الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء السابع / ثم دخلت سنة ست وخمسين وثلاثمائة
48

ثم دخلت سنة ست وخمسين وثلاثمائة

الجزء السابع 5 عنصر صفحة 297
ذكر موت معز الدولة وولاية ابنه بختيار ص 297

في هذه السنة ثالث عشر ربيع الآخر توفي معز الدولة بعلة الذرب وكان بواسط وقد جهز الجيوش لمحاربة عمران بن شاهين فابتدأ به الإسهال وقوي عليه فسار نحو بغداد وخلف أصحابه ووعدهم أنه يعود إليهم لأنه رجا العافية فلما وصل إلى بغداد اشتد مرضه وصار لا يثبت في معدته شيء فلما أحس بالموت عهد إلى ابنه عز الدولة بختيار وأظهر التوبة وتصدق بأاكثر ماله وأعتق مماليكه ورد شيئا كثيرا على أصحابه وتوفي في ربيع الآخر ودفن بباب التبن في مقابر قريش فكانت إمارته إحدى وعشرين سنة واحد عشر شهرا ويومين وكان حليما كريما عاقلا ولما مات معز الدولة وجلس ابنه عز الدولة في الإمارة مطر الناس ثلاثة أيام بلياليها مطرا دائما منع الناس من الحركة فأرسل إلى القواد فأرضاهم فانجلت السماء وقد رضوا فسكنوا ولم يتحرك أحد

وكتب عز الدولة إلى العسكر بمصالحة عمران بن شاهين ففعلوا وعادوا وكانت إحدى يدي معز الدولة مقطوعة واختلف في سبب قطعها فقيل قطعت بكرمان لما سار إلى قتال من بها وقد ذكرناه وقيل غير ذلك

وهو الذي أحدث أمر السعاة وأعطاهم عليه الجرايات الكثيرة لأنه أراد أن يصل خبره إلى أخيه ركن الدولة سريعا فنشأ في أيامه فضل ومرعوش وفاقا جميع السعاة وكان كل واحد منهم يسير في اليوم نيفا وأربعين فرسخا وتعصب لهما الناس وكان أحدخما ساعي السنة والآخر ساعي الشيعة

ذكر سوء سيرة بختيار وفساد حاله ص 298

لما حضر معز الدولة الوفاة وصى ولده بختيار بطاعة عمه ركن الدولة واستشارته في كل ما يفعله وبطاعة عضد الدولة ابن عمه لأنه أكبر منه سنا وأقوم بالسياسة ووصاه بتقرير كاتبيه أبي الفضل العباس بن الحسين وأبي الفرج محمد بن العباس لكفايتهما وأمانتهما ووصاه بالديلم والأتراك وبالحاجب سبكتكين فخالف هذه الوصايا جميعها واشتغل باللهو واللعب وعشرة النساء والمساخر والمغنين وشرع في إيحاش كاتبيه وسبكتكين فاستوحشوا وانقطع سبكتكين عنه فلم يحضر داره ونفى كبار الديلم عن مملكته شرها إلى إقطاعاتهم وأموالهم وأموال المتصلين بهم فاتفق أصاغرهم عليه وطلبوا الزيادات واضطر إلى مرضاتهم واقتدى بهم الأتراك فعملوا مثل ذلك ولم يتم له على سبكتكين ما يريد لاحتياطه واتفق الأتراك معه وخرج الديلم إلى الصحراء وطالبوا بختيار بإعادة من أسقط منهم فاحتاج أن يجيبهم لتغير سبكتكين عليه وفعل الأتراك أيضا مثل فعلهم

واتصل خبر موت معز الدولة بكاتبه أبي الفرج محمد بن العباس وهو متولي أمر عمان فسلمها إلى نواب عضد الدولة وسار نحو بغداد وكان سبب تسليمها إلى عضد الدولة أن بختيار لما ملك بعد موت أبيه تفرد أبو الفضل بالنظر في الأمور فخاف أبو الفرج أن يستمر إنفراده عنه فسلم عمان إلى عضد الدولة لئلا يؤمر بالمقام فيها لحفظها وإصلاحها وسار إلى بغداد فلم يتمكن من الذي أراد وتفرد أبو الفضل بالوزارة

ذكر خروج عساكر خراسان وموت وشمكير ص 298

وفي هذه السنة جهز الأمير منصور بن نوح صاحب خراسان وما وراء النهر الجيوش إلى الري وكان سبب ذلك أن أبا علي بن الياس سار من كرمان إلى بخارى ملتجئا إلى الأمير منصور على ما نذكره أن شاء الله تعإلى فلما ورد عليه أكرمه وعظمه فأطعمه في ممالك بني بويه وحسن له قصدها وعرفه أن نوابه لا يناصحونه وأنهم يأخذون الرشا من الديلم فوافق ذلك ما كان يذكره له وشمكير

فكاتب الأمير منصور وشمكير والحسن بن الفيرزان يعرفهما ما عزم عليه من قصد الري ويأمرهما بالتجهز لذلك ليسيروا مع عسكره ثم إنه جهز العساكر وسيرها مع صاحب جيوش خراسان وهو أبو الحسن محمد بن إبراهيم بن سيمجور الدواتي وأمره بطاعة وشمكير والانقياد له والتصرف بأمره وجعله مقدم الجيوش حميعها فلما بلغ الخبر إلى ركن الدولة أتاه ما لم يكن في حسابه وأخذه المقيم المقعد وعلم أن الأمر قد بلغ الغاية فسير أولاده وأهله إلى أصبهان وكاتب ولده عضد الدولة يستمده وكاتب ابن أخيه عز الدولة بختيار يستنجده أيضا فأما عضد الدولة فإنه جهز العساكر وسيرهم إلى طريق خراسان وأظهر أنه يريد قصد خراسان لخلوها من العساكر فبلغ الخبر أهل خراسان فاحجموا قليلا ثم ساروا حتى بلغوا الدامغان وبرز ركن الدولة في عساكره من الري نحوهم فاتفق موت وشمكير

فكان سبب موته أنه وصله من صاحب خراسان هدايا من جملتها خيل فاستعرض الخيل واختار أحدها وركبه للصيد فعارضه خنزير قد رمي بحربة وهي ثابتة فيه فحمل الخنزير على وشمكير وهو غافل فضرب الفرس فشب تحته فألقاه إلى الأرض وخرج الدم من أذنيه وأنفه فحمل ميتا وذلك في المحرم من سنة سبع وخمسين وانتقض جميع ما كانوا فيه وكفى الله ركن الدولة شرهم

ولما مات وشمكير قام ابنه بيستون مقامه وراسل ركن الدولة وصالحه فأمده ركن الدولة بالمال والرجال ومن أعجب ما يحكى مما يرغب في حسن النية وكرم المقدرة أن وشمكير لما اجتمعت معه عساكر خراسان وسار كتب إلى ركن الدولة يتهدده بضروب من الوعيد والتهديد ويقول والله لئن ظفرت بك لأفعلن بك ولأصنعن بألفاظ قبيحة فلم يتجاسر الكاتب أن يقرأه فأخذه ركن الدولة فقرأه وقال للكاتب أكتب إليه أما جمعك وأحشادك فما كنت قط أهون منك علي الآن وأما تهديدك وإيعادك فوالله لئن ظفرت بك لأعاملنك بضده ولأحسنن إليك ولأكرمنك فلقي وشمكير سوء نيته ولقي ركن الدولة حسن نيته

وكان بطبرستان عدو لركن الدولة يقال له نوح بن نصر شديد العداوة له لا يزال يجمع له ويقصد أطراف بلاده فمات الآن وعصى عليه بهمذان إنسان يقال له أحمد بن هارون الهمذاني لما رأى خروج عساكر خراسان وأظهر العصيان فلما أتاه خبر موت وشمكير مات لوقته وكفى الله ركن الدولة هم الجميع

ذكر القبض على ناصر الدولة بن حمدان ص 300

في هذه السنة قبض أبو تغلب بن ناصر الدولة على أبيه وحبسه في القلعة ليلة السبت لست بقين من جمادى الاولى وكان سبب قبضه أنه كان قد كبر وساءت أخلاقه وضيق على اولاده وأصحابه وخالفهم في أغراضهم للمصلحة فضجروا منه وكان فيما خالفهم فيه أنه لما مات معز الدولة عزم أولاده على قصد العراق وأخذه من بختيار فنهاهم وقال لهم ان معز الدولة قد خلف مالا يستظهر به ابنه عليكم فاصبروا حتى يتفرق ما عنده من المال ثم اقصدوه وفرقوا الأموال فأنكم تظفرون به لا محاله فوثب عليه أبو تغلب فقبضه ورفعه إلى القلعة ووكل به من يخدمه ويقوم بحاجاته وما يحتاج إليه فلما فعل ذلك خالفه بعض إخوته وانتشر أمرهم الذي كان يجمعهم وصار قصاراهم حفظ ما في أيديهم واحتاج أبو تغلب إلى مداراة عز الدولة بختيار وتجديد عقد الضمان ليحتج بذلك على إخوته ومن خالفه فضمنه البلاد بألف ألف ومائتي ألف درهم كل سنة

ذكر من مات هذه السنة من الملوك ص 300

مات فيها وشمكير بن زيار كما ذكرناه ومعز الدولة وقد ذكرناه والحسن بن الفيرزان وكافور الإخشيدي وتقفور ملك الروم وأبو علي محمد بن إلياس صاحب كرمان وسيف الدولة بن حمدان فأما سيف الدولة أبو الحسن علي بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان بن حمدون التغلبي الربعي فإنه مات بحلب في صغر وحمل تابوته إلى ميافارقين فدفن بها وكانت علته الفالج وقيل عسر البول وكان مولده في ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثمائة وكان جوادا كريما شجاعا وأخباره مشهورة في ذلك وكان يقول الشعر فمن شعره في أخيه ناصر الدولة

( وهبت لك العليا وقد كنت أهلها % وقلت لهم بيني وبين أخي فرق )

( وما كان بي عنها نكول وإنما % تجاوزت عن حقي قتم لك الحق )

( أما كنت ترضى أن أكون مصليا % إذا كنت أرضى أن يكون لك السبق ) وله أيضا

( قد جرى في دمعه دمه % فإلى كم أنت تظلمه )

( رد عنه الطرف منك فقد % جرحته منك أسهمه )

( كيف يستطيع التجلد من % خطرات الوهم تؤلمه )

ولما توفي سيف الدولة ملك بلاده بعده ابنه أبو المعالي شريف وأما أبو علي بن إلياس فسيرد ذكر موته سنة سبع وخمسين وأما كافور فإنه كان صاحب مصر وكان من موالي الإخشيد محمد بن طغج واستولى على مصر ودمشق بعد موت الإخشيد لصغر أولاده وكان خصيا أسود وللمتنبي فيه مدح وهجو وكان قصده إلى مصر وخبره معه مشهور ولما دفن كنب على قبره

( أنظر إلى غير الأيام ما صنعت % أفنت أناسا بها كانوا وقد فنيت )

( دنياهم ضحكت أيام دولتهم % حتى إذا انقرضوا ناحت لهم وبكت )

وفيها توفي أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد بن أحمد الأبهاني الأموي وهو من ولد محمد بن مروان بن الحكم الأموي وكان شيعيا وهذا من العجب وهو صاحب الأغاني وغيره

وفيها توفي يوسف بن عمر بن أبي عمر القاضي وكان مولده سنة خمس وثلاثمائة وولي قضاء بغداد في حياة أبيه وبعده

وفيها توفي أبو الحسن أحمد بن محمد بن سالم صاحب سهل التستري رضي الله عنه

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.