الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء السابع / ثم دخلت سنة احدى وستين وثلاثمائة
53

ثم دخلت سنة احدى وستين وثلاثمائة

الجزء السابع 6 عنصر صفحة 328
ذكر ما فعله الروم بالجزيرة ص 328

في هذه السنة في المحرم أغار ملك الروم على الرها ونواحيها وساروا في ديار الجزيرة حتى بلغوا نصيبين فغنموا وسبوا وأحرقوا وخربوا البلاد وفعلوا مثل ذلك بديار بكر ولم يكن من أبي تغلب بن حمدان في ذلك حركة ولا سعى في دفعه لكنه حمل إليه مالا كفه به عن نفسه فسار جماعة من من أهل تلك البلاد إلى بغداد مستنفرين وقاموا في الجوامع والمشاهد واستنفروا المسلمين وذكروا ما فعله الروم من النهب والقتل والأسر والسبي فاستعظمه الناس وخوفهم أهل الجزيرة من انتفاح الطريق وطمع الروم وأنهم لا مانع لهم عندهم فاجتمع معهم أهل بغداد وقصدوا دار الخليفة الطائع لله وأرادوا الهجوم عليه فمنعوا من ذلك وأغلقت الأبواب فأسمعوا ما يقبح ذكرهوكان بختيار حيننئذ يتصيد بنواحي الكوفة فخرج إليه وجوه أهل بغداد مستغيثين منكرين عليه اشتغاله بالصيد وقتال عمران بن شاهين وهو مسلم وترك جهاد الروم ومنعهم عن بلاد الإسلام حتى توغلوها فوعدهم التجهز للغزاة وأرسل إلى الحاجب سبكتكين يأمره بالتجهز للغزو وأن يستفز العامة ففعل سبكتكين ذلك فاجتمع من العامة عدد كثير لا يحصون كثرة وكتب بختيار إلى أبي تغلب بن حمدان صاحب الموصل يأمره بإعداد الميرة والعلوفات ويعرفه عزمه على الغزاة فأجابه بإظهار الفرح وإعداد ما طلب منه

ذكر الفتنة ببغداد ص 329

في هذه السنة وقعت فتنة عظيمة وأظهروا العصبية الزائدة وتحزب الناس وظهر العيارون وأظهروا الفساد وأخذوا أموال الناس وكان سبب ذلك ما ذكرناه من استنفار العامة للغزاة فاجتمعوا وكثروا فتولد بينهم من أصناف البنوية والفتيان والسنية والشيعة والعيارين فنهبت الأموال وقتل الرجال وأحرقت الدور وفي جملة ما احترق محلة الكرخ وكانت معدن التجار والشيعة وجرى بسبب ذلك فتنة بين النقيب أبي أحمد الموسوي والوزير أبي الفضل الشيرازي وعداوة

ثم أن بختيار أنفذ إلى المطيع لله يطلب منه مالا يخرجه في الغزاة فقال المطيع أن الغزاة والنفقة عليها وغيرها من مصالح المسلمين تلزمني إذا كانت الدنيا في يدي وتجبى إلي الأموال وأما إذا كانت حالي هذه فلا يلزمني شيء من ذلك وأنما يلزم من البلاد في يده وليس إلا الخطبة فان شئتم أن اعتزل فعلت وترددت الرسائل بينهما حتى بلغوا إلى التهديد فبذل المطيع لله أربعمائة ألف درهم فاحتاج إلى بيع ثيابه وأنقاض داره وغير ذلك وشاع بين الناس من العراقيين وحجاج خراسان وغيرهم أن الخليفة قد صودر فلما قبض بختيار المال صرفه في مصالحة وبطل حديث الغزاة

ذكر مسيرة المعز لدين الله العلوي من الغرب إلى مصر ص 329

في هذه السنة سار المعز لدين الله العلوي من أفريقية يريد الديار المصريه وكان أول مسيرة أواخر شوال من سنة إحدى وستين وثلاثمائة وكان أول رحيله من المنصورية فأقام بسردانية وهي قرية من القيروان ولحقه بها رجاله وعماله واهل بيته وجمع ما كان في فصره من أموال وأمتعة وغير ذلك حتى أن الدنانير سبكت وجعلت كهية الطواحين وحمل كا طاحونتين على جمل وسار عنها واستعمل على بلاد أفريقية يوسف بلكين بن زيري بن مناد الصنهاجي الجميري إلا أنه لم يجعل له حكما على جزيرة صقلية ولا على مدينة طرابلس الغرب ولا على أجدابية وسرت وجعل على صقلية حسن بن علي بن أبي الحسين على ما قدمنا ذكره وجعل على طرابلس عبد الله بن يخلف الكتامي وكان أسيرا عنده وجعل على جباية أموال أفريقية زيادة الله بن القديم وعلى الخراج عبد الجبار الخراساني وحسين بن خلف الموصدي وأمرهم بالانقياد ليوسف بن زيري

فأقام بسردانية أربعة أشهر حتى فرغ من جميع ما يريد ثم رحل عنها ومعه يوسف بلكين وهو يوصيه بما يفعله ونحن نذكر آنفا من سلف يوسف بلكين وأهله ما تمس الحاجة إليه ورد يوسف إلى أعماله وسار إلى طرابلس ومعه جيوشه وحواشيه فهرب منه بهما جمع من عسكره إلى جبال نفوسة فطلبهم فلم يقدر عليهم ثم سار إلى مصر فلما وصل إلى برقة ومعه محمد بن هانئ الشاعر الأندلسي قتل غيلة فرؤي ملقى على جانب البحر قتيلا لا يدري من قتله وكان قتله أواخر رجب من سنة اثنتين وستين وثلاثمائة وكان من الشعراء المجيدين إلا أنه غإلى في مدح المعز حتى كفره العلماء فمن ذلك قوله

( ما شئت لا ما شاءت الأقدار % فاحكم فأنت الواحد القهار )

وقوله ولطالما زاحمت ركابه جبريلا

ومن ذلك ينسب إليه ولم أجدها في ديوانه قوله

( حل برقادة المسيح % حل بها آدم ونوح )

( حل بها الله ذو المعالي % فكل شيء سواه ريح )

ورقادة اسم مدينة بالقرب من القيروان إلى غير ذلك وقد تأول ذلك من يتعصب له والله أعلم وبالجملة فقد جاوز حد المديح ثم سار المعز حتى وصل إلى الإسكندرية أواخر شعبان من السنة وأتاه أهل مصر وأعيانها فلقيهم وأكرمهم وأحسن إليهم وسار فدخل القاهرة خامس شهر رمضان سنة اثنتين وستين وثلاثمائة وأنزل عساكره مصر والقاهرة في الديار وبقي كثير منهم في الخيام وأما يوسف بلكين فإنه لما عاد من وداع المعز أقام بالمنصورية يعقد الولايات للعمال على البلاد ثم سار في البلاد وباشر الأعمال وطيب قلوب الناس فوثب أهل باغاية على عامله فقاتلوه فهزموه فسير إليهم يوسف جيشا فقاتلهم فلم يقدرعليهم فأرسل إلى يوسف يعرفه الحال فتأهب يوسف وجمع العساكر ليسير إليهم فبينما هو في التجهز أتاه الخبر عن تاهرت أن أهلها قد عصوا وخالفوا وأخرجوا عامله فرحل إلى تاهرت فقاتلها فظفر باهلها وخربها فأتاه الخبر بها أن زناتة قد نزلوا على تلمسان فرحل إليهم فهربوا منه وأقام على تلمسان فحصرها مدة ثم نزلوا على حكمه فعفا عنهم إلا أنه نقلهم إلى مدينة أشير فبنوا عندها مدينة سموها تلمسان

ثم إن زيادة الله بن القديم جرى بينه وبين عامل آخر كان معه اسمه عبد الله بن محمد الكاتب منافسة صارت إلى محاربة واجتمع مع كل واحد منهما جماعة وكان بينهما حروب عدة دفعات وكان يوسفة بلكين مائلا مع عبد الله لصحبة قديمة بينهما ثم إن أبا عبد الله قبض على ابن القديم وسجنه واستبد الأمور بعده وبقي ابن القديم محبوسا حتى توفي المعز بمصر وقوي أمر يوسف بلكين

وفي سنة أربع وستين طلع خلف بن حسين إلى قلعة منيعة فاجتمع إليه خلق كثير من البربر وغيرهم وكان من أصحاب ابن القديم المساعدين له فسمع يوسف بذلك فسار إليه ونازل القلعة وحاربه فقتل بينهما عدة قتلى وافتتحها وهرب خلف بن حسين وقتل ممن كان بها خلق كثير وبعث إلى القيروان من رؤوسهم سبعة آلاف رأس ثم أخذ خلف وأمر به فطيف به على جمل ثم صلب وسير رأسه إلى مصر فلما سمع أهل باغاية بذلك خافوا فصالحوا يوسف ونزلوا على حكمه فأخرجهم من باغاية وخرب سورها

ذكر خبر يوسف بلكين بن زيري بن مناد واهل بيته ص 332

هو يوسف بلكين بن زيري بن مناد الصنهاجي الحميري اجتمعت صنهاجة ومن والاها بالمغرب على طاعته قبل أن يقدمه المنصور وكان أبوه مناد كبيرا في قومه كثير المال والولد حسن الضيافة لمن يمر به وتقدم ابنه زيري في أيامه وقاد كثيرا من صنهاجة وأغاربهم وسبى فحسدته زناتة وجمعت له لتسير إليه وتحاربه فسار إليهم مجدا فكبسهم ليلا وهم غارون بأرض مغيلة فقتل منهم كثيرا وغنم ما معهم فكثر تبعه فضاقت بهم أرضهم فقالوا له لو اتخذت لنا بلدا غير هذا فسار بهم إلى موضع مدينة أشير فرأى ما فيه من العيون فاستحسنه وبنى فيه مدينة أشير وسكنها هو وأصحابه وكان ذلك سنة أربع وستين وثلاثمائة وكانت زناتة تفسد في البلاد فإذا طلبوا احتمعوا بالجبال والبراري فلما بنيت أشير صارت صنهاجة بين البلاد وبين زناتة والبربر فسر بذلك القائم

وسمع زيري بغمارة وفسادهم واستحلالهم المحرمات وإنهم قد ظهر فيهم نبي فسار إليهم وغزاهم وظفر بهم وأخذ الذي كان يدعي النبوة أسيرا وأحضر الفقهاء فقتله ثم كان له أثر حسن في حادثة أبي يزيد الخارجي وحمل الميرة إلى القائم بالمهدية فحسن موقعها منه ثم إن زناتة حصرت مدينة أشير فجمع لهم زيري جموعا كثيرة وجرى بينهم عدة وقعات قتل فيها كثير من الفريقين ثم ظفر بهم واستباحهم ثم ظهر بجبل أوراس رجل وخالف على المنصور وكثر جمعه يقال له سعيد بن يوسف فسير إليه زيري ولده بلكين في جيش كثيف فلقيه عند باغاية واقتتلوا فقتل الخارجي ومن معه من هوارة وغيرهم فزاد محله عند المنصور وكان له في فتح مدينة فاس أثر عظيم على ما ذكرناه ثم أن بلكين بن زيري قصد محمد بن الحسين بن خزر الزناتي وقد خرج عن طاعة المعز وكثر جمعه وعظم شأنه فظفر به يوسف بلكين وأكثر القتل في أصحابه فسر المعز بذلك سرورا عظيما لأنه كان يريد أن يستخلف يوسف بلكين على الغرب لقوته وكثرة أتباعه وكان يخاف أن بتغلب على البلاد بعد مسيره عنها إلى مصر فلما اسحكمت الوحشة بينه وبين زناتة أمن تغلبة على البلاد ثم إن جعفر بن علي صاحب مدينة مسيلة وأعمال الزاب كان بينه وبين زيري محاسدة فلما كثر تقدم زيري عند المعز ساء ذلك جعفرا ففارق بلاده ولحق بزناتة فقبلوه قبولا عظيما وملكوه عليهم عداوة لزيري وعصى على المعز فسار زيري إليه في جمع كثير من صنهاجة وغيرهم فالتقوا في شهر رمضان واشتد القتال بينهم فكبا بزيري فرسه فوقع فقتل ورأى جعفر من زناتة تغيرا عن طاعته وندما على قتل زيري فقال لهم إن ابنه يوسف بلكين لا يترك ثأر أبيه ولا يرضى بمن قتل منكم والرأي أن نتحصن بالجبال المنيعة والأوعار فاجأبوه إلى ذلك فحمل ماله وأهله في المراكب وبقي هو مع الزناتيين وأمر عبيدة في المراكب أن يعملوا في المراكب فتنة ففعلوا وهو يشاهدهم من البر فقال لزناتة أريد أنظر ما سبب هذا الشر فصعد المركب ونجا معهم وسار إلى الأندلس إلى الحاكم الأموي فأكرمه وأحسن إليه وندمت زناتو كيف لم يقتلوه ويغنموا ما معه ثم أن يوسف بلكين جمع فأكثر وقصد زناتة وأكثر القتل فيهم وسبى نساءهم وغنم أولادهم وأمر أن يجعل القدور على رؤوسهم ويطبخ فيها ولما سمع المعز بذلك سره أيضا وزاد في إقطاع بلكين المسيلة وأعمالها وعظم شأنه ونذكر باقي أحواله بعد ملكه أفريقية

ذكر الصلح بين الأمير منصور بن نوح وبين ركن الدولة وعضد الدولة ص 333

في هذه السنة تم الصلح بين الأمير منصور بن نوح الساماني صحاب خراسان وما وراء النهر وبين ركن الدولة وابنه عضد الدولة على أن يحمل ركن الدولة وعضد الدولة إليه كل سنة مائة ألف وخمسين ألف دينار وتزوج نوح بابنة عضد الدولة وحمل إليه من الهدايا والتحف ما لم يحمل مثله وكتب بينهم كتاب صلح وشهد فيه أعيان خراسان وفارس والعراق وكان الذي سعى في هذا الصلح وقرره محمد بن إبراهيم بن سيمجور صاحب جيوش خراسان من جهة الأير منصور

ذكر عدة حوادث ص 334

في هذه السنة في صفر انقض كوكب عظيم وله نور كثير وسمع له عند انقضاضه صوت كالرعد وبقي ضوؤه

وفي شوال منها ملك أبو تغلب بن حمدان قلعة ماردين سلمها إليه نائب أخيه حمدان فأخذ أبو تغلب كل ما كان لأخيه فيها من أهل ومال وأثاث وسلاح وحمل الجميع إلى الموصل

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.