في هذه السنة في المحرم أغار ملك الروم على الرها ونواحيها وساروا في ديار الجزيرة حتى بلغوا نصيبين فغنموا وسبوا وأحرقوا وخربوا البلاد وفعلوا مثل ذلك بديار بكر ولم يكن من أبي تغلب بن حمدان في ذلك حركة ولا سعى في دفعه لكنه حمل إليه مالا كفه به عن نفسه فسار جماعة من من أهل تلك البلاد إلى بغداد مستنفرين وقاموا في الجوامع والمشاهد واستنفروا المسلمين وذكروا ما فعله الروم من النهب والقتل والأسر والسبي فاستعظمه الناس وخوفهم أهل الجزيرة من انتفاح الطريق وطمع الروم وأنهم لا مانع لهم عندهم فاجتمع معهم أهل بغداد وقصدوا دار الخليفة الطائع لله وأرادوا الهجوم عليه فمنعوا من ذلك وأغلقت الأبواب فأسمعوا ما يقبح ذكرهوكان بختيار حيننئذ يتصيد بنواحي الكوفة فخرج إليه وجوه أهل بغداد مستغيثين منكرين عليه اشتغاله بالصيد وقتال عمران بن شاهين وهو مسلم وترك جهاد الروم ومنعهم عن بلاد الإسلام حتى توغلوها فوعدهم التجهز للغزاة وأرسل إلى الحاجب سبكتكين يأمره بالتجهز للغزو وأن يستفز العامة ففعل سبكتكين ذلك فاجتمع من العامة عدد كثير لا يحصون كثرة وكتب بختيار إلى أبي تغلب بن حمدان صاحب الموصل يأمره بإعداد الميرة والعلوفات ويعرفه عزمه على الغزاة فأجابه بإظهار الفرح وإعداد ما طلب منه
ثم دخلت سنة احدى وستين وثلاثمائة
في هذه السنة وقعت فتنة عظيمة وأظهروا العصبية الزائدة وتحزب الناس وظهر العيارون وأظهروا الفساد وأخذوا أموال الناس وكان سبب ذلك ما ذكرناه من استنفار العامة للغزاة فاجتمعوا وكثروا فتولد بينهم من أصناف البنوية والفتيان والسنية والشيعة والعيارين فنهبت الأموال وقتل الرجال وأحرقت الدور وفي جملة ما احترق محلة الكرخ وكانت معدن التجار والشيعة وجرى بسبب ذلك فتنة بين النقيب أبي أحمد الموسوي والوزير أبي الفضل الشيرازي وعداوة
ثم أن بختيار أنفذ إلى المطيع لله يطلب منه مالا يخرجه في الغزاة فقال المطيع أن الغزاة والنفقة عليها وغيرها من مصالح المسلمين تلزمني إذا كانت الدنيا في يدي وتجبى إلي الأموال وأما إذا كانت حالي هذه فلا يلزمني شيء من ذلك وأنما يلزم من البلاد في يده وليس إلا الخطبة فان شئتم أن اعتزل فعلت وترددت الرسائل بينهما حتى بلغوا إلى التهديد فبذل المطيع لله أربعمائة ألف درهم فاحتاج إلى بيع ثيابه وأنقاض داره وغير ذلك وشاع بين الناس من العراقيين وحجاج خراسان وغيرهم أن الخليفة قد صودر فلما قبض بختيار المال صرفه في مصالحة وبطل حديث الغزاة
في هذه السنة سار المعز لدين الله العلوي من أفريقية يريد الديار المصريه وكان أول مسيرة أواخر شوال من سنة إحدى وستين وثلاثمائة وكان أول رحيله من المنصورية فأقام بسردانية وهي قرية من القيروان ولحقه بها رجاله وعماله واهل بيته وجمع ما كان في فصره من أموال وأمتعة وغير ذلك حتى أن الدنانير سبكت وجعلت كهية الطواحين وحمل كا طاحونتين على جمل وسار عنها واستعمل على بلاد أفريقية يوسف بلكين بن زيري بن مناد الصنهاجي الجميري إلا أنه لم يجعل له حكما على جزيرة صقلية ولا على مدينة طرابلس الغرب ولا على أجدابية وسرت وجعل على صقلية حسن بن علي بن أبي الحسين على ما قدمنا ذكره وجعل على طرابلس عبد الله بن يخلف الكتامي وكان أسيرا عنده وجعل على جباية أموال أفريقية زيادة الله بن القديم وعلى الخراج عبد الجبار الخراساني وحسين بن خلف الموصدي وأمرهم بالانقياد ليوسف بن زيري
فأقام بسردانية أربعة أشهر حتى فرغ من جميع ما يريد ثم رحل عنها ومعه يوسف بلكين وهو يوصيه بما يفعله ونحن نذكر آنفا من سلف يوسف بلكين وأهله ما تمس الحاجة إليه ورد يوسف إلى أعماله وسار إلى طرابلس ومعه جيوشه وحواشيه فهرب منه بهما جمع من عسكره إلى جبال نفوسة فطلبهم فلم يقدر عليهم ثم سار إلى مصر فلما وصل إلى برقة ومعه محمد بن هانئ الشاعر الأندلسي قتل غيلة فرؤي ملقى على جانب البحر قتيلا لا يدري من قتله وكان قتله أواخر رجب من سنة اثنتين وستين وثلاثمائة وكان من الشعراء المجيدين إلا أنه غإلى في مدح المعز حتى كفره العلماء فمن ذلك قوله
( ما شئت لا ما شاءت الأقدار % فاحكم فأنت الواحد القهار )
وقوله ولطالما زاحمت ركابه جبريلا
ومن ذلك ينسب إليه ولم أجدها في ديوانه قوله
( حل برقادة المسيح % حل بها آدم ونوح )
( حل بها الله ذو المعالي % فكل شيء سواه ريح )
ورقادة اسم مدينة بالقرب من القيروان إلى غير ذلك وقد تأول ذلك من يتعصب له والله أعلم وبالجملة فقد جاوز حد المديح ثم سار المعز حتى وصل إلى الإسكندرية أواخر شعبان من السنة وأتاه أهل مصر وأعيانها فلقيهم وأكرمهم وأحسن إليهم وسار فدخل القاهرة خامس شهر رمضان سنة اثنتين وستين وثلاثمائة وأنزل عساكره مصر والقاهرة في الديار وبقي كثير منهم في الخيام وأما يوسف بلكين فإنه لما عاد من وداع المعز أقام بالمنصورية يعقد الولايات للعمال على البلاد ثم سار في البلاد وباشر الأعمال وطيب قلوب الناس فوثب أهل باغاية على عامله فقاتلوه فهزموه فسير إليهم يوسف جيشا فقاتلهم فلم يقدرعليهم فأرسل إلى يوسف يعرفه الحال فتأهب يوسف وجمع العساكر ليسير إليهم فبينما هو في التجهز أتاه الخبر عن تاهرت أن أهلها قد عصوا وخالفوا وأخرجوا عامله فرحل إلى تاهرت فقاتلها فظفر باهلها وخربها فأتاه الخبر بها أن زناتة قد نزلوا على تلمسان فرحل إليهم فهربوا منه وأقام على تلمسان فحصرها مدة ثم نزلوا على حكمه فعفا عنهم إلا أنه نقلهم إلى مدينة أشير فبنوا عندها مدينة سموها تلمسان
ثم إن زيادة الله بن القديم جرى بينه وبين عامل آخر كان معه اسمه عبد الله بن محمد الكاتب منافسة صارت إلى محاربة واجتمع مع كل واحد منهما جماعة وكان بينهما حروب عدة دفعات وكان يوسفة بلكين مائلا مع عبد الله لصحبة قديمة بينهما ثم إن أبا عبد الله قبض على ابن القديم وسجنه واستبد الأمور بعده وبقي ابن القديم محبوسا حتى توفي المعز بمصر وقوي أمر يوسف بلكين
وفي سنة أربع وستين طلع خلف بن حسين إلى قلعة منيعة فاجتمع إليه خلق كثير من البربر وغيرهم وكان من أصحاب ابن القديم المساعدين له فسمع يوسف بذلك فسار إليه ونازل القلعة وحاربه فقتل بينهما عدة قتلى وافتتحها وهرب خلف بن حسين وقتل ممن كان بها خلق كثير وبعث إلى القيروان من رؤوسهم سبعة آلاف رأس ثم أخذ خلف وأمر به فطيف به على جمل ثم صلب وسير رأسه إلى مصر فلما سمع أهل باغاية بذلك خافوا فصالحوا يوسف ونزلوا على حكمه فأخرجهم من باغاية وخرب سورها
هو يوسف بلكين بن زيري بن مناد الصنهاجي الحميري اجتمعت صنهاجة ومن والاها بالمغرب على طاعته قبل أن يقدمه المنصور وكان أبوه مناد كبيرا في قومه كثير المال والولد حسن الضيافة لمن يمر به وتقدم ابنه زيري في أيامه وقاد كثيرا من صنهاجة وأغاربهم وسبى فحسدته زناتة وجمعت له لتسير إليه وتحاربه فسار إليهم مجدا فكبسهم ليلا وهم غارون بأرض مغيلة فقتل منهم كثيرا وغنم ما معهم فكثر تبعه فضاقت بهم أرضهم فقالوا له لو اتخذت لنا بلدا غير هذا فسار بهم إلى موضع مدينة أشير فرأى ما فيه من العيون فاستحسنه وبنى فيه مدينة أشير وسكنها هو وأصحابه وكان ذلك سنة أربع وستين وثلاثمائة وكانت زناتة تفسد في البلاد فإذا طلبوا احتمعوا بالجبال والبراري فلما بنيت أشير صارت صنهاجة بين البلاد وبين زناتة والبربر فسر بذلك القائم
وسمع زيري بغمارة وفسادهم واستحلالهم المحرمات وإنهم قد ظهر فيهم نبي فسار إليهم وغزاهم وظفر بهم وأخذ الذي كان يدعي النبوة أسيرا وأحضر الفقهاء فقتله ثم كان له أثر حسن في حادثة أبي يزيد الخارجي وحمل الميرة إلى القائم بالمهدية فحسن موقعها منه ثم إن زناتة حصرت مدينة أشير فجمع لهم زيري جموعا كثيرة وجرى بينهم عدة وقعات قتل فيها كثير من الفريقين ثم ظفر بهم واستباحهم ثم ظهر بجبل أوراس رجل وخالف على المنصور وكثر جمعه يقال له سعيد بن يوسف فسير إليه زيري ولده بلكين في جيش كثيف فلقيه عند باغاية واقتتلوا فقتل الخارجي ومن معه من هوارة وغيرهم فزاد محله عند المنصور وكان له في فتح مدينة فاس أثر عظيم على ما ذكرناه ثم أن بلكين بن زيري قصد محمد بن الحسين بن خزر الزناتي وقد خرج عن طاعة المعز وكثر جمعه وعظم شأنه فظفر به يوسف بلكين وأكثر القتل في أصحابه فسر المعز بذلك سرورا عظيما لأنه كان يريد أن يستخلف يوسف بلكين على الغرب لقوته وكثرة أتباعه وكان يخاف أن بتغلب على البلاد بعد مسيره عنها إلى مصر فلما اسحكمت الوحشة بينه وبين زناتة أمن تغلبة على البلاد ثم إن جعفر بن علي صاحب مدينة مسيلة وأعمال الزاب كان بينه وبين زيري محاسدة فلما كثر تقدم زيري عند المعز ساء ذلك جعفرا ففارق بلاده ولحق بزناتة فقبلوه قبولا عظيما وملكوه عليهم عداوة لزيري وعصى على المعز فسار زيري إليه في جمع كثير من صنهاجة وغيرهم فالتقوا في شهر رمضان واشتد القتال بينهم فكبا بزيري فرسه فوقع فقتل ورأى جعفر من زناتة تغيرا عن طاعته وندما على قتل زيري فقال لهم إن ابنه يوسف بلكين لا يترك ثأر أبيه ولا يرضى بمن قتل منكم والرأي أن نتحصن بالجبال المنيعة والأوعار فاجأبوه إلى ذلك فحمل ماله وأهله في المراكب وبقي هو مع الزناتيين وأمر عبيدة في المراكب أن يعملوا في المراكب فتنة ففعلوا وهو يشاهدهم من البر فقال لزناتة أريد أنظر ما سبب هذا الشر فصعد المركب ونجا معهم وسار إلى الأندلس إلى الحاكم الأموي فأكرمه وأحسن إليه وندمت زناتو كيف لم يقتلوه ويغنموا ما معه ثم أن يوسف بلكين جمع فأكثر وقصد زناتة وأكثر القتل فيهم وسبى نساءهم وغنم أولادهم وأمر أن يجعل القدور على رؤوسهم ويطبخ فيها ولما سمع المعز بذلك سره أيضا وزاد في إقطاع بلكين المسيلة وأعمالها وعظم شأنه ونذكر باقي أحواله بعد ملكه أفريقية
في هذه السنة تم الصلح بين الأمير منصور بن نوح الساماني صحاب خراسان وما وراء النهر وبين ركن الدولة وابنه عضد الدولة على أن يحمل ركن الدولة وعضد الدولة إليه كل سنة مائة ألف وخمسين ألف دينار وتزوج نوح بابنة عضد الدولة وحمل إليه من الهدايا والتحف ما لم يحمل مثله وكتب بينهم كتاب صلح وشهد فيه أعيان خراسان وفارس والعراق وكان الذي سعى في هذا الصلح وقرره محمد بن إبراهيم بن سيمجور صاحب جيوش خراسان من جهة الأير منصور
في هذه السنة في صفر انقض كوكب عظيم وله نور كثير وسمع له عند انقضاضه صوت كالرعد وبقي ضوؤه
وفي شوال منها ملك أبو تغلب بن حمدان قلعة ماردين سلمها إليه نائب أخيه حمدان فأخذ أبو تغلب كل ما كان لأخيه فيها من أهل ومال وأثاث وسلاح وحمل الجميع إلى الموصل
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
