الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء السابع / ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة
45

ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة

الجزء السابع 7 عنصر صفحة 280
ذكر عصيان نجا وقتله وملك سيف الدولة بعض أرمينية ص 280

قد ذكرنا سنة اثنتين وخمسين ما فعله نجا غلام سيف الدولة بن حمدان بأهل حران وما أخذه من أموالهم فلما اجتمعت عنده تلك الأموال قوي بها وبطر ولم يشكر ولي نعمته بل كفره وسار إلى ميافارقين وقصد بلاد أرمينية وكان قد استولى على كثير منها رجل من العرب يعرف بأبي الورد فقاتله نجا فقتل أبو الورد وأخذ نجا قلاعه وبلاده خلاط وملازكردوموش وغيرها وحصل له من أموال أبي الورد شيء كثير فأظهر العصيان على سيف الدولة فأتفق أن معز الدولة بن بويه سار من بغداد إلى الموصل ونصيبين واستولى عليها وطرد عنها ناصر الدولة على ما نذكره آنفا فكاتبه نجا وراسله وهو بنصيبين يعده المعاضده والمساعدة على مواليه بني حمدان فلما عاد معز الدولة إلى بغداد واصطلح هو وناصر الدولة سار سيف الدولة إلى نجا ليقاتله على عصيانه عليه وخروجه عن طاعته فلما وصل إلى ميافارقين هرب نجا من بين يديه فملك سيف الدولة بلاده وقلاعه التي أخذها من أبي الورد واستأمن إليه جماعه من أصحاب نجا فقتلهم واستأمن إليه أخو نجا فأحسن إليه وأكرمه وأرسل إلى نجا يرغبه ويرهبه إلى أن حضر عنده فأحسن إليه وأعاده إلى مرتبته ثم إن غلمان سيف الدولة وثبوا على نجا في دار سيف الدولة بميافارقين في ربيع الأول سنة أربع وخمسين فقتلوه بين يديه فغشي على سيف الدولة وأخرج نجا فألقي في مجرى الماء والأقذار وبقي إلى الغد ثم أخرج ودفن

ذكر حصر الروم المصيصة ووصول الغزاة من خراسان ص 281

في هذه السنة حصر الروم مع الدمستق المصيصة وقاتلوا أهلها ونقبوا سورها واشتد قتال أهلها على النقب حتى دفعهم أهلها بعد قتال عظيم وأحرق الروم رستاقها ورستاق أذنة وطرسوس لمساعدتهما أهلها فقتل من المسلمين خمسة عشر ألف رجل وأقام الروم في بلاد الإسلام خمسة عشر يوما لم يقضدهم من يقاتلهم فعادوا لغلاء الأسعار وقلة الأقوات ثم إن إنسانا وصل إلى الشام من خراسان يريد الغزاة ومعه نحو خمسة آلاف رجل وكان طريقهم على أرمينية وميافارقين فلما وصلوا إلى سيف الدولة في صفر أخذهم سيف الدولة وسار بهم نحو بلاد الروم لدفعهم عن المسلمين فوجدوا الروم قد عادوا فتفرق الغزاة الخراسانية في الثغور لشدة الغلاء وعاد أكثرهم إلى بغداد ومنها إلى خراسان ولما أراد الدمستق العود إلى بلاد الروم أرسل إلى أهل المصيصة وأذنة وطرسوس أني منصرف عنكم لا لعجز ولكن لضيق العلوفة وشدة الغلاء وأنا عائد اليكم فمن انتقل منكم فقد نجا ومن وجدته بعد عودتي قتلته

ذكر ملك معز الدولة الموصل وعوده عنها ص 281

في هذه السنة في رجب سار معز الدولة من بغداد إلى الموصل وملكها وسبب ذلك أن ناصر الدولة كان قد استقر الصلح بينه وبين معز الدولة على ألف ألف درهم يحملها ناصر الدولة كل سنة فلما حصلت الإجابة من معز الدولة بذل زيادة ليكون اليمين أيضا لولده أبي تغلب فضل الله الغضنفر معه وأن يحلف معز الدولة لهما فلم يجب إلى ذلك وتجهز معز الدولة وسار إلى الموصل في جمادى الآخرة فلما قاربها سار ناصر الدولة إلى نصيبين ووصل معز الدولة إلى الموصل وملكها في رجب وسار يطلب ناصر الدولة حادي عشر شعبان واستخلف على الموصل أبا العلاء صاعد بن ثابت ليحمل الغلات ويجبي الخراج وخلف بكتوزون وسبكتكين العجمي في جيش ليحفظ البلد فلما قارب معز الدولة نصيبين فارقها ناصر الدولة وملك معز الدولة نصيبين ولم يعلم أي جهة قصد ناصر الدولة فخاف أن يخالفه إلى الموصل فعاد عن نصيبين نحو الموصل وتركبها من يحفظها

وكان أبو تغلب بن ناصر الدولة قد قصد الموصل وحارب من بها من أصحاب معز الدولة وكانت الدائرة عليه فانصرف بعد أن أحرق السفن التي لمعز الدولة وأصحابه ولما انتهى الخبر إلى معز الدولة بظفر أصحابه سكنت نفسه وأقام ببرقعيد يتوقع أخبار ناصر الدولة فبلغه أنه نزل بجزيرة ابن عمر فرحل عن ببرقعيد إليها فوصلها سادس شهر رمضان فلم يجد بها ناصر الدولة فملكها وسأل عن ناصر الدولة فقيل انه بالحسنية ولم يكن كذلك وانما كان قد اجتمع هو وأولاده وعساكره وسار نحو الموصل فأوقع بمن فيها من أصحاب معز الدولة فقتل كثيرا منهم وأسر كثيرا وفي الأسرى أبو العلاء وسبكتكين وبكتوزون وملك جميع ما خلفه معز الدولة من مال وسلاح وغير ذلك وحمل جميعه مع الأسرى إلى قلعة كواشي فلما سمع معز الدولة بما فعله ناصر الدولة سار يقصده فرحل ناصر الدولة إلى سنجاره

قلما وصل معز الدولة بلغه مسير ناصر الدولة إلى سنجار فعاد إلى نصيبين فسار أبو تغلب بن ناصر الدولة إلى الموصل فنزل بظاهرها عند الدير الأعلى ولم يتعرض إلى أحد ممن بها من أصحاب معز الدولة فلما سمع معز الدولة بنزول أبي تغلب بالموصل سار إليها ففارقها أبو تغلب وقصد الزاب فأقام عنده وراسل معز الدولة في الصلح فأجابه لأنه علم أنه متى فارق الموصل عادوا وملكوها ومتى أقام بها لا يزال مترددا وهم يغيرون على النواحي فأجابه إلى ما التمسه وعقد عليه ضمان الموصل وديار ربيعة والرحبة وما كان في يد أبيه بمال قرره وان يطلق من عندهم من الأسرى فاسقرت القواعد على ذلك ورحل معز الدولة إلى بغداد وكان معه في سفرته هذه ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة

ذكر حال الداعي العلوي ص 282

كان قد هرب أبو عبد الله محمد بن الحسين المروف بابن الداعي من بغداد وهو حسني من أولاد الحسن بن علي رضي الهه عنهما وسار نحو بلاد الديلم وترك أهله وعياله ببغداد فلما وصل إلى بلاد الديلم اجتمع عليه عشرة آلاف رجل فهرب ابن الناصر العلوي من بين يديه وتلقب ابن الداعي بالمهدي لدين الهه وعظم شأنه وأوقع بقائد كبير من قواد وشمكير فهزمه

ذكر حصر الروم طرسوس والمصيصة ص 283

وفي هذه السنة أيضا نزل ملك الروم على طرسوس وحصرها وجرى بينهم وبين أهلها حروب كثيرة سقط في بعضها الدمستق بن الشمشقيق إلى الأرض وكاد يؤسر فقاتل الروم وخلصوه وأسر أهل طرسوس بطريقا كبيرا من بطارقة الروم ورحل الروم عنها وتركوا عسكرا على المصيصة مع الدمستق فحصرهل ثلاثة أشهر لم يمنعهم منها أحد فاشتد الغلاء على الروم وكان شديدا قبل نزولهم فلها طمعوا في البلاد لعدم الأوات عندهم فلما نزل الروم زاد شدة وكثر الوباء أيضا فمات من الروم كثير فاضطروا إلى الرحيل

ذكر فتح رمطة والحرب بين المسلمين والروم بصقلية ص 283

قد ذكرنا سنة إحدى وخمسين فتح طبرمين وحصر رمطة والروم فيها فلما رأى الروم ذلك خافوا وأرسلوا إلى ملك القسطنطينية يعلمونه الحال ويطلبون منه أن ينجدهم بالعساكر فجهز اليهم عسكرا عظيما يزيدون على أربعين ألف مقاتل وسيرهم في البحر فوصلت الأخبار إلى الأمير أحمد أمير صقلية فأرسل إلى المعز بأفريقية يعرفه ذلك ويستمده ويسأل إرسال العساكر إليه سريعا وشرع هو في اصلاح الأسطول والزيادة فيه وجمع الرجال المقاتلة في البر والبحر وأما المعز فإنه جمع الرجال وحشد وفرق فيهم الأموال الجليلة وسيرهم مع الحسن بن علي والد أحمد فوصلوا إلى صقلية في رمضان وسار بعضهم إلى الذين يحاصرون رمطة فكانوا معهم على حصارها فأما الروم فإنهم وصلوا أيضا إلى صقلية ونزلوا عند مدينة مسيني في شوال وزحفوا منها بجموعهم التي لم يدخل صقلية مثلها إلى رمطة فلما سمع الحسن بن عمار مقدم الجيش الذين يحاصرون رمطة ذلك جعل عليها طائفة من عسكره يمنعون من يخرج منها وبرز بالعساكر للقاء الروم وقد عزموا على الموت

ووصل الروم وأحاطوا بالمسلمين ونزل أهل رمطة إلى من يليهم ليأتوا المسلمين من ظهورهم فقاتلهم الذين جعلوا هناك لمنعهم وصدوهم عما أرادوا وتقدم الروم إلى القتال وهم مدلون بكثرتهم وبما معهم من العدد وغيرها والتحم القتال وعظم الأمر على المسلمين وألحقهم العدو بخيامهم وأيقن الروم بالظفر فلما رأى المسلمين عظم ما نزل بهم إختاروا الموت ورأوا أنه أسلم لهم وأخذوا بقول الشاعر

( تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد % لنفسي حياة مثل أن أتقدما )

فحمل بهم الحسن بن عمار أميرهم وحمي الوطيس حيننئذ وحرضهم على قتال الكفار وكذلك فعل بطارقة الروم حملوا وحرضوا عساكرهم وحمل منويل مقدم الروم فقتل في المسلمين فطعنه المسلمون فلم يؤثر فيه لكثرة ما عليه من اللباس فرمى بعضهم فرسه فقتله واشتد القتال عليه فقتل هو وجماعة من بطارقته فلما قتل انهزم الروم أقبح هزيمة واكثر المسلمون فيه القتل ووصل المنهزمون إلى جرف خندق عظيم كالحفرة فسقطوا فيها من خوف السيف فقتل بعضهم بعضا حتى امتلأت وكانت الحرب من بكرة إلى العصر وبات المسلمون يقاتلونهم في كل ناحية وغنموا من السلاح والخيل وصنوف الأموال ما لا يحد وكان في جملة الغنيمو سيف هندي عليه مكتوب هذا سيف هندي وزنه مائة وسبعون مثقالا طالما ضرب به بين يدي رسول الله فأرسل إلى المعز مع الأسرى والرؤوس وسار من سلم من الروم إلى ريو

واما أهل رمطة فإنهم ضعفت نفوسهم وكانت الأقوات قد قلت عندهم فأخرجوا من فيها من الضعفاء وبقي المقاتلة فزحف إليهم المسلمون وقاتلوهم إلى الليل ولزموا القتال في الليل ايضا وتقدموا بالسلاليم فملكوها عنوة وقتلوا من فيها وسبوا الحرم والصغار وغنموا ما فيها وكان شيئا كثيرا عظيما ورتب فيها من المسلمين من يعمرها ويقيم فيها ثم إن الروم تجمع من سلم منهم وأخذوا معهم من في صقلية وجزيرة ريو منهم وركبوا مراكبهم يحفظون نفوسهم فركب الأمير أحمد في عساكره وأصحابه في المراكب أيضا وزحف إليهم في الماء وقاتلهم وإشتد القتال بينهم وألقى جماعة من المسلمين نفوسهم في الماء وخرقوا كثيرا من المراكب التي للروم فغرقت وكثر القتل في الروم فانهزموا لا يلوي أحد على أحد وسارت سرايا المسلمين في مدائن الروم فغنموا منها فبذل أهلها لهم من الأموال وهادنوهم وكان ذلك سنة أربع وخمسين وثلاثمائة وهذه الوقعة الأخيرة هي المعروفة بوقعة المجاز

ذكر عدة حوادث ص 285

في هذه السنة عاشر المحرم أغلقت الأسواق ببغداد يوم عاشوراء وفعل الناس ما تقدم ذكره فثارت فتنة عظيمة بين الشيعة والسنية جرح فيهل كثير ونهبت الأموال

وفيها في ذي الحجة ظهر بالكوفة إنسان ادعى أنه علوي وكان مبرقعا فوقع بينه وبين أبي الحسن محمد بن عمر العلوي وقائع فلما عاد معز الدولة من الموصل هرب المبرقع

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.