ذكر ما تجدد بعمان واستيلاء معز الدولة عليها
ص 291
قد ذكرنا في السنة التي قبل هذه خبر عمان ودخول القرامطة إليها وهرب نافع عنها فلما هرب نافع واستولى القرامطة على البلد كان معهم كاتب يعرف بعلي ين أحمد ينظر في أمر البلد وكان بعمان قاض له عشيرة وجاء فاتفق هو وأهل البلد أن ينصبوا في الأمرة رجلا يعرف بابن طغان وكان من صغار القواد بعمان وأدناهم مرتبة فلما استقر في الأمرة خاف ممن فوقه من القواد أن يغلبوه على أمره فقبض على ثمانين قائدا فقتل بعضهم وغرق بعضهم
وقدم البلد ابنا أخت لرجل ممن قد غرقهم فأقاما مدة ثم إنهما دخلا على طغان يوما من أيام السلام فسلما عليه فلما تقوض المجلس قتلاه فاجتمع رأي الناس على تأمير عبد الوهاب بن أحمد بن مروان وهو من أقارب القاضي فولي الإمارة بعد امنتاع منه واستكتب علي بن أحمد الذي كان مع الهجريين فأمر عبد الوهاب كاتبه عليا أن يعطي الجند أرزاقهم صلة ففعل ذلك فلما انتهى إلى الزنج وكانوا ستة آلاف رجل ولهم بأس وشدة قال لهم علي إن الأمير عبد الوهاب أمرني أن أعطي البيض من الجند كذا وكذا وأمر لكم بنصف ذلك فاضطربوا وامنتعوا فقال لهم هل لكم أن تبايعوني فأعطيكم مثل سائر الأجناد فاجأبوه إلى ذلك وبايعوه وأعطاهم مثل البيض من الجند فامنتع البيض من ذلك ووقع بينهم حرب فظهر الزنج عليهم فسكنوا واتفقوا مع الزنج وأخرجوا عبد الوهاب من البلد فاستقر في الإمارة علي بن أحمد ثم أن معز الدولة سار إلى واسط لحرب عمران بن شاهين ولإرسال جيش إلى عمان فلما وصل إلى واسط قدم عليه نافع الأسود الذي كان صاحب عمان فأحسن إليه وأقام للفراغ من أمر عمران بن شاهين على ما نذكره إن شاء الله تعإلى وانحدر من واسط إلى الأبلة في شهر رمضان فأقام بها يجهز الجيش والمراكب ليسيروا إلى عمان ففرغ منه وساروا منتصف شوال واستعمل عليهم أبا الفرج محمد بن العباس بن فسانجس وكانوا في مائة قطعة فلما كانوا بسيراف انضم إليه الجيش الذي جهزه عضد الدولة من فارس نجدة لعمه معز الدولة فاجتمعوا وساروا إلى عمان ودخلها تاسع ذي الحجة وخطب لمعز الدولة فيها وقتل من أهلها مقتلة عظيمة وأحرقت مراكبهم وهي تسعة وثمانون مركبا
ذكر هزيمة إبراهيم بن المرزبان
ص 292
في هذه السنة انهزم إبراهيم بن المرزبان عن أذربيجان إلى الري وسبب ذلك أن إبراهيم لما انهزم من جستان بن شرمزن على ما ذكرناه سنة تسع وأربعين وثلاثمائة قصد أرمينية وشرع يستعد ويتجهز للعود إلى أذربيجان وكانت ملوك أرمينية من الأرمن والأكراد وراسل جستان بن شرمزن وأصلحه فأتاه الخلق الكثير واتفق أن إسماعيل ابن عمه وهسوذان توفي فسار إبراهيم إلى أردبيل فملكها وإنصرف أبو القاسم بن مسكيي إلى وهسوذان وصار معه وسار إبراهيم إلى عمه وهسوذان يطالبه بثأر إخوته فخافه عمه وهسوذان وسار هو وابن مسيكي إلى بلد الديلم واستولى إبراهيم على أعمال عمه وخبط أصحابه وأخذ أمواله التي ظفر بها وجمع وهسوذان الرجال وعاد إلى قلعته بالطرم وسير أبا القاسم بن مسيكي في الجيوش إلى إبراهيم فلقيهم إبراهيم فاقتتلوا قتالا شديدا وانهزم إبراهيم وتبعه الطلب فلم يدركوه وسار وحده حتى وصل إلى الري إلى ركن الدولة فأكرمه ركن الدولة وأحسن إليه وكان زوج أخت إبراهيم فبالغ في إكرامه لذلك وأجزل له الهدايا والصلات
ذكر خبر الغزاة الخراسانية مع ركن الدولة
ص 292
في هذه السنة في رمضان خرج من خراسان جمع عظيم يبلغون عشرين ألفا إلى الري بنية الغزاة فبلغ خبرهم إلى ركن الدولة وكثرة جمعهم وما فعلوه في أطراف بلاده من الفساد وان رؤساءهم لم يمنعوهم عن ذلك فأشار عليه الأستاذ أبو الفضل بن العميد وهو وزيره بمنعهم من دخول بلاده مجتمعين فقال لا تتحدث الملوك أنني خفت جمعا من الغزاة فأشار عليه بتأخيرهم إلى أن يجمع عسكره وكانوا منفرقين في أعمالهم فلم يقبل منه فقال له أخاف أن يكون لهم مع صاحب خراسان مواطأة على بلادك ودولتك فلم يلتفت إلى قوله فلما وردوا الري اجتمع رؤساؤهم وفيهم القفال الفقيه وحضروا مجلس ابن العميد وطلبوا مالا ينفقونه فوعدهم فاشتطوا في الطلب وقالوا نريد خراج هذه البلد جميعها فإنه لبيت المال وقد فعل الروم بالمسلمين ما بلغكم واستولوا على بلادكم وكذلك الأمن ونحن غزاة وفقراء وأبناء سبيل فنحن أحق بالمال منكم وطلبوا جيشا يخرج معهم واشتطوا في الاقتراح فعلم ابن العميد حيننئذ خبث سرائرهم وتيقن ما كان ظنه فيهم فرفق بهم وداراهم فعدلوا عنه إلى مشاتمة الديلم ولعنهم وتكفيرهم ثم قاموا عنه وشرعوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسلبون العامة بحجة ذلك ثم إنهم أثاروا الفتنة وحاربوا جماعة من الديلم إلى أن حجز بينهم الليل ثم باكروا القتال ودخلوا المدينة ونهبوا دار الوزير ابن العميد وجرحوه وسلم من القتل
وخرج ركن الدولة اليهم في أصحابه وكان في قلة فهزمه الخراسانية فلو تبعوه لأتوا عليه وملكوا البلد منه لكنهم عادوا عنه لأن الليل أدركهم فلما أصبحوا راسلهم ركن الدولة ولطف بهم لعلهم يسيرون من بلدة فلم يفعلوا وكانوا ينتظرون مددا يأتيهم من صاحب خراسان فإنه كان بينهم مواعدة على تلك البلاد
ثم إنهم اجتمعوا وقصدوا البلد ليملكوه فخرج ركن الدولة إليهم فقاتلهم وأمر نفرا من أصحابه أن يسيروا إلى مكان يراهم ثم يثيروا غبرة شديدة ويرسلوا إليه من يخبره أن الجيوش قد أتته ففعلوا ذلك وكان أصحابه قد خافوا لقلتهم وكثرة عدوهم فلما رأوا الغبرة وأتاهم من أخبرهم أن أصحابهم لحقوهم قويت نفوسهم وقال لهم ركن الدولة احملوا على هؤلاء لعلنا نظفر بهم قبل وصول أصحابنا فيكون الظفر والغنيمة لنا فكبروا وحملوا حملة صادقة فكان لهم الظفر وانهزم الخراسانية وقتل منهم خلق كثير وأسر أكثر ممن قتل وتفرق الباقون فطلبوا الأمان فأمنهم ركن الدولة وكان قد دخل البلد جماعة منهم يكبرون كأنهم يقاتلون الكفار ويقتلون كل من رأوه بزي الديلم ويقولون هؤلاء رافضة فبلغهم خبر انهزام أصحابهم وقصدهم الديلم ليقتلوهم فمنعهم ركن الدولة وأمنهم وفتح لهم الطريق ليعودوا ووصل بعدهم نحو ألفي رجل بالعدة والسلاح فقاتلهم ركن الدولة فهزمهم وقتل فيهم ثم أطلق الأسارى وأمر لهم بنفقات وردهم إلى بلادهم وكان إبراهيم بن المرزبان عند ركن الدولة فأثر فيهم آثارا حسنة
ذكر عود إبراهيم بن المرزبان إلى أذربيجان
ص 294
في هذه السنة عاد إبراهيم بن المرزبان إلى أذربيجان واستولى عليها وكان سبب ذلك أنه لما قصد ركن الدولة على ما ذكرناه جهز العساكر معه وسير معه الأستاذ أبا الفضل بن العميد ليرده إلى ولايته ويصلح له أصحاب الأطراف فسار معه إليها واستولى عليها وأصلح له جستان بن شرمزن وقاده إلى طاعته وغيره من طوائف الأراد ومكنه من البلاد
وكان ابن العميد لما وصل إلى تلك البلاد ورأى كثرة دخلها وسعة مياهها ورأى ما يتحصل لإبراهيم منها فوجده قليلا لسوء تدبيره وطمع الناس فيه لاشتغاله بالشرب والنساء فكتب إلى ركن الدولة يعرفه الحال ويشير بأن يعوضه من بعض ولايته بمقدار ما يتحصل له من هذه البلاد ويأخذها منه فإنه لا يستقيم له حال مع الذين بها وأنها تؤخذ منه فامنتع ركن الدولة من قبول ذلك منه وقال لا يتحدث الناس عني أني استجار بي إنسان وطمعت فيه وأمر أبا الفضل بالعود عنه وتسليم البلاد إليه ففعل وعاد وحكى لركن الدولة صورة الحال وحذره خروج البلاد من يد إبراهيم وكان الأمر كما ذكره حتى أخذ إبراهيم وحبس على ما نذكره
ذكر خروج الروم إلى بلاد الاسلام
ص 294
وفي هذه السنة في شوال خرجت الروم فقصدوا مدينة آمد ونزلوا عليها وحصروها وقاتلوا أهلها فقتل منهم ثلاثمائة رجل وأسر نحو أربعمائة أسير ولم يمكنهم فتحها فانصرفوا إلى دارا وقربوا من نصيبين ولقيهم قافلة واردة من ميافارقين فأخذوها وهرب الناس من نصيبين خوفا منهم حتى بلغت أجرة الدابة مائة درهم وراسل سيف الدولة الأعراب ليهرب معهم وكان في نصيبين فاتفق أن الروم عادوا قبل هربه فأقام بمكانه وساروا من ديار الجزيرة إلى الشام فنازلوا انطاكية فأقاموا عليها مدة طويلة يقاتلون أهلها فلم يمكنهم فتحها فخربوا بلدها ونهبوه وعادوا إلى طرسوس
ذكر ما جرى لمعز الدولة مع عمران بن شاهين
ص 294
وقد ذكرنا انحدار معز الدولة إلى واسط لأجل قصد ولاية عمران بن شاهين بالبطائح فلما وصل إلى واسط أنفذ الجيش مع أبي الفضل العباس بن الحسن فساروا فنزلوا الجامدة وشرعوا في سد الأنهار التي تصب إلى البائح وسار معز الدولة إلى الأبلة وأرسل الجيش إلى عمان على ما ذكرناه وعاد إلى واسط لاتمام حرب عمران وملك بلده فأقام بها فمرض وأصعد إلى بغداد لليلتين بقيتا من ربيع الأول سنة ست وخمسين وهو عليل وخلف العسكر بها ووعدهم أنه يعود إليهم فلما وصل إلى بغداد توفي على ما نذكره فدعت الضرورة إلى مصالحة عمران والأنصراف عنه
ذكر عدة حوادث
ص 295
في هذه السنة خرجت بنوسليم على الحجاج السائرين من مصر والشام وكانوا عالما كثيرا ومعهم من الأوال ما لا حد عليه لأن كثيرا من الناس من أهل الثغور والشام هربوا من خوفهم من الروم بأموالهم وأهليهم وقصدوا مكة ليسيروا منها إلى العراق فأخذوا ومات من الناس في البرية ما لا يحصى ولم يسلم إلا القليل
وفيها عظم أمر أبي عبد الله الداعي بالديلم ولبس الصوف وأظهر النسك والعبادة وحارب ابن وشمكير فهزمه وعزم على المسير إلى طبرستان وكتب إلى العراق كتابا يدعوهم فيه إلى الجهاد
وفيها تم الفداء بين سيف الدولة والروم وسلم سيف الدولة ابن عمه أبا فراس بن حمدان وأبا الهيثم بن القاضي أبي الحصين
وفيها انخسف القمر جميعه ليلة السبت ثالث عشر شعبان وغاب منخسفا
وفيها توفي أبو بكر محمد بن عمر بن محمد بن سالم المعروف بابن الجعابي الحافظ البغدادي بها وكان يتشيع وأبو عبد الله محمد بن الحسين بن علي بن الحسين بن الوضاح الوضاحي الشاعر الأنباري
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.