الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء السابع / ثم دخلت سنة تسع وخمسين وثلاثمائة
51

ثم دخلت سنة تسع وخمسين وثلاثمائة

الجزء السابع 10 عنصر صفحة 317
ذكر ملك الروم مدينة أنطاكية ص 317

في هذه السنة في المحرم ملك الروم مدينة أنطاكية وسبب ذلك أنهم حصروا حصنا بالقرب من أنطاكية يقال له حصن لوقا وانهم وافقوا أهله وهم نصارى على أن يرتحلوا منه إلى أنطاكية أعانوهم على فتحها وانصرف الروم عنهم بعد موافقتهم على ذلك وانتقل أهل الحصن ونزلوا بانطاكية بالقرب من الجبل الذي بها فلما كان بعد انتقالهم بشهرين وافى الروم مع أخي تقفور الملك وكانوا نحوا أربعين ألف رجل فأحاطوا بسور أنطاكية وصعدوا الجبل إلى الناحية التي بها أهل حصن لوقا فلما رآهم أهل البلد قد ملكوا تلك الناحية طرحوا أنفسهم من السور وملك الروم البلد ووضعوا في أهله السيف ثم اخرجوا المشايخ والعجائز والأطفال من البلد وقالوا لهم اذهبوا حيث شئتم فأخذوا الشباب من الرجال والنساء والصبيان والصبايا فحملوهم إلى بلاد الروم سبيا وكانوا يزيدون على عشرين ألف إنسان وكان حصرهم له في ذي الحجة

ذكر ملك الروم مدينة حلب وعودهم عنها ص 317

لما ملك الروم أنطاكية أنفذوا جيشا كثيفا إلى حلب وكان أبو المعالي شريف بن سيف الدولة محاصرا لها وبها قرعويه السيفي متغلبا عليها فلما سمع أبو المعالي خبرهم فارق حلب وقصد البرية ليبعد عنهم وحصروا البلد وفيه قرعويه وأهل البلد قد تحصنوا بالقلعة فملك الروم المدينة وحصروا القلعة فخرج إليهم جماعة من أهل حلب وتوسطوا بينهم وبين قرعويه وترددت الرسل فاستقر الأمر بينهم على هذنة مؤيدة على مال يحمله قرعويه إليهم وأن يكون الروم إذا أرادوا الغزاة لا يمكن قرعويه أهل القرايا من الجلاء عنها ليبتاع الروم ما يحتاجون إليه منها وكان مع حلب حماة وحمص وكفرطاب والمعرة وأفامية وشيرز وما بين ذلك من الحصون والقرايا وسلموا الرهائن إلى الروم وعدوا عن حلب وتسلمها المسلمون

ذكر ملك الروم ملازكرد ص 318

وفيها أرسل ملك الروم جيشا إلى ملازكرد من أعمال ارمينية فحصروها وضيقوا على من بها من المسلمين وملكوها عنوة وقهرا وعظمت شوكتهم وخافهم المسلمون في أقطار البلاد وصارت كلها سائبة لا تمتنع عليهم يقصدون أيها شاؤوا

ذكر مسير ابن العميد إلى حسنويه ص 318

وفي هذه السنة جهز ركن الدولة وزيره أبا الفضل بن العميد في جيش كثيف وسيرهم إلى بلد حسنويه وكان سبب ذلك أن حسنويه بن الحسين الكردي كان قد قوي واستفحل أمره لاشتغال ركن الدولة بما هو أهم منه وأنه كان يعين الديلم على جيوش خراسان إذا قصدتهم فكان ركن الدولة يراعيه لذلك ويغضي على ما يبدو منه وكان يتعرض إلى القوافل وغيرها بخفارة فبلغ ذلك ركن الدولة فسكت عنه فلما كان الآن وقع بينه وبين سهلان بن مسافر خلاف أدى إلى أن قصده سهلان وحاربه وهزمه حسنويه فانحاز هو وأصحابه إلى مكان اجتمعوا فيه فقصدهم حسنويه وحصرهم فيه ثم إنه جمع من الشوك والنبات وغيره شيئا كثيرا وفرقه في نواحي أصحاب سهلان وألقى فيه النار وكان الزمان صيفا فاشتد عليهم الأمر حتى كادوا يهلكون فلما عاينوا الهلاك طلبوا الأمان فأمنهم فأخذهم عن آخرهم وبلغ ذلك ركن الدولة فلم يحتمله له فحيننئذ أمر ابن العميد بالمسير إليه فتجهز وسار في المحرم ومعه ولده أبو الفتح وكان شابا مرحا قد أبطره الشباب والأمر والنهي وكان يظهر منه ما يغضب بسببه والده وازدادت علته وكان به نقرس وغيره من الأمراض فلما وصل إلى همذان توفي بها وقام ولده مقامه فصالح حسنويه على مال أخذه منه وعاد إلى الري إلى خدمة ركن الدولة وكان والده يقول عند موته مل قتلني إلا ولدي وما أخاق على بيت العميد أن يخرب ويهلكوا إلا منه فكان على ما ظن

وكان أبو الفضل بن العميد من محاسن الدنيا قد اجتمع فيه ما لم يجتمع في غيره من حسن التدبير وسياسة الملك والكتابة التي أتي فيها بكل بديع وكان عالما في عدة فنون منها الأدب فإنه كان من العلماء به ومنها حفظ أشعار العرب فإنه حفظ منها ما لم يحفظ غيره مثله ومنها علوم الأوائل فإنه كان ماهرا فيها مع سلامة اعتقاد إلى غير ذلك من الفضائل ومع حسن خلق ولين عشرة مع أصحابه وجلسائه وشجاعة تامة ومعرفة بأمور الحرب والمحاصرات وبه تخرج عضد الدولة ومنه تعلم ساسية الملك ومحبة العلم والعلماء وكان عمر ابن العميد قد زاد على ستين سنة يسيرا وكانت وزارته أربعا وعشرين سنة

ذكر قتل تقفور ملك الروم ص 319

في هذه السنة قتل تقفور ملك الروم ولم يكن من أهل بيت المملكة وإنما كان دمستقا والدمستق عندهم الذي كان يلي بلاد الروم التي هي شرقي خليج القسطنطينية وأكثرهم اليوم بيد أولاد قلج أرسلان وكان كل من يليها بلقب بالدمستق وكان هذا تقفور شديدا على المسلمين وهو الذي أخذ حلب أيام سيف الدولة فعظم شأنه عند الروم وهو أيضا الذي فتح طرسوس المصيصة وأذنة وعين رزبى وغيرها ولم يكن نصراني الأصل وإنما هو من ولد رجل مسلم من طرسوس يعرف بابن الفقاس تنصر وكان ابنه هذا شهما شجاعا حسن التدبير لما يتولاه فلما عظم أمره وقوي شأنه قتل الملك الذي كان قبله وملك الروم بعده وقد ذكرنا هذا جميعه

فلما ملك تزوج امرأة الملك المقتول على كره منها وكان لها من الملك المقتول ابنان وجعل تقفور همته قصد بلاد الإسلام والإستيلاء عليها وتم له ما أراد باشتغال ملوك الإسلام بعضهم ببعض فدوخ البلاد وكان قد بنى أمره على أن يقصد سواد البلاد فينهبه ويخربه فيضعف البلاد فيملكها وغلب على الثغور الجزرية والشامية وسبا وأسر ما يخرج عن الحصر وهابه المسلمون هيبة عظيمة ولم يشكوا في أنه يملك جميع الشام ومصر والجزيرة وديار بكر لخلو الجميع من مانع فلما استفحل أمره أتاه أمر الله من حثث لم يحتسب وذلك أنه عزم على أن يخصي ابني الملك المقتول لينقطع نسلهما ولا يعارض أحد أولاده في الملك فلما علمت أمهما ذلك قلقت منه واحتالت على قتله فأرسلت إلى ابن الشمشقيق وهو الدمستق حيننئذ ووافقته على أن يصير إليها في زي النساء ومعه جماعة وقالت لزوجها إن نسوة من اهلها قد زاروها فلما صار إليها وهو من معه جعلتهم في بيعة تتصل بدار الملك وكان ابن الشمشقيق شديد الخوف منه لعظم هيبته فاستجاب للمرأة إلى ما دعته إليه فلما كان ليلة الميلاد من هذه السنة نام تقفور واستثقل في نومه ففتحت امرأته الباب ودخلوا إليه فقتلوه وثار بهم جماعة من أهله وخاصته فقتل منهم نيف وسبعون رجلا وأجلس في الملك الأكبر من ولدي الملك المقتول وصار المدبر له ابن الشمشقيق ويقال إن تقفور ما بات قط إلا بسلاح إلا تلك الليلة لما يريده الله تعالى من قتله وفناء أجله

ذكر ملك أبي تغلب مدينة حران ص 320

في هذه السنة في الثاني والعشرين من جمادى الأولى سار أبو تغلب بن ناصر الدولة بن حمدان إلى حران فرأى أهلها قد أغلقوا أبوابها وامتنعوا منه فنازلهم وحصرهم فرعى أصحابه زروع تلك الأعمال وكان الغلاء في العسكر كثيرا فبقي كذلك إلى ثالث عشر جمادى الآخرة فخرج إليه نفران من أعيان أهلها ليلا وصالحاه وأخذا الأمان لاهل البلد وعادا فلما أصبحا أعلما أهل حران ما فعلاه فاضطربوا وحملوا السلاح وأرادوا قتلهما فسكنهم بعض أهلها فسكنوا واتفقوا على إتمام الصلح وخرجوا جميعهم إلى أبي تغلب وفتحوا أبواب البلد ودخله أبو تغلب وإخوته وجماعة من أصحابه وصلوا به الجمعة وخرجوا إلى معسكرهم واستعمل عليهم سلامة البرقعيدي لأنه طلبه أهله لحسن سيرته وكان إليه أيضا عمل الرقة وهو من أكابر أصحاب بني حمدان وعاد أبو تغلب إلى الموصل ومعه جماعة من أحداث حران وسبب سرعة عوده أن بني نمير عاثوا في بلد الموصل وقتلوا العامل ببرقعيد فعاد إليهم ليكفهم

ذكر قتل سلميان بن أبي علي بن إلياس ص 320

في هذه السنة قتل سايمان بن أبي علي بن الياس الذي كان والده صاحب كرمان وسبب ذلك أنه ذكر للأمير منصور بن نوح صاحب خراسان أن أهل كرمان من القفص والبلوص معه وفي طاعته وأطعمه في كرمان فسير معه عسكرا اليها فلما وصل إليها وافقه القفص والبلوص وغيرهما من الأمم المفارقة لطاعة عضد الدولة فاستفحل أمره وعظم جمعه فلقيه كوركير بن جستان خليفة عضد الدولة بكرمان وحاربه فقتل سليمان وابنا أخيه اليسع وهمل بكر والحسين وعدد كثير من القواد والخراسانية وحملت رؤوسهم إلى عضد الدولة بشيراز فسيرها إلى أبيه ركن الدولة فأخد منهم جماعة كثيرة أسرى

ذكر الفتنة بصقلية ص 321

وفي هذه السنة استعمل المعز لدين الله الخليفة العلوي على جزيرة يعيش مولى الحسن بن علي بن أبي الحسين فجمع القبائل في دار الصناعة فوقع الشر بين موالي كتامة والقبائل فاقتتلوا فقتل من موالي كتامة كثير وقتل من الموالي بناحية سرقوسة جماعة وازداد الشر بينهم وتمكنت العداوة وسعى يعيش في الصلح فلم يوافقوه وتطاول أهل الشر من كل ناحية ونهبوا وأفسدوا واستطالوا على أهل المراعي واستطالوا على أهل القلاع المستأمنة فبلغ الخبر إلى المعز فعزل يعيش واستعمل أبا القاسم بن الحسن بن علي بن أبي الحسين نيابة عن أخيه أحمد فسار إليها فلما وصل فرح به الناس وزال الشر من بينهم واتفقوا على طاعته

ذكر حصر عمران بن شاهين ص 321

في هذه السنة في شوال انحدر بختيار إلى البطيحة لمحاصرة عمران بن شاهين فأقام بواسط يتصيد شهرا ثم أمر وزيره أبا الفضل أن ينحدر إلى الجامدة وطفوف البطيحة وبنى أمره على أن يسد أفواه الانهار ومجاري المياه إلى البطيحة ويردها إلى دجلة والفاروث وربع طير فبنى المسنيات التي يمكن السلوك عليها إلى العراق فطالت الأيام وزادت دجلة فخربت ما عملوه وانتقل عمران إلى معقل آخر من معاقل البطيحة ونقل كل ماله إليه فلما نقصت المياه واستقامت الطرق وجدوا مكان عمران بن شاهين فارغا فطالت الأيام وضجر الناس من المقام وكرهوا تلك الأرض من الحر والبق والضفادع وإنقطاع المواد التي ألفوها وشغب الجند على الوزير وشتموه وأبوا أن يقيموا فاضطر بختيار إلى مصالحة عمران على مال يأخذه منه وكان عمران قد خافه في الأول وبذل له خمسة آلاف ألف درهم فلما رأى اضطراب أمر بختيار بذل الفي ألف درهم في نجوم ولم يسلم إلهيم رهائن ولا حلف لهم على تأدية المال ولما رحل العسكر تخطف عمران أطراف الناس فغنم منهم وفسد عسكر بختيار وزالت عنهم الطاعة والهيبة ووصل بختيار إلى بغداد في رجب سنة إحدى وستين وثلاثمائة

ذكر عدة حوادث ص 322

في هذه السنة في ربيع الآخر إصطلح قرعويه غلام سيف الدولة بن حمدان وأبو المعالي بن سيف الدولة وخطب لأبي المعالي بحلب وكان بحمص وخطب هو وقرعويه في أعمالهما للمعز لدين الله العلوي صاحب المغرب ومصر

وفيها في رمضان وقع حريق عظيم ببغداد في سوق الثلاثاء فاحترق جماعة رجال ونساء وأما الرحال وغيرها فكثير ووقع الحريق أيضا في أربع مواضع من الجانب الغربي فيها أيضا

وفيها كانت الخطبة بمكة للمطيع لله وللقرامطة الهجريين وخطب بالمدينة للمعز لدين الله العلوي وخطب أبو أحمد الموسوي والد الشريف الرضي خارج المدينة للمطيع لله

وفيها مات عبيد بن عمر بن أحمد أبو القاسم العبسي المقري الشافعي بقرطبة وله تصانيف كثيرة وكان مولده ببغداد سنة خمس وتسعين ومائتين وأبو بكر محمد بن داود الدنيوي الصوفي المعروف بالرقي وهو من مشاهير مشايخهم وقيل مات سنة اثنتي وستين

وفيها توفي القاضي أبو العلاء محارب بن محمد بن محارب الفقيه الشافعي في جمادى الآخرة وكان عالما بالفقه والكلام

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.