ذكر استيلاء بختيار على الموصل وما كان من ذلك
ص 338
في هذه السنة في ربيع الأول سار بختيار إلى الموصل ليستولي عليها وعلى أعمالها وما بيد أبي تغلب بن حمدان وكان سبب ذلك ما ذكرناه من مسير حمدان بن ناصر الدولة بن حمدان وأخيه إبراهيم إلى بختيار واسجارتهما به وشكواهما إليه من أخيهما أبي تغلب فوعدهما أن ينصرهما ويخلص أعمالها وأموالهما منه وينتقم لهما واشتغل عن ذلك بما كان منه في البطيحة وغيرها فلما فرغ من جميع أشغاله عاود حمدان وابراهيم الحديث معه وبذل له حمدان مالا جزيلا وصغر عنده أمر أخيه أبي تغلب وطلب أن يضمنه بلاده ليكون في طاعته ويحمل إليه الأموال ويقيم له الخطبة ثم إن الوزير أبا الفضل حسن ذلك وأشار به ظنا منه أن الأموال تكثر عليه فتمشي الأمور بين يديه ثم إن إبراهيم بن ناصر الدولة هرب من عند بختيار وعاد إلى أخيه أبي تغلب فقوي عوم بختيار على قصد الموصل أيضا ثم عزل أبا الفضل الوزير واستوزر ابن بقية فكاتبه أبو تغلب فقصر في خطابه فأغرى به بختيار وحمل على قصده فسار عن بغداد ووصل إلى الموصل تاسع عشر ربيع الآخر ونزل بالدير الأعلى وكان أبو تغلب بن حمدان قد سار عن الموصل لما قرب منه بختيار وقصد سنجار وكسر العروب وأخلى الموصل من كل ميرة وكاتب الديوان
ثم سار من سنجار يطلب بغداد ولم يعرض إلى أحد من سوادها بل كان هو وأصحابه يشترون الأشياء بأوفى الأثمان فلما سمع بختيار بذلك أعاد وزيره ابن بقية والحاجب سبكتكين إلى بغداد فأما ابن بقية فدخل إلى بغداد وأما سبكتكين فأقام بحربى وكان أبو تغلب قد قارب بغداد فثار العيارون بها وأهل الشر بالجانب الغربي ووقعت فتنة عظيمة بين السنة والشيعة وحمل أهل سوق الطعام وهم من السنة أمرا على جمل وسموها عائشة وسمى بعضهم نفسه طلحة وبعضهم الزبير وقاتلوا الفرقا الأخرى وجعلوا يقولون نقاتل أصحاب علي بن أبي طالب وأمثال هذا من الشر وكان الجانب الشرقي آمنا والجانب الغربي مفتونا فأخذ جماعة من رؤساء العيارين وقتلوا فسكن الناس بعض السكون
وأما أبو تغلب فإنه لما بلغه دخول ابن يقية بغداد ونزول سبكتكين الحاجب بحربى عاد عن بغداد ونزل بالقرب منه وجرى بينهما مطاردة يسيرة ثم اتفقا في السر على أن يظهرا الإختلاف إلى أن يتمكنا من القبض على الخليفة والوزير ووالدة بختيار وأهله فإذا فعلوا ذلك انتقل سبكتكين إلى بغداد وعاد أبو تغلب إلى الموصل ليبلغ من بختيار ما أراد ويملك دولته ثم إن سبكتكين خاف سوء الأحدوثة فتوقف وسار الوزير ابن بقية إلى سبكتكين فاجتمع بع وانفسخ ما كان بينهما وتراسلوا في الصلح على أن أبا تغلب يضمن البلاد على ما كانت معه وعلى أن يطلق لبختيار ثلاثة آلاف كرغلة عوضا عن مؤنة سفره وعلى أن يرد على أخيه حمدان أملاكه وأقطاعه إلا ماردين ولما اصطلحوا أرسلوا إلى بختيار بذلك ليرحل عن الموصل وعاد أبو تغلب إليها ودخل سبكتكين بغداد وأسلم بختيار
فلما سمع بختيار بقرب أبي تغلب منه خافه لأن عسكره كان قد عاد أكثره مع سبكتكين وطلب الوزير بن بقية من سبكتكين أن يسير نحو يختيار فتثاقل ثم فكر في العواقب فسار على مضض وكان أظهر للناس ما كان هم به وأما بختيار فإنه جمع أصحابه وهو بالدير الأعلى ونزل أبو تغلب بالحصباء تحت الموصل وبينهما عرض البلد وتعصب أهل الموصل لأبي تغلب وأظهروا محبته لما نالهم من بختيار من المصادرات وأخذ الأموال ودخل الناس بينهما في الصلح فطلب أبو تغلب من بختيار أن يلقب سلطانيا وأن يسلم إليه زوجته ابنة بختيار وأن يحط عنه من ذلك القرار فأجابه بختيار خوفا منه وتحالفا وسار بختيار عن الموصل عائدا إلى بغداد فأظهر أهل الموصل السرو برحليه لأنه كان قد أساء معهم السيرة وظلمهم فلما وصل بختيار إلى الكحيل بلغه أن أبا تغلب قد قتل قوما كانوا من أصحابه وقد استأمنوا إلى بختيار فعادوا إلى الموصل ليأخذوا ما لهم بها من أهل ومال فقتلهم فلما بلغه ذلك اشتد عليه وأقام بمكانه وأرسل إلى الوزير أبي طاهر بن بقية والحاجب سبكتكين يأمرهما بالإصعاد إليه وكان قد أرسل إليهما يأمرهما بالتوقف ويقول لهما إن الصلح قد استقر فلما أرسل إليهما يطليهما إليه أصعدا إليه في العساكر فعادوا جميعهم إلى الموصل ونزلوا بالدير الأعلى أواخر جمادى الاخرة
وفارقها أبو تغلب إلى تل يعفر وعزم عز الدولة على قصده وطلبه أين سلك فأرسل أبو تغلب كاتبه وصاحبه أبا الحسن علي بن أبي عمرو إلى عز الدولة فاعتقله واعتقل معه أبا الحسن بن عرس وأبا أحمد بن حوقل وما زالت المراسلات بينهما وحلف أبو تغلب أنه لم يعلم بقتل أولئك فعاد الصلح واستقر وحمل إليه ما استقر من المال فأرسل عز الدولة الشريف أبا أحمد الموسوي والقاضي أبا بكر محمد بن عبد الرحمن فحلفا أبا تغلب وتجدد الصلح وانحدر عز الدولة عن الموصل سابع عشر رجب وعاد إلى بلده ولما عاد بختيار عن الموصل جهز ابنته وسيرها إلى أبي تغلب وبقيت معه إلى أن أخذت منه ولم يعرف لها بعد ذلك خبر
ذكر الفتنة بين بختيار وأصحابه
ص 340
في هذه السنة ابتدأت الفتنة بين الأتراك والديلم بالأهواز فعمت العراق جميعه واشتدت وكان سبب ذلك أن عز الدولة بختيار قلت عنده الأموال وكثر إدلال جنده عليه واطراحهم لجانبه وشغبهم عليه فتعذر عليه القرار ولم يجد ديوانه ووزيره جهة يحتال منها بشيء وتوجهوا إلى الموصل لهذا السبب فلم ينفتح عليهم فرأوا أن يتوجهوا إلى الأهواز ويتعرضوا لبختكين آزادرويه وكان متوليها وعملوا له حجة يأخدون منه مالا ومن غيره فسار يختيار وعسكره وتخلف عنه سبكتكين التركي فلما وصلوا إلى الأهواز خدم بختيار وحمل له أموالا جليلة المقدار وبذل له من نفسه الطاعة وبختيار يفكر في طريق يأخذه به
قاتفق أنه جرى فتنة بين الأتراك والديلم وكان سببها أن بعض الديلم نزل دارا بالأهواز ونزل قريبا بعض الأتراك وكان هناك لبن موضوع فأراد غلام الديلمي أن يبني منه معلفا للدواب فمنعه غلام التركي قتضاربا وخرج كل واحد من التركي والديلمي إلى نصرة غلامه فضعف غلام التركي عنه فركب واستنصر بالأتراك فركبوا وركب الديلم وأخذوا السلاح فقتل بينهم بعض قواد الأتراك وطلب الأتراك بثأر صاحبهم وقتلوا به من الديلم قائدا أيضا وخرجوا إلى ظاهر البلد واجتهد بختيار في تسكين الفتنة فلم يمكنه ذلك فاستشار الديلم فيما يفعله وكان أذنا يتبع كل قائل فأشاروا عليه بقبض رؤساء الأتراك لتصفو له البلاد فأحضروا آزاذرويه وكاتبه سهل بن بشر وسباشي الخوارزمي بكتيجور وكان حما السبكتكين فحضروا فاعتقلهم وقيدهم وأطلق الديلم في الأتراك فنهبوا أموالهم ودوابهم وقتا بينهم قتلى وهرب الأتراك واستولى بختيار على أقطاع سبكتكين فأخذه وأمر فنودي بالبصرة بأباحة دم الأتراك
ذكر حيلة لبختيار عادت عليه
ص 341
كان بختيار قد واطأ والدته وإخوته أنه إذا كتب إليهم بالقبض على الأتراك يظرون أن بحتيار قد مات ويجلسون للعزاء فاذا حضر سبكتكين عندهم قبضوا عليه فلما قبض بختيار على الأتراك كتب إليهم على أجنحة الطيور يعرفهم ذلك فلما وقفوا على الكتب وقع الصراخ في داره وأشاعوا موته ظنا منهم أن سبكتكين يحضر عندهم ساعة يبلغه الخبر فلما سمع الصراخ أرسل يسأل عن الخبر فأعلموه فأرسل يسال عن الذي أخبرهم وكيف أتاهم الخبر فلم يجد نقلا يثق القلب به فارتاب بذلك ثم وصله رسله الأتراك بما جرى فعلم أن ذلك كان مكيدة عليه ودعاه الأتراك إلى أن يتآمر عليهم فتوقف وأرسل إلى أبي اسحاق بن معز الدولة يلعمه أن الحال قد انفسد بينه وبين أخيه فلا يرجى صلاحه وأنه لا يرى العدول عن طاعة مواليه وإن اساؤوا إليه ويدعوه إلى أن يعقد الأمر له فعرض قوله على والدته فمنعته فلما رأى سبكتكين ذلك ركب في الأتراك وحصر دار بختيار يومين ثم أحرقها ودخلها وأخذ أبا اسحاق وأبا طاهر ابني معز الدولة ووالدتهما ومن كان معهما فسألوه أن يمكنهم من الإنحدار إلى واسط ففعل وانحدروا وانحدر معهم المطيع لله في الماء فانفذ سبكتكين فأعاده ورده إلى داره وذلك تاسع ذي القعدة واستولى على ما كان لبختيار جميعه ببغداد ونزل الأتراك في دور الديلم وتتبعوا أموالهم وأخذوها وثارت العامة من أهل السنة ينصرون سبكتكين لأنه كان يتسنن فخلع عليهم وجعل لهم العرفاء والقواد فثاروا بالشيعة وحاربوهم وسفكت بينهم الدماء وأحرقت الكرخ حريقا ثانيا وظهرت السنة عليهم
ذكر خلع المطيع لله وخلافة الطائع لله
ص 342
وفي هذه السنة منتصف ذي القعدة خلع المطيع لله وكان به مرض الفالج وقد ثقل لسانه وتعذرت الحركة عليه وهو يستر ذلك فانكشف حاله لسبكتكين هذه الدفعة فدعاه إلى أن يخلع نفسه من الخلافة ويسلمها إلى ولده الطائع لله واسمه أبو الفضل عبد الكريم ففعل ذلك وأشهد على نفسه بالخلع ثالث عشر ذي القعدة وكانت مدة خلافته تسعا وعشرين سنة وخمسة أشهر غير أيام وبويع للطائع لله بالخلافة واستقر أمره
ذكر الحرب بين المعز لدين الله العلوي والقرامطة
ص 342
في هذه السنة سار القرامطة ومقدمهم الحسن بن أحمد من الإحساء إلى ديار مصر فحصرها ولما سمع المعز لدين الله صاحب مصر بأنه يريد قصد مصر كتب إليه كتأبا يذكر فيه فضل نفسه وأهل بيته وأن الدعوة واحدة وان القرامطة إنما كانت دعوتهم إليه وإلى آبائه من قبله ووعظه وبالغ وتهدده وسير الكتاب إليه فكتب جوابه وصل كتابك الذي قل تحصيله وكثر تفضليه ونحن سائرون إليك على أثره والسلام وسار حتى وصل إلى مصر قنزل على عين شمس بعسكره وأنشب القتال وبث السرايا في البلاد ينهبونها فكثرت جموعه وأتاه من العرب خلق كثير وكان ممن أتاه حسان بن الجراح الطائي أمير العرب بالشام ومعه جمع عظيم فلما رأى المعز كثرة جموعه استعظم ذلك واهمه وتحير في أمره ولم يقدم على إخراج عسكره لقتاله فاستشارا أهل الرأي من نصحائه فقالوا ليس حيلة غير السعي في تفريق كلمتهم والقاء الخلف بينهم ولا يتم ذلك إلا بابن الجراح فراسله المعز واستماله وبذل له مائة ألف دينار أن هو خالف علي القرمطي فأجابه ابن الجراح إلى ما طلب منه فاستحلفوه فحلف أنه إذا وصل إليه المال المقرر انهزم بالناس فأحضروا فلما رأوه استكثروه فضربوا أكثرها دنانير من صفر وألبسوها الذهب وجعلوها في أسافل الأكياس وجعلوا الذهب الخالص على رؤوسها وحمل إليه
فأرسل إلى المعز أن يخرج في عسكره يوم كذا ويقاتلونه وهو في الجهة الفلانية فإنه ينهزم ففعل المعز ذلك فانهزم وتبعه العرب كافة فلما رآه الحسن القرمطي منهزما تحير في أمره وثبت وقاتل بعسكره إلا أن عسكر المعز طمعوا فيه وتابعوه الحملات عليه من كل جانب فأرهقوه فولى منهزما واتبعوا أثره وظفروا بمعسكره فأخذوا من فيه أسرى وكانوا نحو ألف وخمسمائة أسير فضربت أعناقهم ونهب ما في المعسكر وجرد المعز القائد أبا محمد بن إبراهيم بن جعفر في عشرة آلاف رجل وأمره باتباع القرامطة والإيقاع بهم فاتبعهم وتثاقل في سيره خوفا أن ترجع القرامطة إليه وأما هم فإنهم ساروا حتى نزلوا أذرعات وساروا منها إلى بلدهم الإحساء ويظهرون أنهم يعودون
ذكر ملك المعز دمشق وما كان فيها من الفتن
ص 343
لما بلغ المعز إنهزام القرمطي من الشام وعوده إلى بلاده أرسل القائد ظالم بن موهوب العقيلي واليا على دمشق فدخلها وعظم حاله وكثرت جموعه وأمواله وعدته لأن أبا المنجا وابنه صاحبي القرمطي كانا بدمشق ومعهما جماعة من القرامطة فأخذهم ظالم وحبسهم وأخذ أموالهم وجميع ما يملكونه ثم إن القائد أبا محمود الذي سيره المعز يتبع القرامطة وصل إلى دمشق بعد وصول ظالم إليها بأيام قليلة فخرج ظالم متلقيا له مسروا بقدومه لأنه كان مستشعرا من عود القرمطي إليه فطلب منه أن ينزل بعسكره بظاهر دمشق ففعل وسلم إليه أبا المنجا وابنه ورجلا آخر يعرف بالنابلسي وكان هرب من الرملة وتقرب إلى القرمطي فأسر بدمشق أيضا فحملهم أبو محمد إلى مصر فسجن أبو المنجا وابنه وقيل للنابلسي أنت الذي قلت لو أن معي عشرة اسهم لرميت تسعة في المغاربة وواحدا في الروم فاعترف فسلخ جلده وحشي تبنا وصلب ولما نزل أبو محمود بظاهر دمشق امتدت أيدي أصحابه بالعبث والفساد وقطع الطريق فاضطرب الناس وخافوا ثم إن صاحب الشرطة أخذ إنسانا من أهل البلد فقتله فثار به الغوغاء والأحداث وقتلوا أصحابه وأقام ظالم بين الرعية يداريهم وانتزح أهل القرى منها لشدة نهب المغاربة أموالهم وظلهم لهم ودخلوا البلد
فلما كان نصف شوال من الستة وقعت فتنة بين عسكر أبي محمود وبين العامة وجرى بين طائفتين قتال شديد وظالم مع العامة يظهر أنه يريد الإصلاح ولم يكاشف أبا محمود وانفصلوا ثم إن أصحاب أبي محمود أخذوا من الغوطة قفلا من حوران وقتلوا منه ثلاثة نفر فأخذهم أهلوهم وألقوهم في الجامع فأغلقت الأسواق وخاف الناس وأرادوا القتال فسكنهم عقلاؤهم ثم إن المغاربة أرادوا نهب قينية واللؤلؤة فوقع الصائح في أهل البلد فنفروا وقاتلوا المغاربة في السابع عشر ذي القعدة وركب أبو محمود في جموعه وزحف الناس بعضهم إلى بعض فقوي المغاربة وانهزم العامة إلى سور البلد فصبروا عنده وخرج إليهم من تخلف وكثر النشاب على المغاربة فأثخن فيهم فعادوا فتبعهم العامة فاضطروهم إلى العود فعادوا وحملوا على العامة فانهزموا وتبعوهم إلى البلد وخرج ظالم من دار الإمارة وألقى المغاربة النار في البلد من ناحية باب الفراديس وأحرقوا تلك الناحية فأخذت النار إلى القبلة فاحترقت من البلد كثيرا وهلك فيه جماعة من الناس وما لا يحد من الأثاث والرحال والأموال وبات الناس على أقبح صورة ثم إنهم اصطلحوا هم وأبو محمود ثم انتفضوا ولم يزالوا كذلك إلى ربيع الآخر سنة أربع وستين وثلاثمائة
ذكر ولاية جيش بن الصمصامة دمشق
ص 344
ثم عادت الفتنة في ربيع الآخر سنة أربع وستين وثلاثمائة وترددوا في الصلح فاستقر الأمر بين القائد أبي محمود والدمشقيين على إخراج ظالم من البلد وان يليه جيش بن الصمصامة وهو ابن أخت أبي محمود واتفقوا على ذلك وخرج ظالم من البلد ووليه جيش ابن الصمصامة وسكنت الفتنة واطمأن الناس ثم إن المغاربة بعد أيام عاثوا وأفسدوا باب الفراديس فثار الناس عليهم وقاتلوهم وقتلوا من لحقوه وصاروا إلى القصر الذي فيه جيش فهرب منه هو ومن معه من الجند المغاربة ولحق بالعسكر
فلما كان من الغد وهو أول جمادى الأولى من السنة زحف جيش في العسكر إلى البلد وقاتله أهله فظفر بهم وهزمهم وأحرق البلد ما كان سلم ودام القتال بينهم أياما كثيرة فاضطرب الناس وخافوا وخربت المنازل وانقطعت المواد وانسدت المسالك وبطل البيع والشراء وقطع الماء عن البلد فبطلت القنوات والحمامات ومات كثير من الفقراء على الطرقات من الجوع والبرد فأتاهم الفرج بعزل أبي محمود
ذكر ولاية ريان الخادم دمشق
ص 345
لما كان بدمشق ما ذكرناه من القتال والتحريق والتخريب وصل الخبر بذلك إلى المعز صاحب مصر فأنكر ذلك واستبشعه واستعظمه فأرسل إلى القائد ريان الخادم والي طرابلس يأمره بالمسير إلى دمشق لمشاهدة حالها وكشف أمور أهلها وتعريفه حقيقة الأمر وأن يصرف القائد أبا محمود عنها فامتثل ريان ذلك وسار إلى دمشق وكشف الأمر فيها وكتب به إلى المعز وتقدم إلى القائد أبي محمود بالانصراف عنها فسار في جماعة قليلة من العسكر إلى الرملة ويقي الأكثر منهم مع ريان وبقي الأمر كذلك إلى أن ولي الفتكين على ما نذكره
ذكر حال بختيار بعد قبض الأتراك
ص 345
لما فعل بختيار ما ذكرناه من قبض الأتراك ظفر بذخيرة لآزاذرويه بجند يسأبور فأخذها ثم رأى ما فعله الأتراك مع سبكتكين وإن بعضهم بسواد الأهواز قد عصوا عليه واضطرب عليه غلمانه الذين في داره وأتاه مشايخ الأتراك من البصرة فعاتبوه على ما فعل بهم وقال له عقلاء الديلم لا بد لنا في الحرب من الأتراك يدفعون عنا بالنشاب فاضطرب رأي بختيار ثم أطلق آزاذرويه وجعله صاحب الجيش موضع سبكتكين وظن أن الأتراك يأنسون به ويعدلون عن سبكتكين إليه وأطلق المعتقلين وسار إلى والدته وإخوانه بواسط وكتب إلى عمه ركن الدولة وإلى ابن عمه عضد الدولة يسألهما أن ينجداه ويكشفا ما نزل به
وكتب إلى أبي تغلب بن حمدان يطلب منه أن يساعده بنفسه وأنه إذا فعل ذلك أسقط عنه المال الذي عليه وأرسل إلى عمران بن شاهين بالبطيحة خلعا وأسقط عنه باقي المال الذي اصطلحا عليه وخطب إليه إحدى بناته وطلب منه أن يسير إليه عسكرا فأما ركن الدولة عمه فإنه جهز عسكرا مع وزيره أبي الفتح بن العميد وكتب إلى ابنه عضد الدولة يأمره بالمسير إلى ابن عمه والاجتماع مع ابن العميد فاما عضد الدولة فإنه وعد بالمسير وانتظر ببختيار الدوائر طمعا في ملك العراق وأما عمران بن شاهين فإنه قال أما إسقاط المال فنحن نعلم أنه لا أصل له وقد قبلته وأما الوصلة فإنني لا أتزوج أحدا إلا أن يكون الذكر من عندي وقد خطب إلى العلويون وهم موالينا فما أجبتهم إلى ذلك وأما الخلع والفرس فإنني لست ممن يلبس ملبوسكم وقد قبلها ابني وأما انفاذ عسكر فإن رجالي لا يسكنون إليكم لكثرة ما قتلوا منكم ثم ذكر ما عامله به هو وأبوه مرة بعد أخرى وقال ومع هذا فلا بد أن يحتاج إلى أن يدخل بيتي مستجيرا بي والله لا عاملته بضد ما عاملني به هو وأبوه فكان كذلك وأما أبو تغلب بن حمدان فإنه أجاب إلى المسارعة وأنفذ أخاه أبا عبد الله الحسين بن ناصر الدولة بن حمدان إلى تكريت في عسكر وانتظر انحدار الأتراك عن بغداد فإن ظفروا ببختيار دخل بغداد مالكا لها
فلما انحدر الأتراك عن بغداد سار أبو تغلب إليها ليوجب على بختيار الحجة في إسقاط المال الذي عليه ووصل إلى بغداد والناس في بلاء عظيم مع العيارين فحمى البلد وكف أهل الفساد وأما الأتراك فانهم انحدروا مع سبكتكين إلى واسط وأخذوا معهم الخليفة الطائع لله والمطيع أيضا وهو مخلوع فلما وصلوا إلى دار العاقول توفي بها المطيع لله ومرض سبكتكين فمات بها أيضا فحملا إلى بغداد
وقدم الأتراك عليهم الفتكين وهو من أكابر قوادهم وموالي معز الدولة وفرح بختيار بموت سبكتكين وظن أن أمر الأتراك ينحل وينتشر بموته فلما رأى انتظام أمورهم ساءه ذلك ثم أن الأتراك ساروا إليه وهو بواسط فنزلوا قريبا منه وصاروا يقاتلونه نوائب نحو خمسين يوما ولم تزل الحرب بين الأتراك وبختيار متصلة والظفر للأتراك في كل ذلك وحصروا بختيار واشتد عليه الحصار واحدقوا به وصار خائفا يترقب وتابع انفاذ الرسل إلى عضد الدولة بالحث والإسراع وكتب إليه
( فإن كنت مأكولا فكن أنت آكلي % وإلا فادركني ولما امزق )
فلما رأى عضد الدولة ذلك وأن الأمر قد بلغ ببختيار ما كان يرجوه سار نحو العراق نجدة له في الظاهر وباطنه بضد ذلك
ذكر ملك عضد الدولة عمان
ص 347
في هذه السنة إستولى الوزير أبو القاسم المطهر بن محمد وزير عضد الدولة على جبال عمان ومن بها من الشراة في ربيع الأول وسبب ذلك أن معز الدولة لما توفي وبعمان أبو الفرج بن العباس نائب معز الدولة فارقها فتولى أمرها عمر بن نهبان الطائي وأقام الدعوة لعضد الدولة ثم إن الزنج غلبت على البلد ومعهم طوائف من الجند وقتلوا ابن نهبان الطائي وأمروا عليهم إنسانا يعرف بابن حلاج فسير عضد الدولة جيشا من كرمان واستمل عليهم أبا حرب طغان فساروا في البحر إلى عمان فخرج أبو حرب من المراكب إلى البر وسارت المراكب في البحر من ذلك المكان فتوافوا على صحار قصبة عمان فخرج إليهم الجند والزنج واقتتلوا قتالا شديدا في البر والبحر فظفر أبو حرب واستولى على صحار وانهزم أهلها وكان ذلك سنة اثنتين وستين
ثم إن الزنج اجتمعوا إلى بريم وهو رستاق بينه وبين صحار مرحلتان فسار إليهم أبو حرب فأوقع بهم وقعة أتت عليهم قتلا واسرا فاطمأنت البلاد ثم إن جبال عمان اجتمع بها خلق كثير من الشراة وجعلوا لهم أميرا اسمه ورد بن زياد وجعلوا لهم خليفة اسمه حفص بن راشد فاشتدت شوكتهم فسير عضد الدولة المطهر بن عبد الله في البحر ايضا فبلغ إلى نواحي حرفان من أعمال عمان فأوقع بأهلها وأثخن فيهم وأسر
ثم سار إلى دما وهي على أربعة أيام من صحار فقاتل من بها وأوقع بهم وقعة عظيمة قتل فيها وأسر كثيرا من رؤسائهم وانهزم أميرهم ورد وأمامهم حفص واتبعهم المطهر إلى نزوى وهي قصبة تلك الجبال فانهزموا منه فسير إليهم العساكر فأوقعوا بهم وقعة أتت على باقيهم وقتل ورد وانهزم حفص إلى اليمن فصار معلما وسار المطهر إلى مكان يعرف بالشرف به جمع كثير من العرب نحو عشرة آلاف فأوقع بهم واستقامت البلاد ودانت بالطاعة وام بيق فيها مخالف
ذكر عدة حوادث
ص 348
وفيها خطب للمعز لدين الله العلوي صاحب مصر بمكة والمدينة في الموسم
وفيها خرج بنو هلال وجمع من العرب على الحاج فقتلوا منهم خلقا كثيرا وضاق الوقت فبطل الحج ولم يسلم إلا من مضى مع الشريف أبي أحمد الموسوي والد الرضي على طريق المدينة فتم حجهم
وفيها كانت بواسط زلزلة عظيمة في ذي الحجة
وفيها توفي عبد العزيز بن جعفر بن أحمد بن يزداد الفقيه الحنبلي المعروف بغلام الخلال وعمره ثثمان وسبعون سنة وإلى آخر هذه السنة انتهى تاريخ ثابت بن سنان بن ابت بن قرة وأوله من خلافة المقتدر بالله سنة خمس وتسعين ومائتين
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.