في هذه السنة في صفر امتنع أهل حران على صاحبها هبة الله بن ناصر الدولة بن حمدان وعصوا عليه وسبب ذلك أنه كان متقلدا لها ولغيرها من ديار مضر من قبل عمه سيف الدولة فعسفهم نوابه وظلموهم وطرحوا الأمتعة على التجار من أهل حران وبالغوا في ظلمهم وكان هبة الله عند عمه سيف الدولة بحلب فتار أهلها على نوابه وطردهم فسمع هبة الله بالخبر فسار اليهم وحاربهم وحصرهم فقاتلهم وقاتلوه أكثر من شهرين فقتل منهم خلق كثير فلما رأى سيف الدولة شدة الأمر واتصال الشر قرب منهم وراسلهم وأجابهم إلى ما يريدون فاصطلحوا وفتحوا أبواب البلد وهرب منه العيارون خوفا من هبة الله
ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة
في هذه السنة سار الوزير أبو محمد المهلبي وزير معز الدولة في جمادى الآخرة في جيش كثيف إلى عمان ليفتحها فلما بلغ البحر اعتل واشتدت علته فأعيد إلى بغداد فمات في الطريق في شعبان وحمل تابوته إلى بغداد فدفن بها وقبض معز الدولة أمواله وذخائره وكا ما كان له وأخذ أهله وأصحابه وحواشيه حتى ملاحه ومن خدمة يوما واحدا فقبض عليهم وحبسهم فاستعظم الناس ذلك واستقبحوه وكانت مدة وزارته ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر وكان كريما فاضلا ذا عقل ومروءة فمات بموته الكرم ونظر في الأمور بعده أبو الفضل العباس بن الحسين الشيرازي وأبو الفرج محمد بن العباس بن فسانجس من غير تسمية لأحدهما بوازرة
في هذه السنة في شوال دخل أهل طرسوس بلاد الروم غازين ودخلها أيضا نجا غلام سيف الدولة بن حمدان من درب آخر ولم يكن سيف الدولة معهم لمرضه فإنه كان قد لحقه قبل ذلك بسنتين فالج على رأس درب من تلك الدروب فأوغل أهل طرسوس في غزوتهم حتى واصلوا إلى قونية وعادوا فرجع سيف الدولة إلى حلب فلحقه في الطريق غشية أرجف عليه الناس بالموت فوثب هبة الله ابن أخيه ناصر الدولة بن حمدان بابن دنجا النصراني فقتله وكان خصيصا بسيف الدولة وإنما قتله لأنه يتعرض لغلام له فغار لذلك ثم أفاق سيف الدولة فلما علم هبة الله أن عمه لم يمت هرب إلى حران فلما دخلها أظهر لأهلها أن عمه مات وطلب منهم اليمين على أن يكونوا سلما لمن سالمه وحربا لمن حاربه فحلفوا له واستثنوا عمه في اليمين فأرسل سيف الدولة غلامه نجا إلى حران في طلب هبة الله فلما قاربها هرب هبة الله إلى أبيه بالموصل فنزل نجا على حران في السابع والعشرين من شوال فخرج أهلها إليه من الغد فقبض عليهم وصادرهم على ألف ألف درهم ووكل بهم حتى أدوها في خمسة أيام بعد الضرب الوجيع بحضرة عيالاتهم وأهليهم فأخرجوا أمتعتهم فباعوا كل ما يساوي دينارا بدرهم لأن أهل البلد كلهم كانوا يبيعون ليس فيهم من يشتري لأنهم مصادرون فاشترى ذلك أصحاب نجا بما أرادوا وافتقر أهل البلد وسار نجا إلى ميافارقين وترك حران شاغرة بغير وال فتسلط العيارون على أهلها وكان من أمر نجا ما نذكره سنة ثلاث وخمسين
في هذه السنة عاشر المحرم أمر معز الدولة الناس أن يغلقوا دكاكينهم ويبطلوا الأسواق والبيع والشراء وأن يظهروا النياحة ويلبسوا قبابا عملوها بالمسوح وأن يخرج النساء منشرات الشعور مسودات الوجوه قد شققن ثيابهن يدرن في البلد بالنوائح ويلطمن وجوههن على الحسين بن علي رضي الله عنهما ففعل الناس ذلك ولم يكن للسنية قدرة على المنع منه لكثرة الشيعة ولأن السلطان معهم
وفيها في ربيع الأول اجتمع من رجالة الأرمن جماعة كثيرة وقصدوا الرها فأغاروا عليها فغنموا وأسروا وعادوا موفورين
وفيها عزل ابن أبي الشوارب عن قضاء بغداد وتقلد مكانه أبو بشر عمرو بن أكتم وأعفى عما عما كان يحمله ابن أبي الشوارب من الضمان عن القضاء وأمر بإبطال أحكامه وسجلاته
وفيها في شعبان تار الروم بملكهم فقتلوه وملكوا غيره وصار ابن شمشقيق دمستقا وهو الذي يقوله العامة ابن الشمشكي $ وفيها في ثامن عشر ذي الحجة أمر معز الدولة بإظهار الزينة في البلد وأشعلت النيران بمجلس الشرطة وأظهر الفرح وفتحت الأسواق بالليل كما يفعل ليالي الأعياد فعل ذلك فرحا بعيد الغدير يعني غدير خم وضربت الدبادب والبوقات وكان يوما مشهودا
وفيها في ذي الحجة الواقع في كانون الثاني خرج الناس في العراق للإستسقاء لعدم المطر
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
