهر وأسره وظفر بأصحابه
وبلغ الخبر إلى الحسين بن أبي علي بن إلياس وهو بخراسان فطمع في البلاد فجمع جمعا وسار إليها فاجتمع عليه بها جموع كثيرة ثم إن المطهر بن عبد الله إستولى على عمان وجبالها وأوقع بالشراة فيها وعاد فوصله كتاب عضد الدولة من بغداد يأمره بالمسير إلى كرمان فسار إليها مجدا وأوقع في طريقه بأهل العبث والفساد وقتلهم وصلبهم ومثل بهم ووصل إلى يوزتمر على حين غفلة منه فاقتتلوا بنواحي مدينة بم فانهزم يوزتمر ودخل المدينة وحصره المطهر في حصن في وسط المدينة فطلب الأمان فأمنه إليه ومعه طاهر فأمر المطهر بطاهر فشهر ثم ضرب عنقه وأما يوزتمر فإنه رفعه إلى بعض القلاع فكان آخر العهد به وسار المطهر إلى الحسيبن بن إلياس فرأى كثرة من معه فخاف جانبهم ولم يجد من اللقاء بدا فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم الحسين على باب جيرفت وانهزم عسكره فمنعهم سور المدينة من الهرب فكثر فيهم القتل وأخذ الحسين أسيرا وأحضر عند المطهر فلم يعرف له بعد خبر وصلحت كرمان لعضد الدولة
ذكر ولاية الفتكين دمشق وما كان منه إلى أن مات
ص 354
قد ذكرنا ما كان من انهزام الفتكين التركي مولى معز الدولة بن بويه من مولاه بختيار بن معز الدولة ومن عضد الدولة في فتنة الأتراك بالعراق فلما انهزم منهم سار في طائفة صالحة من الجند الترك فوصل إلى حمص فنزل بالقرب منها فقصده ظالم بن موهوب العقيلي الذي كان أمير دمشق للمعز لدين الله ليأخذه فلم يتمكن من أخذه فعاد عنه
وسار الفتكين إلى دمشق فنزل بظاهرها وكان أميرها حينئذ ريان الخادم للمعز وكان الأحداث قد غلبوا عليها وليس للأعيان معهم حكم ولا للسلطنة عليهم طاعة فلما نزل خرج أشرافها وشيوخها إليه وأظهروا له السرور بقدومه وسألوه أن يقيم عندهم ويملك بلدهم ويزيل عنهم سمة المصريين فإنهم يكرهونها لمخالفة الإعتقاد ولظلم عمالهم ويكف عنهم شر الأحداث فأجابهم إلى ذلك واسحلفهم على الطاعة والمساعدة وحلف لهم على الحماية وكف الأذى عنهم مه ومن غيره ودخل البلد وأخرج عنه ريان الخادم وقطع خطبة المعز وخطب للطائع لله في شعبان وقمع أهل العيث والفساد وهابه كافة الناس وأصلح كثيرا من أمورهم فكانت العرب قد اسولت على سواد البلد وما يتصل له فقصدهم وأوقع بهم وقتل كثيرا منهم وأبان عن شجاعة وقوة نفس وحسن تدبير فأدعنوا له وأقطع البلاد وكثر جمعه وتوفرت أمواله وثبت قدمه وكاتب المعز بمصر يداريه ويظظهر له الانقياد فشكره وطلب منه أن يحضر عنده ليخلع عليه ويعيده واليا من جانبه فلم يثق إليه وامتنع من المسير فتجهز المعز وجمع العساكر لقصده فمرض ومات على ما نذكره سنة خمس وستين وثلاثمائة وولي بعده ابنه العزيز بالله فأمن الفتكين بموته جهة مصر فقصد بلاد العزيز التي بساحل الشام فعمد إلى صيدا فحصرها وبها ابن الشيخ ومعه رؤوس المغاربة ومعهم ظالم بن موهوب العقيلي فقاتلهم وكانوا في كثرة فطمعوا فيه وخرجوا إليه فاستجرهم حتى أبعدوا ثم عاد عليهم فقتل منهم نحو أربعة آلاف قتيل وطمع في أخذ عكا فتوجه إليها وقصد طبرية ففعل فيها من القتل والنهب مثل صيدا وعاد إلى دمشق فلما سمع العزيز بذلك استشار وزيره يعقوب بن كأس فيما يفعل فأشار بإرسال جوهر في العساكر إلى الشام فجهزه وسيره
فلما سمع الفتكين بمسيره جمع أهل الشام وقال قد علمتم أنني ما وليت أمركم إلا عن رضا منكم وطلب من كبيركم وصغيركم لي وإنما كنت مجتازا وقد أظلكم هذا الأمر وأنا سائر عنكم لئلا ينالكم أذى بسببي فقالوا لا نمكنك من فراقنا ونحن نبذل الأنفس والأموال في هواك وننصرك ونقوم معك فاستحلفهم على ذلك فحلفوا له فأقام عندهم فوصل جوهر إلى البلد في ذي القعدة من سنة خمس وستين وثلاثمائة فحصره فرأى من قتال الفتكين ومن معه ما استعظمه ودامت الحرب شهرين قتل فيها عدد كثير من الطائفتين فلما رأى أهل دمشق طول مقام المفاربة عليهم أشاروا على الفتكين بمكاتبة الحسن بن أحمد القرمطي واستنجاده ففعل ذلك فسار القرمطي إليه من الأحساء فلما قرب منه رحل جوهر عن دمشق خوفا أن يبقى بين عدوين وكان مقامه عليها سبعة أشهر
ووصل القرمطي واجتمع هو والفتكين وساروا في أثر جوهر فأدركاه وقد نزل بظاهر الرملة وسير أثقاله إلى عسقلان فاقتتلوا فكان جمع الفتكين والقرمطي كثيرا من رجال الشام والعرب وغيرهم فكانوا نحو خمسين ألف فارس وراجل فنزلوا على نهر الطواحين على ثلاثة فراسخ من البلد ومنه ماء أهل البلد فقطعوه عنهم فاحتاج جوهر ومن معه إلى ماء المطر ففي الصهاريج وهو قليل لا يقوم بهم فرحل إلى عسقلان وتبعه الفتكين والقرمطي فحصراه بها وطال الحصار وقلت الميرة وعدمت الأقوات وكان الزمان شتاء فلم يمكن حمل الذخائر في البحر من مصر وغيرها فاضطروا إلى أكل الميتة وبلغ الخبز كل خمسة أرطال بالشامي بدينار مصري وكان جوهر يراسل الفتكين ويدعوه إلى المرافقة والطاعة ويبذل له البذول الكثيرة فيهم أن يفعل فيمنه القرمطي ويخوفه منه فزادت الشدة على جوهر ومن معه فعاينوا الهلاك فأرسل إلى الفتكين يطلب منه أن يجتمع به فتقدم إليه واجتمعا راكيبن فقال جوهر قد عرفت ما يجمعنا من عصمة الإسلام وحرمة الدين وقد طالت هذه الفتنة وأريقت فيها الدماء ونهبت الأوال ونحن المؤاخذون بها عند الله تعالى وقد دعوتك إلى الصلح والطاعة والموافقة وبذلت لك الرغائب فأبيت إلا القبول ممن يشب نار الفتنة فراقب الله تعالى وراجع نفسك وغلب رأيك على هوى غيرك فقال الفتكين أنا والله واثق بك في صحة الرأي والمشورة منك لكنني غير متمكن مما تدعونني إليه بسبب القرمطي الذي أحوجتني أنت إلى مداراته والقبول منه فقال جوهر إذا كان الأمر على ذكرت فإنني أصدقك الحال تعويلا على أمانتك وما أجده من الفتوة عندك وقد ضاق الأمر بنا واريد أن تمن علي نفسي وبمن معي من المسلمين وتذم لنا وأعود إلى صاحبي شاكرا لك وتكون قد جمعت بين حقن الدماء واصطناع المعروف فأجابه إلى ذلك وحلف له على الوفاء به وعاد واجتمع بالقرمطي وعرفه الحال فقال لقد أخطات فإن جوهرا له رأي وحزم ومكيدة وسيرجع إلى صاحبه فيحمله على قصدنا بما لا طاقة لنا به والصواب أن ترجع عن ذلك ليموتوا جوعا ونأخذهم بالسيف فامتنع الفتكين من ذلك وقال لا أغدر به وأذن لجوهر ولمن معه بالمسير إلى مصر فسار إليه واجتمع بالعزيز وشرح له الحال وقال إن كنت تريدهم فاخرج إليهم بنفسك والا فهم واصلون على أثري فبرز العزيز وفرق الأموال وجمع الرجال وسار وجوهر على مقدمته وورد الخبر إلى الفتكين والقرمطي فعادا إلى الرملة وجمعا العرب وغيرها وحشدا
ووصل العزيز فنزل بظاهر الرملة ونزلا بالقرب منه ثم اصطفوا للحرب في المحرم سنة سبع وستين وثلاثمائة فرأى العزيز من شجاعة الفتكين ما أعجبه فأرسل إليه في تلك الحال يدعوه إلى طاعته ويبذل له الرغائب والولايات وأن يجعله مقدم عسكره والمرجوع إليه في دولته ويطلب أن يحضر عنده ويسمع قوله فترجل وقبل الأرض بين الصفين وقال للرسول قل لأمير المؤمنين لو قدم هذا القول لسارعت وأطعت وأما الآن فلا يمكن إلا ما ترى وحمل على الميسرة فهزمها وقتل كثيرا منها فلما رأى العزيز ذلك حمل من القلب وأمر الميمنة فحملت فنهزم القرمطي والفتكين ومن معهما ووضع المغاربة السيف فأكثروا القتل وقتلوا نحو عشرين ألفا ونزل العزيز خيامه وجاءه الناس بالأسرى فكل من أتاه بأسير خلع عليه وبذل لمن أتاه الفتكين أسيرا مائة ألف دينار وكان الفتكين قد مضى منهزما فكظه العطش فلقيه المفرج بن دغفل الطائي وكان بينهما أنس قديم فطلب منه الفتكين ماء فسقاه وأخذه معه إلى بيته فأنزله وأكرمه وسار إلى العزيز بالله فأعلمه بأسر الفتكين وطلب منه المال فأعطاه ما ضمنه وسير معه من تسلم الفتكين منه فلما وصل الفتكين وطلب إلى العزيز لم يشك أنه يقتله لوقته فرأى من إكرام العزيز له والإحسان إليه ما أعجزه وأمر له بالخيام فنصبت وأعاد إليه جميع من كان يخدمه فلم بفقد من حاله شيئا وحمل إليه من التحف والأموال ما لم ير مثله وأخذه معه إلى مصر وجعله من أخص خدمه وحجابه وأما الحسن القرمطي فإنه وصل منهزما إلى طبرية فأدركه رسول العزيز يدعوه إلى العود إليه ليحسن إليه ويفعل معه أكثر مما فعل مع الفتكين فلم يرجع فأرسل إليه العزيز عشرين ألف دينار وجعلها له كل سنة فكان يرسلها إليه وعاد إلى الإحساء ولما عاد العزيز إلى مصر أنزل الفتكين عند قصره وزاد أمره وتحكم فتكبر على وزيره يعقوب بن كلس وترك الركوب إليه فصار بينهما عدواة متأكدة فوضع عليه من سقاه سما فمات فحزن عليه العزيز واتهم الوزير فحبسه نيفا وأربيعن يوما وأخذ منه خمسمائة ألف دينار ثم وقفت أمور دولة العزيز باعتزال الوزير فخلع عليه وأعاده إلى وزارته
ذكر عدة حوادث
ص 357
في هذه السنة سار الحجاج إلى سميراء فرأوا هلال ذي الحجة بها والعادة جارية بأن يرى الهلال بعده بأربعة أيام وبلغهم أنهم لا يرون الماء إلى غمرة وهو بها أيضا قليل وبينهما نحو عشرة أيام فغدوا إلى المدينة فوقفوا بها وعادوا فكانوا أول المحرم في الكوفة
وفيها ظهر بأفريقية كوكب عظيم من جهة المشرق وله ذؤابة وضوء عظيم فبقي يطلع كذلك نحوا من شهر ثم غاب فلم ير
وفيها توفي أبو القاسم عبد السلام بن أبي موسى المخرمي الصوفي نزيل مكة وكان قد صحب أبا علي الروذباري وطبقته وغيره
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.