ذكر استيلاء الروم على المصيصة وطرسوس
ص 286
في هذه السنة فتح الروم المصيصة وطرسوس وكان سبب ذلك أن تقفور ملك الروم بنى بقيسارية مدينة ليقرب من بلاد الإسلام وأقام بها ونقل أهله إليها فإرسل إليه أهل طرسوس والمصيصة يبذلونه له أتاوة ويطلبون منه أن ينفذ إليهم بعض أصحابه يقيم عندهم فعزم على إجابتهم إلى ذلك فأتاه الخبر بأنهم قد ضعفوا وعجزوا وأنهم لا ناصر لهم وأن الغلاء قد اشتد عليهم وقد عجزوا عن القوت وأكلوا الكلاب والميتة وقد كثر فيهم الوباء فيموت منهم في اليوم نحو ثلاثمائة نفس فعاد تفقور عن إجابتهم وأحضر الرسول وأحرق الكتاب على رأسه واحترقت لحيته وقال لهم أنتم كالحية في الشتاء نخدر وتذبل حتى تكاد تموت فإن أخذها انسان وأحسن إليها وادفأها انتعشت ونهشته وأنتم إنما أطعتم لضعفكم وإن تركتكم حتى تستقيم أحوالكم تأذيت بكم وأعاد الرسول وجمع جيوش الروم وسار إلى المصيصة بنفسه فحاصرها وفتحها عنوة بالسيف يوم السبت ثالث عشر رجب ووضع السيف فيهم فقتل منهم مقتلة عظيمة ثم رفع السيف ونقل كل من بها إلى بلد الروم وكانوا نحو مائتي ألف انسان
ثم سار إلى طرسوس فحصرها فاذعن أهلها بالطاعة وطلبوا الأمان فأجابهم إليه وفتحوا البلد فلقيهم بالجميل وأمرهم أن يحملوا من سلاحهم وأموالهم ما يطيقون ويتركوا الباقي ففعلوا ذلك وساروا برا وبحرا وسير معهم من يحميهم حتى بلغوا أنطاكية وجعل الملك المسجد الجامع بطرسوس اصطبلا لدوابه وأحرق المنبر وعمر طرسوس وحصنها وجلب الميرة إليها حتى رخصت الأسعار وتراجع إليها كثير من أهلها ودخلوا في طاعة الملك وتنصر بعضهم وأراد المقام بها ليقرب من بلاد المسلمين ثم عاد إلى القسطنطينية وأراد الدمستق وهو ابن الشمشقيق أن يقصد ميافارقين وبها سيف الدولة فأمره الملك باتباعه إلى القسطنطينية فمضى إليه
ذكر مخالفة أهل أنطاكية على سيف الدولة
ص 287
وفي هذه السنة عصى أهل انطاكية على سيف الدولة بن حمدان وكان سبب ذلك أن إنسانا من أهل طرسوس كان مقدما فيها يسمى رشيقا النسيمي كان في جملة من سلمها إلى الروم وخرج إلى انطاكية فلما وصلها خدمه إنسان يعرف بابن الأهوازي كان يضمن الأرحاء بأنطاكية فسلم إليه ما اجتمع عنده من حاصل الأرجاء وحسن له العصيان وأعلمه أن سيف الدولة بميافارقين قد عجز عن العود إلى الشام فعصى واستولى على انطاكية
وسار إلى حلب وجرى بينه وبين النائب عن سيف الدولة وهو قرعويه حروب كثيرة صعد قرعويه إلى قلعة حلب فتحصن بها وأنفذ سيف الدولة عسكرا مع خادمه بشارة نجدة لقرعويه فلما علم بهم رشيق انهزم عن حلب فسقط عن فرسه فنزل إليه إنسان عربي فقتله وأخذ رأسه وحمله إلى قرعويه وبشارة
ووصل ابن الأهوازي إلى أنطاكية فأظهر إنسانا من الديلم اسمه دزبر وسماه الأمير وتقوى بإنسان علوي ليقيم له الدعوة وتسمى هو بالأستاذ فظلم الناس وجمع الأموال وقصد قرعويه إلى أنطاكية وجرت بينهما وقعة عظيمة فكانت على ابن الأهوازي أولا ثم عادت على قرعوية فانهزم وعاد إلى حلب ثم ان سيف الدولة عاد عن ميافارقين عند فراغه من الغزاة إلى حلب فأقام بها ليلة وخرج من الغد فواقع دزبر وابن الاهوازي فقاتل من بها فانهزموا وأسر دزبر وابن الاهوازي فقتل دزبر وسجن ابن الأهوازي مدة ثم قتله
ذكر عصيان أهل سجستان
ص 287
وفي هذه السنة عصى أهل سجستان على أميرهم خلف بن أحمد وكان هذا خلف هو صاحب سجستان حيننئذ وكان عالما محبا لأهل العلم فاتفق أنه حج سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة واستخلف على أعماله إنسانا من أصحابه يسمى طاهر بن الحسين فطمع في الملك وعصى على خلف لما عاد من الحج فسار خلف إلى بخارى واستنصر بالأمير منصور بن نوح وسأله معونته ورده إلى ملكه فأنجده وجهز معه العساكر فسار بهم نحو سجستان فلما أحس بهم طاهر فارق مدينة خلف وتوجه نحو أسفرار وعاد خلف إلى قراره وملكه وفرق العساكر فلما علم طاهر بذلك عاد إليه وغلب على سجستان وفارقها خلف وعاد إلى حضرة الأمير منصور أيضا ببخارى فأكرمه وأحسن إليه وأنجده بالعساكر الكثيرة ورده إلى سجستان فوافق وصوله موت طاهر وانتصاب ابنه الحسين مكانه فحاصره خلف وضايقه وكثر بينهم القتلى واستظهر خلف عليه فلما رأى ذلك كتب إلى بخارى يعتذر وينتصل ويظهر الطاعة ويسال الإقالة فأجابه الأمير منصور إلى ما طلبه وكتب في نمكينه من المسير إليه فسار من سجستان إلى بخارى فأحسن الأمير منصور إليه واستقر خلف بن أحمد بسجستان ودامت أيامه فيها وكثرت أمواله ورجاله فقطع ما كان يحمله إلى بخارى من الخلع والخدم والأموال التي استقرت عليها فجهزت العساكر إليه وجعل مقدمها الحسين بن طاهر بن الحسين المذكور فساروا إلى سجستان وحصروا خلف بن أحمد بحصن أرك وهو من أمنع الحصون وأعلاها محلا وأعمقها خندقا فدام الحصار عليه سبع سنين وكان خلف يقاتلهم بأنواع السلاح ويعمل بهم أنواع الحيل حتى أنه كان يأمر بصيد الحيات ويجعلها في جرب ويقذفها في النجنيق إليهم فكانوا يتنقلون لذلك من مكان إلى مكان فلما طال ذلك الحصار وفنيت الأموال والآلات كتب نوح بن منصور إلى أبي الحسن بن سيمجور الذي كان أمير جيوش خراسان وكان حيننئذ قد عزل عنها على ما سنذكره يأمره بالمسير إلى خلف ومحاصرته وكان بقهستان فسار منها إلى سجستان وحصر خلفا وكان بينهما مودة فأرسل إليه أبو الحسن يشير عليه بالنزول عن حصن أرك وتسليمه إلى الحسين بن طاهر ليصير لمن قد حصره من العساكر طريق وحجة يعودون بها إلى بخارى فاذا تفرقت العساكر عاود هو محاربة الحسين وبكر ابن الحسين مفردا من العساكر فقبل خلف مشورته وفارق حصن أرك إلى حصن الطارق ودخل أبو الحسين السيمجوري إلى أرك وأقام به الخطبة الأمير نوح وانصرف عنه وقرر الحسين بن طاهر فيه وسنورد ما يتجدد فيما بعد وكان أول وهن دخل على دولة السامانية فطمع أصحاب الأطراف فيهم لسوء طاعة أصحابهم لهم وقد كان ينبغي أن نورد كل حادثة من هذه الحوادث في سنتها لكننا جمعناها لقلتها فانه كان ينسى أوله لبعد ما بينه وبين آخره
ذكر طاعة أهل عمان معز الدولة وما كان منهم
ص 289
وفيها سير معز الدولة عسكرا إلى عمان فلقوا أميرها وهو نافع مولى يوسف بن وجيه وكان يوسف قد هلك وملك نافع البلد بعده وكان أسود فدخل نافع في طاعة معز الدولة وخطب له وضرب له اسمه على الدينار والدرهم فلما عاد العساكر عنه وثب به أهل عمان فأخرجوه عنهم وأدخلوا القرامطة الهجريين إليهم وتسلموا البلد فكانوا يقيمون فيه نهارا ويخرجون ليلا إلى معسكرهم وكتبوا إلى أصحابهم بهجر يعرفونهم الخبر ليأمروهم بما يفعلون
ذكر عدة حوادث
ص 289
في هذه السنة ليلة السبت رابع عشر صفر انخسف القمر حميعه
وفيها نزلت طائفة من الترك على بلاد الخزر فانتصر الخزر بأهل خوارزم فلم ينجدوهم وقالوا أنتم كفار فإن اسلمتم نصرناكم فأسلموا إلا ملكهم فنصرهم أهل خوارزم وأزالوا الترك عنهم ثم أسلم ملكهم بعد ذلك
وفيها رابع جمادى الآخرة تقلد الشريف أبو أحمد الحسين بن موسى والد الرضي والمرتضى نقابة العلويين وامارة الحاج وكتب له منشور من ديوان الخليفة
وفيها أنفذ القرامطة سرية إلى عمان والشراة في جبالها كثير فاجتمعوا فأوقعوا بالقرامطة فقتلوا كثيرا منهم وعاد الباقون
وفيها ثار إنسان من القرامطة الذين استأمنوا إلى سيف الدولة واسمه مروان وكان يتقلد السواحل لسيف الدولة فلما تمكن ثار بحمص فملكها وملك غيرها فخرج إليه غلام لقرعويه حاجب سيف الدولة اسمه بدر وواقع القرمطي عدة وقعات ففي بعضها رمى بدر مروان بنشابة مسمومة واتفق أن أصحاب مروان أسروا بدرا فقتله مروان ثم عاش بعد قتله أياما ومات
وفيها قتل المتنبي الشاعر واسمه أبو الطيب أحمد بن الحسين الكندي قريبا من النعمانية وقتل معه ابنه وكان قد عاد من عضد الدولة بفارس فقتله الأعراب هنال واخذوا ما معه
وفيها توفي محمد بن حبان بن أحمد بن حبان أبو حاتم البستي صاحب التصانيف المشهورة وأبو بكر محمد بن الحسن بن يعقوب بن مقسم المفسر النحوي المقري وكان عالما بنحو الكفيين وله تفسير كبير حسن ومحمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عبدويه أبو بكر الشافعي في ذي الحجة وكان عالما بالحديث عالي الإسناد وحبان بكسر الحاء والباء الموحدة
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.