ذكر ملك المعز العلوي مصر
ص 309
في هذه السنة سير المعز لدين الله أبو تميم معد بن إسماعيل المنصور بالله القائد أبا الحسن جوهرا غلام والده المنصور وهو رومي في جيش كثيف إلى الديار المصرية فاستولى عليها وكان سبب ذلك أنه لما مات كافور الإخشيدي صاحب مصر اختلفت القلوب فيها ووقع بها غلاء شديد حتى بلغ الخبز كل رطل بدرهمين والحنطة كل ويبة بدينار وسدس مصري
فلما بلغ الخبر بهذه الأحوال إلى المعز وهوبأفريقية سير جوهرا إليها فلما اتصل خبر مسيره إلى العساكر الإخشيدية بمصر هربوا عنها جميعهم قبل وصوله ثم إنه قدمها سابع عشر شعبان واقيمت الدعوة للمعز بمصر في الجامع العتيق في شوال وكان الخطيب أبا محمد عبد الله بن الحسين الشمشاطي
وفي جمادى الأولى من سنة تسع وخمسين سار جوهر إلى جامع ابن طولون وأمر المؤدن فأذن بحي على خير العمل وهو أول ما أذن بمصر ثم أذن بعده في الجامع العتيق وجهر في الصلاة
ببسم الله الرحمن الرحيم ولما استقر جوهر بمصر شرع في بناء القاهرة
ذكر ملك عسكر المعز دمشق وغيرها من بلاد الشام
ص 309
لما استقر جوهر بمصر وثبت قدمه سير جعفر بن فلاح الكتامي إلى الشام في جمع كبير فبلغ الرملة وبها أبو محمد الحسن بن عبد الله بن طغج فقاتله في ذي الحجة من السنة وجرت بينهما حروب كان الظفر فيها لجعفر بن فلاح وأسر ابن طغج وغيره من القواد فسيرهم إلى جوهر وسيرهم جوهر إلى المعز بأفريقية ودخل ابن فلاح البلد عنوة فقتل كثيرا من أهله ثم أمن من بقي وجبى الخراج وسار إلى طبرية فرأى ابن ملهم قد أقام الدعوة للمعز لدين الله فسار عنها إلى دمشق فقاتله أهلها فظفر بهم وملك البلد ونهب بعضه وكف عن الباقي وأقام الخطبة للمعز يوم الجمعة لأيام خلت من المحرم سنة تسع وخمسين وقطعت الخطبة العباسية
وكان بدمشق الشريف أبو القاسم بن أبي يعلى الهاشمي وكان جليل القدر نافذ الحكم في أهلها فجمع أحداثها ومن يريد الفتنة فثار بهم في الجمعة الثانية وأبطل الخطبة للمعز لدين الله وأعاد خطبة المطيع لله ولبس السواد وعاد إلى داره فقاتله جعفر بن فلاح ومن معه قتالا شديدا وصبر أهل دمشق ثم افترقوا آخر النهار فلما كان الغد تزاحف الفريقان واقتتلوا ونشبت الحرب بينهما وكثر القتلى من الجانبين ودام القتال فعاد عسكر دمشق منهزمين والشريف بن أبي يعلى مقيم على باب البلد يحرض الناس على القتال ويأمرهم بالصبر
وواصل المغاربة الحملات على الدماشقة حتى ألجؤوهم إلى باب البلد ووصل المغاربة إلى قصر حجاج ونهبوا ما وجدوا فلما رأى ابن أبي يعلى الهاشمي والأحداث مل لقي الناس من المغاربة خرجوا من البلد ليلا فأصبح الناس حيارى
فدخل الشريف الجعفري وكان خرج من البلد إلى جعفر بن فلاح في الصلح فأعاده وأمره بتسكين الناس وتطييب قلوبهم ووعدهم بالجميل ففعل ما أمره وتقدم إلى الجند والعامة بلزوم منازلهم وأن لا يخرجوا منها إلى أن يدخل جعفر بن فلاح البلد ويطوف فيه ويعود إلى عسكره ففعلوا ذلك فلما دخل المغاربة البلد عاثوا فيه ونهبوا قطرا منه فثار الناس وحملوا عليهم ووضعوا السيف فيهم فقتلوا منهم جماعة وشرعوا في تحصين البلد وحفر الخنادق وعزموا على إصطلاء الحرب وبذل النفوس في الحفظ واحجمت المغاربة عنهم ومشى الناس إلى الشريف أبي القاسم بن أبي يعلى فطلبوا منه أن يسعى فيما بصلاح الحال ففعل ودبر الحال إلى أن تقرر الصلح يوم الخميس لست عشرة خلت من ذي الحجة سنة تسع وخمسين وثلاثمائة وكان الحريق قد أتى على عدة كثيرة من الدور وقت الحرب ودخل صاحب الشرطة جعفر بن فلاح البلد يوم الجمعة فصلى مع الناس وسكنهم وطيب قلوبهم وقبض على جماعة من الأحداث في المحرم سنة ستين وثلاثمائة وقبض على الشريف أبي القاسم بن أبي يعلى الهاشمي المذكور وسيره إلى مصر واستقر أمر دمشق وكان ينبغي أن يؤخر ملك ابن فلاح إلى آخر السنة وإنما قدمته ليتصل خبر المغاربة بعض ببعض
ذكر اختلاف أولاد ناصر الدولة وموت أبيهم
ص 310
كان سبب اختلاف أولاد ناصر الدولة أنه كان قد اقطع ولده حمدان مدينة الرحبة وماردين وغيرهما وكان أبو تغلب وأبو البركات وأختهما جميلة أولاد ناصر الدولة من وزجته فاطمة بنت أحمد الكردية وكانت مالكة أمر ناصر الدولة فاتفقت مع ابنها أبي تغلب وقبضوا ناصر الدولة على ما ذكرناه فابتدأ ناصر الدولة يدبر في القبض عليهم فكاتب ابنه حمدان يستدعيه ليتقوى به عليهم فظفر أولاده بالكتاب فلم ينفذوه وخافوا أباهم وحذروه فحملهم خوفه على نقله إلى قلعة كواشي واتصل ذلك بحمدان فعظم عليه وصار عدوا مباينا وكان أشجعهم وكان قد سار عند وفاة عمه سيف الدولة من الرحبة إلى الرقة فملكها وسار إلى نصيبين وجمع من أطاعه وطالب إخوته بالإفراج عن والده وإعادته إلى منزلته فسار أبو تغلب إليه ليحاربه فانهزم حمدان قبل اللقاء إلى الرقة فنازله أبو تغلب وحصره ثم اصطلحا على دخن وعاد كا واحد منهما إلى موضعه وعاش ناصر الدولة الحين بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان بن حمدون التغلبي شهورا ومات في ربيع الأول سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة ودفن بتل توبة شرقي الموصل وقبض ابة تغلب أملاك أخيه حمدان وسير أخاه أبا البركات إلى حمدان فلما قرب من الرحبة استأمن إليه كثير من أصحاب حمدان فانهزم حيننئذ وقصد العراق مستأمنا إلى بختيار فوصل بغداد في شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة فأكرمه بختيار وعظمه وحمل اليع هدية كثيرة جليلة المقدار ومعها كل ما يحتاج إليه مثله وارسل إلى أبي تغلب النقيب أبا أحمد الموسوي والد الشريف الرضي في الصلح مع أخيه فاصطلحوا وعاد حمدان إلى الرحبة وكان مسيره من بغداد في جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وثلاثمائة فلما سمع أبو البركات بمسير أخيه حمدان على هذه الصورة فارق الرحبة ودخلها حمدان وراسله أخوه أبو تغلب في الاجتماع فامنتع من ذلك فعاد أبو تغلب وسير إليه أخاه أبا البركات فلما علم حمدان بذلك فارقها فاستولى أبو البركات عليها واستناب بها من يحفظها في طائفة من الجيش وعاد إلى الرقة ثم منها إلى عربان
فلما سمع حمدان بعوده عنها وكان ببرية تدمر عاد إليها في شعبان فوافاها ليلا فأصعد جماعة من غلمانه السور وفتحوا له باب البلد فدخله ولا يعلم من به من الجند بذلك فلما صار في البلد وأصبح أمر بضرب البوق فبادر من الرحبة من الجند منقطعين يظنون أن صوت البوق من خارج البلد وكل من وصل إلى حمدان أسره حتى أخذهم جميعهم فقتل بعضا واستبقى بعضا
فلما سمع أبو البركات بذلك عاد إلى قرقيسيا واجتمع هو وأخوه حمدان منفردين فلم يستقر بينهما قاعدة فقال أبو البركات لحمدان أنا أعود إلى عربان وأرسل إلى أبي تغلب لعله يجيب إلى ما تلتمسه منه فسار عائدا إلى عربان وعبر حمدان الفرات من مخاضة بها وسار في أثر أخيه أبي البركات فأدركه بعربان وهو آمن فلقيهم أبو البركات بغير جنة ولا سلاح فقاتلهم واشتد القتال بينهم وحمل أبو البركات بنفسه في وسطهم فضربه أخوه حمدان فألقاه وأخذه أسيرا فمات من يومه وهو ثالث رمضان فحمل في تابوت إلى الموصل ودفن بتل توبة عند أبيه وتجهز أبو تغلب ليسير إلى حمدان وقدم بين يديه أخاه أبا الفوارس محمدا إلى نصيبين فلما وصلها كاتب أخاه حمدان ومالا على أبي تغلب فبلغ الخبر أبا تغلب فأرسل إليه يستدعيه ليزيد في اقطاعه فلما حضر عنده قبض عليه وسيره إلى قلعة كواشي من بلد الموصل وأخذ أمواله وكانت قيمتها خمسمائة ألف دينار
فلما قبض عليه سار إبراهيم والحسين ابنا ناصر الدولة إلى اخيهما حمدان خوفا من أبي تغلب فاجتمعا معه وساروا إلى سنجار فسار أبو تغلب إليهم من الموصل في شهر رمضان سنة ستين وثلاثمائة ولم يكن لهم بلقائه طاقة فراسله أخواه إبراهيم والحسين يطلبان العود إليه خديعة منهما ليأمنهما ويفتكا به فأجابهما إلى ذلك فهربا إليه وتبعهما كثير من أصحاب حمدان فعاد حمدان حيننئذ من سنجار إلى عربان واستأمن إلى أبي تغلب صاحب حمدان وأطلعه على حيلة أخويه عليه وهما إبراهيم والحسين فأراد القبض عليهما فحذرا وهربا ثم إن نما غلام حمدان ونائبه بالرحبة أخذ جميع ماله بها وهرب إلى أصحاب أبي تغلب بحران وكانوا مع صاحبه سلامة البرقعيدي فاضطر حمدان إلى العود إلى الرحبة وسار أبو تغلب إلى قرقيسية وارسل سرية عبروا الفرات وكبسوا حمدان بالرحبة وهو لا يشعر فنجا هاربا واستولى أبو تغلب عليها وعمر سورها وعاد إلى الموصل ودخلها اخر ذي الحجة سنة ستين وثلاثمائة وسار حمدان إلى بغداد فدخلها آخر ذي الحجة سنة ستين ملتجئا إلى بختيار ومعه أخوه إبراهيم وكان أخوهما الحسين قد عاد إلى أخيه أبي تغلب مستأمنا وحمل بختيار إلى حمدان وأخيه إبراهيم هدايا جليلة كثيرة المقدار وأكرمهما واحترمهما
ذكر ما فعله بالشام والجزيرة
ص 312
وفي هذه السنة دخل ملك الروم الشام ولم يمنعه أحد ولا قاتله فسار في البلاد إلى طرابلس وأحرق بلدها وحصر قلعة عرقة فملكها ونهبها وسبى من فيها وكان صاحب طرابلس قد أخرجه أهلها لشدة ظلمه فقصد عرقة فأخذوه الروم وجميع ماله وكان كثيرا وقصد ملك الروم حمص وكان أهلها قد انتقلوا عنها وأخلوها فأحرقها ملك الروم ورجع إلى بلدان الساحل فأتى عليها نهبا وتخريبا وملك ثمانية عشرا منبرا فأما القرى فكثير لا يحصى وأقام في الشام شهرين يقصد أي موضع شاء ويخرب ما شاء ولا يمنعه أحد إلا أن بعض العرب كانوا يغيرون على أطرافهم فأتاه جماعة منهم وتنصروا وكادوا المسلمين من العرب وغيرهم فامتنعت العرب من قصدهم وصار للروم الهيبة العظيمة في قلوب المسلمين فأراد أن يحصر انطاكية وحلب فبلغه والنكار فخرج المعز إليه بنفسه يريد قتاله حتى بلغ مدينة باغاية وكان أبو خرز قريبا منها وهو يقاتل نائب المعز عليها فلما سمع أبو خرز بقرب المعز تفرقت عنه جموعه وسار المعز في طلبه فسلك الأوعار فعاد المعز وأمر أبا الفتوح يوسف بلكين بن زيري بالمسير في طلبه اين سلك فسار في اثره حتى خفي عليه خبره ووصل المعز إلى مستقره بالمنصورية فلما كان ربيع الآخر من سنة تسع وخمسين وصل أبو خزر الخارجي إلى المعز مستأمنا ويطلب الدخول في طاعته فقبل منه المعز ذلك وفرح به وأجرى عليه رزقا كثيرا ووصله عقيب هذه الحال كتب جوهر بإقامة الدعوة له في مصر والشام ويدعوه إلى المسير إليه ففرح المعز فرحا شديدا أظهره لكافة الناس ومدحه الشعراء فممن ذكر ذلك محمد بن هانئ الأندلسي فقال
( يقول بنو العباس قد فتحت مصر % فقل لبني العباس قد قضي الأمر )
ذكر قصد أبي البركات بن حمدان ميافارقين وانهزامه
ص 313
في هذه السنة في ذي القعدة سار أبو البركات بن ناصر الدولة بن حمدان في عسكره إلى ميافارقين فأغلقت زوجة سيف الدولة أبواب البلد في وجهه ومنعته من دخوله فأرسل إليها يقول إنني ما قصدت إلا الغزاة ويطلب منها ما يستعين به فاستقر بينهما أن تحمل إليه مائتي ألف درهم وتسلم إليه قرايا كانت لسيف الدولة بالقرب من نصيبين ثثن ظهر لها أنه يعمل سرا في دخول البلد فأرسلت إلى من معه من غلمان سيف الدولة تقول لهم ما من حق مولاكم أن تفعلوا بحرمة وأولاده هذا فنكلوا عن القتال والقصد لها ثم جمعت رجال وكبست أبا البركات ليلا فانهزم ونهب سواده وعسكره وقتل جماعة من أصحابه وغلمانه فراسلها انني لم اقصد لسوء فردت ردا جميلا وأعادت إليه بعض ما نهب منه وحملت إليه مائة ألف درهم وأطلقت الأسرى فعاد عنها وكان ابنها أبو المعالي بن سيف الدولة على حلب يقاتل قرعويه غلام أبيه
ذكر عدة حوادث
ص 315
في هذه السنة عاشر المحرم عمل أهل بغداد ما قد صار لهم عادة من إغلاق الأسواق وتعطيل المعايش وإظهار النوح والأاتم بسبب الحسين بن علي رضوان الله عليهما
وفيها أرسل القرامطة رسلا إلى بني نمير وغيرهم من العرب يدعونهم إلى طاعتهم فأجابوا إلى ذلك وأخذت عليهم الأيمان بالطاعة وأرسل أبو تغلب بن حمدان إلى القرامطة بهجر هدايا جميلة قيمتها خمسون ألف درهم
وفيها طلب سابور بن أبي طاهر القرمطي من أعمامه أن يسلموا الأمر إليه والجيش وذكر أن أباه عهد إليه بذلك فحبسوه في داره ووكلوا به ثم أخرج ميتا في نصف رمضان فدفن ومنع أهله من البكاء عليه ثم أذن لهم بعد أسبوع أن يعملوا ما يريدون
وفيها ليلة الخميس رابع عشر رجب انخسف القمر جميعه وغاب منخسفا
وفيها في شعبان وقعت حرب بين أبي عبد الله بن الداعي العلوي وبين علوي آخر يعرف بأميرك وهو أبو جعفر الثائر في الله قتل فيها خلق كثير من الديلم والجيل وأسر أبو عبد الله بن الداعي وسجن في قلعة ثم أطلق في المحرم سنة تسع وخمسين وعاد إلى رياسته وصار أبو جعفر صاحب الجيش
وفيها قبض بختيار على وزيره أبي الفضل العباس بن الحسين وعلى جميع أصحابه وقبض أموالهم وأملاكهم واستوزر أبا الفرج محمد بن العباس ثم عزل أبا الفرج واعاد أبا الفضل
وفيها اشتد الغلاء بالعراق واضطرب الناس فسعر السلطان الطعام فاشتد البلاء فدعته الضرورة إلى إزالة التسعير فسهل الأمر وخرج الناس من العراق إلى الموصل والشام وخراسان من الغلاء
وفيها نفي شيرزاد وكان قد غلب على أمر بختيار وصار يحكم على الوزير والجند وغيرهم فأوحش الأجناد وعزم الأتراك على قتله فمنعهم سبكتكين وقال لهم خوفوه ليهرب فهرب من بغداد وعهد إلى بختيار ليحفظ ماله وملكه فلما سار عن بغداد قبض بختيار أمواله وأملاكه ودوره وكان هذا مما يعاب به يختيار ثن إن شيرزاد سار إلى ركن الدولة ليصلح أمره مع بختيار فتوفي بالري عند وصوله إليها
وفيها توفي عبيد الله بن أحمد بن محمد أبو الفتح النحوي المعروف بخجخج وفيها مات عيسى الطبيب الذي كان طبيب القاهر بالله والحاكم في دولته وكان قد عمي قبل موته بسنتين وكان مولده سنة إحدى وسبعين ومائتين
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.