قد ذكرنا سنة اثنتين وخمسين ما فعله نجا غلام سيف الدولة بن حمدان بأهل حران وما أخذه من أموالهم فلما اجتمعت عنده تلك الأموال قوي بها وبطر ولم يشكر ولي نعمته بل كفره وسار إلى ميافارقين وقصد بلاد أرمينية وكان قد استولى على كثير منها رجل من العرب يعرف بأبي الورد فقاتله نجا فقتل أبو الورد وأخذ نجا قلاعه وبلاده خلاط وملازكردوموش وغيرها وحصل له من أموال أبي الورد شيء كثير فأظهر العصيان على سيف الدولة فأتفق أن معز الدولة بن بويه سار من بغداد إلى الموصل ونصيبين واستولى عليها وطرد عنها ناصر الدولة على ما نذكره آنفا فكاتبه نجا وراسله وهو بنصيبين يعده المعاضده والمساعدة على مواليه بني حمدان فلما عاد معز الدولة إلى بغداد واصطلح هو وناصر الدولة سار سيف الدولة إلى نجا ليقاتله على عصيانه عليه وخروجه عن طاعته فلما وصل إلى ميافارقين هرب نجا من بين يديه فملك سيف الدولة بلاده وقلاعه التي أخذها من أبي الورد واستأمن إليه جماعه من أصحاب نجا فقتلهم واستأمن إليه أخو نجا فأحسن إليه وأكرمه وأرسل إلى نجا يرغبه ويرهبه إلى أن حضر عنده فأحسن إليه وأعاده إلى مرتبته ثم إن غلمان سيف الدولة وثبوا على نجا في دار سيف الدولة بميافارقين في ربيع الأول سنة أربع وخمسين فقتلوه بين يديه فغشي على سيف الدولة وأخرج نجا فألقي في مجرى الماء والأقذار وبقي إلى الغد ثم أخرج ودفن
ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة
في هذه السنة حصر الروم مع الدمستق المصيصة وقاتلوا أهلها ونقبوا سورها واشتد قتال أهلها على النقب حتى دفعهم أهلها بعد قتال عظيم وأحرق الروم رستاقها ورستاق أذنة وطرسوس لمساعدتهما أهلها فقتل من المسلمين خمسة عشر ألف رجل وأقام الروم في بلاد الإسلام خمسة عشر يوما لم يقضدهم من يقاتلهم فعادوا لغلاء الأسعار وقلة الأقوات ثم إن إنسانا وصل إلى الشام من خراسان يريد الغزاة ومعه نحو خمسة آلاف رجل وكان طريقهم على أرمينية وميافارقين فلما وصلوا إلى سيف الدولة في صفر أخذهم سيف الدولة وسار بهم نحو بلاد الروم لدفعهم عن المسلمين فوجدوا الروم قد عادوا فتفرق الغزاة الخراسانية في الثغور لشدة الغلاء وعاد أكثرهم إلى بغداد ومنها إلى خراسان ولما أراد الدمستق العود إلى بلاد الروم أرسل إلى أهل المصيصة وأذنة وطرسوس أني منصرف عنكم لا لعجز ولكن لضيق العلوفة وشدة الغلاء وأنا عائد اليكم فمن انتقل منكم فقد نجا ومن وجدته بعد عودتي قتلته
في هذه السنة في رجب سار معز الدولة من بغداد إلى الموصل وملكها وسبب ذلك أن ناصر الدولة كان قد استقر الصلح بينه وبين معز الدولة على ألف ألف درهم يحملها ناصر الدولة كل سنة فلما حصلت الإجابة من معز الدولة بذل زيادة ليكون اليمين أيضا لولده أبي تغلب فضل الله الغضنفر معه وأن يحلف معز الدولة لهما فلم يجب إلى ذلك وتجهز معز الدولة وسار إلى الموصل في جمادى الآخرة فلما قاربها سار ناصر الدولة إلى نصيبين ووصل معز الدولة إلى الموصل وملكها في رجب وسار يطلب ناصر الدولة حادي عشر شعبان واستخلف على الموصل أبا العلاء صاعد بن ثابت ليحمل الغلات ويجبي الخراج وخلف بكتوزون وسبكتكين العجمي في جيش ليحفظ البلد فلما قارب معز الدولة نصيبين فارقها ناصر الدولة وملك معز الدولة نصيبين ولم يعلم أي جهة قصد ناصر الدولة فخاف أن يخالفه إلى الموصل فعاد عن نصيبين نحو الموصل وتركبها من يحفظها
وكان أبو تغلب بن ناصر الدولة قد قصد الموصل وحارب من بها من أصحاب معز الدولة وكانت الدائرة عليه فانصرف بعد أن أحرق السفن التي لمعز الدولة وأصحابه ولما انتهى الخبر إلى معز الدولة بظفر أصحابه سكنت نفسه وأقام ببرقعيد يتوقع أخبار ناصر الدولة فبلغه أنه نزل بجزيرة ابن عمر فرحل عن ببرقعيد إليها فوصلها سادس شهر رمضان فلم يجد بها ناصر الدولة فملكها وسأل عن ناصر الدولة فقيل انه بالحسنية ولم يكن كذلك وانما كان قد اجتمع هو وأولاده وعساكره وسار نحو الموصل فأوقع بمن فيها من أصحاب معز الدولة فقتل كثيرا منهم وأسر كثيرا وفي الأسرى أبو العلاء وسبكتكين وبكتوزون وملك جميع ما خلفه معز الدولة من مال وسلاح وغير ذلك وحمل جميعه مع الأسرى إلى قلعة كواشي فلما سمع معز الدولة بما فعله ناصر الدولة سار يقصده فرحل ناصر الدولة إلى سنجاره
قلما وصل معز الدولة بلغه مسير ناصر الدولة إلى سنجار فعاد إلى نصيبين فسار أبو تغلب بن ناصر الدولة إلى الموصل فنزل بظاهرها عند الدير الأعلى ولم يتعرض إلى أحد ممن بها من أصحاب معز الدولة فلما سمع معز الدولة بنزول أبي تغلب بالموصل سار إليها ففارقها أبو تغلب وقصد الزاب فأقام عنده وراسل معز الدولة في الصلح فأجابه لأنه علم أنه متى فارق الموصل عادوا وملكوها ومتى أقام بها لا يزال مترددا وهم يغيرون على النواحي فأجابه إلى ما التمسه وعقد عليه ضمان الموصل وديار ربيعة والرحبة وما كان في يد أبيه بمال قرره وان يطلق من عندهم من الأسرى فاسقرت القواعد على ذلك ورحل معز الدولة إلى بغداد وكان معه في سفرته هذه ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة
كان قد هرب أبو عبد الله محمد بن الحسين المروف بابن الداعي من بغداد وهو حسني من أولاد الحسن بن علي رضي الهه عنهما وسار نحو بلاد الديلم وترك أهله وعياله ببغداد فلما وصل إلى بلاد الديلم اجتمع عليه عشرة آلاف رجل فهرب ابن الناصر العلوي من بين يديه وتلقب ابن الداعي بالمهدي لدين الهه وعظم شأنه وأوقع بقائد كبير من قواد وشمكير فهزمه
وفي هذه السنة أيضا نزل ملك الروم على طرسوس وحصرها وجرى بينهم وبين أهلها حروب كثيرة سقط في بعضها الدمستق بن الشمشقيق إلى الأرض وكاد يؤسر فقاتل الروم وخلصوه وأسر أهل طرسوس بطريقا كبيرا من بطارقة الروم ورحل الروم عنها وتركوا عسكرا على المصيصة مع الدمستق فحصرهل ثلاثة أشهر لم يمنعهم منها أحد فاشتد الغلاء على الروم وكان شديدا قبل نزولهم فلها طمعوا في البلاد لعدم الأوات عندهم فلما نزل الروم زاد شدة وكثر الوباء أيضا فمات من الروم كثير فاضطروا إلى الرحيل
قد ذكرنا سنة إحدى وخمسين فتح طبرمين وحصر رمطة والروم فيها فلما رأى الروم ذلك خافوا وأرسلوا إلى ملك القسطنطينية يعلمونه الحال ويطلبون منه أن ينجدهم بالعساكر فجهز اليهم عسكرا عظيما يزيدون على أربعين ألف مقاتل وسيرهم في البحر فوصلت الأخبار إلى الأمير أحمد أمير صقلية فأرسل إلى المعز بأفريقية يعرفه ذلك ويستمده ويسأل إرسال العساكر إليه سريعا وشرع هو في اصلاح الأسطول والزيادة فيه وجمع الرجال المقاتلة في البر والبحر وأما المعز فإنه جمع الرجال وحشد وفرق فيهم الأموال الجليلة وسيرهم مع الحسن بن علي والد أحمد فوصلوا إلى صقلية في رمضان وسار بعضهم إلى الذين يحاصرون رمطة فكانوا معهم على حصارها فأما الروم فإنهم وصلوا أيضا إلى صقلية ونزلوا عند مدينة مسيني في شوال وزحفوا منها بجموعهم التي لم يدخل صقلية مثلها إلى رمطة فلما سمع الحسن بن عمار مقدم الجيش الذين يحاصرون رمطة ذلك جعل عليها طائفة من عسكره يمنعون من يخرج منها وبرز بالعساكر للقاء الروم وقد عزموا على الموت
ووصل الروم وأحاطوا بالمسلمين ونزل أهل رمطة إلى من يليهم ليأتوا المسلمين من ظهورهم فقاتلهم الذين جعلوا هناك لمنعهم وصدوهم عما أرادوا وتقدم الروم إلى القتال وهم مدلون بكثرتهم وبما معهم من العدد وغيرها والتحم القتال وعظم الأمر على المسلمين وألحقهم العدو بخيامهم وأيقن الروم بالظفر فلما رأى المسلمين عظم ما نزل بهم إختاروا الموت ورأوا أنه أسلم لهم وأخذوا بقول الشاعر
( تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد % لنفسي حياة مثل أن أتقدما )
فحمل بهم الحسن بن عمار أميرهم وحمي الوطيس حيننئذ وحرضهم على قتال الكفار وكذلك فعل بطارقة الروم حملوا وحرضوا عساكرهم وحمل منويل مقدم الروم فقتل في المسلمين فطعنه المسلمون فلم يؤثر فيه لكثرة ما عليه من اللباس فرمى بعضهم فرسه فقتله واشتد القتال عليه فقتل هو وجماعة من بطارقته فلما قتل انهزم الروم أقبح هزيمة واكثر المسلمون فيه القتل ووصل المنهزمون إلى جرف خندق عظيم كالحفرة فسقطوا فيها من خوف السيف فقتل بعضهم بعضا حتى امتلأت وكانت الحرب من بكرة إلى العصر وبات المسلمون يقاتلونهم في كل ناحية وغنموا من السلاح والخيل وصنوف الأموال ما لا يحد وكان في جملة الغنيمو سيف هندي عليه مكتوب هذا سيف هندي وزنه مائة وسبعون مثقالا طالما ضرب به بين يدي رسول الله فأرسل إلى المعز مع الأسرى والرؤوس وسار من سلم من الروم إلى ريو
واما أهل رمطة فإنهم ضعفت نفوسهم وكانت الأقوات قد قلت عندهم فأخرجوا من فيها من الضعفاء وبقي المقاتلة فزحف إليهم المسلمون وقاتلوهم إلى الليل ولزموا القتال في الليل ايضا وتقدموا بالسلاليم فملكوها عنوة وقتلوا من فيها وسبوا الحرم والصغار وغنموا ما فيها وكان شيئا كثيرا عظيما ورتب فيها من المسلمين من يعمرها ويقيم فيها ثم إن الروم تجمع من سلم منهم وأخذوا معهم من في صقلية وجزيرة ريو منهم وركبوا مراكبهم يحفظون نفوسهم فركب الأمير أحمد في عساكره وأصحابه في المراكب أيضا وزحف إليهم في الماء وقاتلهم وإشتد القتال بينهم وألقى جماعة من المسلمين نفوسهم في الماء وخرقوا كثيرا من المراكب التي للروم فغرقت وكثر القتل في الروم فانهزموا لا يلوي أحد على أحد وسارت سرايا المسلمين في مدائن الروم فغنموا منها فبذل أهلها لهم من الأموال وهادنوهم وكان ذلك سنة أربع وخمسين وثلاثمائة وهذه الوقعة الأخيرة هي المعروفة بوقعة المجاز
في هذه السنة عاشر المحرم أغلقت الأسواق ببغداد يوم عاشوراء وفعل الناس ما تقدم ذكره فثارت فتنة عظيمة بين الشيعة والسنية جرح فيهل كثير ونهبت الأموال
وفيها في ذي الحجة ظهر بالكوفة إنسان ادعى أنه علوي وكان مبرقعا فوقع بينه وبين أبي الحسن محمد بن عمر العلوي وقائع فلما عاد معز الدولة من الموصل هرب المبرقع
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
