في هذه السنة كانت وقعة بين هبة الله بن ناصر الدولة بن حمدان وبين الدمستق بناحية ميافارقين وكان سببها ما ذكرناه عن غزو الدمستق بلاد الإسلام ونهبه ديار ربيعة وديار بكر فلما رأى الدمستق أنه لا مانع له عن مراده قوي طعمه على أخذ أمد فسار إليها وبها هزار مرد غلام أبي الهيجاء بن حمدان فكتب إلى أبي تغلب يستصرخه ويستنجده ويعلمه الحال فسير إليه أخاه أبا القاسم هبة الله بن ناصر الدولة واجتمعا على حرب الدمستق وسار إليه فلقياه سلخ رمضان وكان الدمستق في كثرة لكنهما لقياه في مضيق لا تجول فيه الخيل والروم على غير أهبة فانهزموا وأخذ المسلمون الدمستق أسيرا ولم يزل محبوسا إلى أن مرض سنة ثلاث وستين وثلاثمائة فبالغ أبو تغلب في علاجه وجمع الأطباء له فلم ينفعه ذلك ومات
ثم دخلت سنة اثنتين وستين وثلاثمائة
في هذه السنة في شعبان احترق الكرخ حريقا عظيما وسبب ذلك أن صاحب المعونة قتل عاميا فثار به العامة والأتراك فهرب ودخل دار بعض الأتراك فأخرج منها مسحوبا وقتل وأحرق وفتحت السجون فأخرج من فيها فركب الوزير أبو الفضل لأخذ الجناة وأرسل حاجبا له يسمى صافيا في جمع لقتال العامة بالكرخ وكان شديد العصيبة للسنية فألقى النار في عدة اماكن من الكرخ فأحترق حريقا عظيما وكان عدة من احترق فيه سبعة عشر ألف إنسان وثلاثمائة دكان وكثير من الدور وثلاثة وثلاثين مسجدا ومن الأموال ما لا يحصى
وفيها أيضا عزل الوزير أبو الفضل العباس بن الحسين من وزارة عز الدولة بختيار في ذي الحجة
واستوزر محمد بن بقية فعجب الناس لذلك لأنه كان وضيعا في نفسه من أهل أوانا وكان أبوه أحد الزراعين لكنه كان قريبا من بختيار وكان يتولى له المطبخ ويقدم إليه الطعام ومنديل الخوان على كتفه إلى أن استوزر وحبس الوزير أبو الفضل فمات عن قريب فقيل أنه مات مسموما وكان في ولايته مضيعا لجانب الله فمن ذلك أنه أحرق الكرخ ببغداد فهلك فيه من الناس والأموال ما لا يحصى ومن ذلك أنه ظلم الرعية وأخذ الأموال ليفرقها على الجند ليسلم فما سلمه الله تعإلى ولا نفعه ذلك وصدق رسول الله حيث يقول من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس وكان ما فعله من ذلك أبلغ الطرق التي سلكها أعداؤه من الوقيعة فيه والسعي به وتمشى لهم ما أرادوا لما كان عليه من تفريطه في أمر دينه وظلم رعيته وعقب ذلك أن زوجته ماتت وهو محبوس وحاجبه وكاتبه فخربت داره وعفا أثرها نعوذ بالله من سوء الأقدر ونسأله أن يختم بخير أعمالنا فإن الدنيا إلى زوال ما هي وأما ابن بقية فإنه استقامت أموره ومشت الأحوال بين يديه بما أخذه من أموال أبي الفضل وأموال أصحابه فلما فني ذلك عاد إلى ظلم الرعية فانتشرت الأمور على يده وخربت النواحي وظهر العيارون وعملوا ما أرادوا وزاد الاختلاف بين الأتراك وبين بختيار فشرع ابن بقية في اصلاح الحال مع بختيار وسبكتكين فاصطلحوا وكانت هدنة على دخن
وركب سبكتكين إلى بختيار ومعه الأتراك فاجتمع به ثم عاد الحال إلى ما كان عليه من الفساد وسبب ذلك أن ديلميا اجتاز بدار سبكتكين وهو سكران فرمى الروشن بزوبين في يده فاثبته فيه وأحس به سبكتكين فصاح بغلمانه فأخذوه وظن سبكتكين أنه قد وضع على قتله فقرره فلم يعترف وأنفذه إلى بختيار وعرفه الحال فأمر به فقتل فقوي ظن سبكتكين أنه كان وضعه عليه وإنما قتله لئلا يفشي ذلك وتحرك الديلم لقتله وحملوا السلاح ثم أرضاهم بختيار فرجعوا
في هذه السنة في ذي الحجة أرسل عز الدولة بختيار الشريف أبا أحمد الموسوي والد الرضي والمرتضى في رسالة إلى أبي تغلب بن حمدان بالموصل فمضى إليه وعاد في المحرم سنة ثلاث وستين وثلاثمائة
وفيها توفي أبو العباس محمد بن الحسن بن سعيد المخرمي الصوفي صاحب الشبلي بمكة
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
