ذكر حادثة غريبة
ص 16
في هذه السنة ظهر في دار كان يسكنها المقتدر بالله إنسان اعجمي وعليه ثياب فاخرة وتحتها مما يلي بدنه قميص صوف ومعه مقدحة وكبريت ومحبرة وأقلام وسكين وكاغد وفي كيس سويق وسكر وحبل طويل من قنب يقال إنه دخل مع الصناع فبقي هناك فعطش فخرج يطلب الماء فأخذ
فاحضروه عند ابن الفرات فسأله عن حاله فقال : لا أخبر إلا صاحب الدار فرفق به فلم يخبره بشيء وقال لا أخبر إلا صاحب الدار فضربوه ليقرروه فقال بسم الله بدأتم بالشر ولزم هذه اللفظة ثم جعل يقول بإليهرسية ندانم معناه لا ادري فأمر به فأحرق وأنكر ابن الفرات على نصر الحاجب هذه الحال حيث هو الحاجب وعظم الأمر بين يدي المقتدر ونسبه إلى أنه أخفاه ليقتل المقتدر فقال نصر لم أقتل أمير المؤمنين وقد رفعني من الثرى إلى الثريا إنما يسعى في قتله من صادره وأخذ أمواله وأطال حبسه هذه السنين وأخذ ضياعه وصار لابن الفرات بسبب هذا الحادث في معنى نصر
ذكر أخذ الحاج
ص 16
في هذه السنة سار أبو طاهر القرمطي إلى الهبير في عسكر عظيم ليلقي الحاج سنة إحدى عشرة وثلاثمائة في رجوعهم من مكة فاوقع بقافلة تقدمت معظم الحاج وكان فيها خلق كثيرا من أهل بغداد فنهبهم واتصل الخبر بباقي الحاج وهم بفيد فأقاموا بها حتى فني زادهم فارتحلوا مسرعين وكان أبوالهيجاء بن حمدان قد أشار عليهم بالعود إلى وادي القرى وأنهم لا يقيمون بفيد فاستطالوا الطريق ولم يقبلوا منه وكان إلى أبي الهيجاء طريق الكوفة وكثير الحاج فلما فني زادهم ساروا على طريق الكوفة فأوقع بهم القرامطة وأخذوهم وأسروا أبا الهيجاء وأحمد بن كشمرد ونحرير وأحمد بن بدر عم والدة المقتدر وأخذ أبو الطاهر جمال الحجاج جميعها وما أراد من الأمتعة والأموال والنساء والصبيان وعاد إلى هجر وترك الحاج في مواضعهم فمات أكثرهم جوعا وعطشا من حر الشمس وكان عمر أبي طاهر حينئذ سبع عشرة سنة
وانقلبت بغداد واجتمع حرم المأخوذين إلى حرم المنكوبين الذين نكبهم ابن الفرات وجعلن ينادين القرمطي الصغير أبو طاهر قتل المسلمين في طريق مكة والقرمطي الكبير ابن الفرات قد قتل المسلمين ببغداد وكانت صورة فظيعة شنيعة وكسر العامة منابر الجوامع وسودوا المحاريب يوم الجمعة لست خلون من صفر وضعفت نفس ابن الفرات وحضر عند المقتدر ليأخذ أمره فيما بفعله وحضر نصر الحاجب المشورة فانبسط لسانه على ابن الفرات وقال له الساعة تقول أي شيء نصنع وما هو الرأي بعد ان زعزعت أركان الدولة وعرضتها للزوال في الباطن بالميل مع كل عدو يظهر ومكاتبته ومهادنته وفي الظاهر بإبعادك مؤنسا ومن معه إلى الرقة وهم سيوف الدولة فمن يدفع الآن هذا الرجل إن قصد الحضرة أنت أو ولدك وقد ظهر الآن إن مقصودك بإبعاد مؤنس وبالقبض علي وعلى غيري أن تستضعف الدولة وتقوي أعداؤها لتشفي غيظ قلبك ممن صادرك وأخذ أموالك ومن الذي سلم الناس إلى القرمطي غيرك لما يجمع بينكما من التشيع والرفض وقد ظهر أيضا أن ذلك الرجل العجمي كان من أصحاب القرمطي وأنت أوصلته فحلف ابن الفرات انه ما كاتب القرمطي ولا هاداه ولا رآى ذلك الأعجمي إلا تلك الساعة والمقتدر معرض عنه وأشار نصر على المقتدر أن يحضر مؤنسا ومن معه ففعل ذلك وكتب إليه بالحضور فسار إلى ذلك ونهض ابن الفرات فركب في طيارة فرجمه العامة حتى كاد يغرق وتقدم المقتدر إلى ياقوت بالمسير إلى الكوفة ليمنعها من القرامطة فخرج في جمع كثير ومعه ولداه المظفر ومحمد فخرج على ذلك العسكر مال عظيم وورد الخبر بعدو القرامطة فعطل مسير ياقوت ووصل مؤنس المظفر إلى بغداد ولما رآى المحسن ابن الوزير ابن الفرات انحلال أمورهم أخذ كل من كان محبوسا عنده من المصادرين فقتلهم لأنه كان قد أخذ منهم أموالا جليلة ولم يوصلها إلى المقتدر فخاف أن يقروا عليه
ذكر القبض على الوزير ابن الفرات وولده المحسن
ص 17
ثم ان الأرجاف كثر على ابن الفرات فكتب إلى المقتدر يعرفه ذلك وإن الناس انما عادوه لنصحه وشفقته وأخذ حقوقه منهم فانفذ المقتدر إليه يسكنه ويطيب قلبه فركب هو وولده إلى المقتدر فأدخلهما إليه فطيب قلوبهما فخرجا من عنده فمنعهما نصر الحاجب من الخروج ووكل بهما فدخل مفلح على المقتدر واشار عليه بتأخير عزله فأمر باطلاقهما فخرج هو وابنه المحسن فأما المحسن فإنه اختفى وأما الوزير فإنه جلس عامة نهاره يمضي الأشغال إلى الليل ثم بات مفكرا فلما اصبح سمعه بعض خدمه ينشد
( وأصبح لا يدري وإن كان حازما % اقدامه خير له أم وراءه )
فلما اصبح الغد وهو الثامن من ربيع الأول وأرتفع النهار أتاه نازوك وبليق في عدة من الجند فدخلوا إلى الوزيروهو عند الحرم فأخرجوه حافيا مكشوف الرأس وأخذ إلى دجلة فألقى عليه يلبق طيلسانا غطى به رأسه وحمل إلى طيار فيه مؤنس المظفر ومعه هلال بن بدر فاعتذر اليه ابن الفرات والآن كلامه فقال له أنا الآن الأستاذ وكنت بالأمس الخائن الساعي في فساد الدولة وأخرجتني والمطر على رأسي ورؤوس أصحابي ولم تمهلني ثم سلم إلى شفيع اللؤلؤي فحبس عنده وكانت مدة وزارته هذه عشرة أشهر وثمانية عشر يوما وأخذ أصحابه وأولاده ولم ينج منهم إلا المحسن فإنه اختفى وصودر ابن الفرات على جملة من المال مبلغها ألف ألف دينار
ذكر وزارة أبي القاسم الخاقاني
ص 18
ولما تغير حال ابن الفرات سعى عبد الله بن محمد بن عبد الله بن يحي بن خاقان أبو القاسم بن أبي علي الخاقاني في الوزارة وكتب خطه أنه يتكفل ابن الفرات وأصحابه بمصادرة ألفي ألف دينار وسعى له مؤنس الخادم وهارون بن غريب الخال ونصر الحاجب وكان أبو علي الخاقاني والد أبي القاسم مريضا شديد المرض وقد تغير عليه لكبر سنه فلم يعلم بشيء من حال ولده وتولى أبو القاسم الوزارة تاسع ربيع الأول وكان المقتدر يكرهه فلما سمع ابن الفرات وهو محبوس بولايته قال الخليفة هو الذي نكب لا أنا يعني أن الوزير عاجز لا يعرف أمر الوزارة ولما وزر الخاقاني شفع اليه مؤنس الخادم في إعادة علي بن عيسى من صنعاء إلى مكة فكتب إلى جعفر عامل اليمن في الأذن لعلي بن عيسى في العود إلى مكة ففعل ذلك واذن لعلي في الاطلاع على اعمال مصر والشام ومات أبو علي الخاقاني في وزارة ولده هذه
ذكر قتل ابن الفرات وولده المحسن
ص 19
وكان المحسن ابن الوزير ابن الفرات مختفيا كما ذكرنا وكان عند حماته حزانة وهي والدة الفضل بن جعفر بن الفرات وكانت تأخذه كل يوم إلى المقبرة وتعود به إلى المنازل التي يثق بأهلها عشاء وهو في زي امرأة فمضت يوما إلى مقابر قريش وأدركها الليل فبعد عليها الطريق فأشارت عليها امرأة معها ان تقصد امرأة صالحة تعرفها بالخير تختفي عندها فأخذت المحسن وقصدت تلك المرأة وقالت لها معنا صبية بكر نريد بيتا نكون فيه فأمرتهم بالدخول إلى دارها وسلمت اليهم قبة في الدار فأدخلن المحسن إليها وجلسن النساء الذين معه في صفة بين يدي باب القبة فجاءت جارية سوداء قرأت المحسن في القبة فعادت إلى مولاتها فأخبرتها أن في الدار رجلا فجاءت صاحبتها فلما رأته عرفته وكان المحسن قد أخذ زوجها ليصادره فلما رأى الناس في داره يجلدون ويشقصون ويعذبون مات فجأة فلما رأت المرأة المحسن وعرفته ركبت في سيفنة وقصدت دار الخليفة وصاحت معي نصحية لأمير المؤمنين فأحضرها نصر الحاجب فأخبرته بخبر المحسن فانتهى ذلك إلى المقتدر فأمر ناوزك صاحب الشرطة ان يسير معها ويحضره فأخدها معه إلى منزلها ودخل المنزل واخذ المحسن وعاد به إلى المقتدر فرده إلى دار الوزير فعذب بأنواع العذاب ليجيب إلى مصادرة يبذلها فلم يجبهم إلى دينار واحد وقال لا اجمع لكم بين نفسي ومالي واشتد العذاب عليه بحيث امتنع عن الطعام فلما علم ذلك المقتدر أمر بحمله مع أبيه إلى دار الخلافة فقال الوزير أبو القاسم لمؤنس وهارون بن غريب الخال ونصرالحاجب ان ينقل ابن الفرات إلى دار الخلافة بذل أمواله واطمع المقتدر في أموالنا وضمننا منه وتسلمنا فاهلكنا فواضعوا القواد والجند حتى قالوا للخليفة إنه لا بد من قتل ابن الفرات وولده فاننا لا نأمن على أنفسنا ما داما في الحياة وترددت الرسائل في ذلك واشار مؤنس وهارون بن غريب ونصر الحاجب بموافقتهم وإجابتهم إلى ما طلبوا فأمر نازوك بقتلهما فذبحهما كما يذبح الغنم
وكان ابن الفرات قد أصبح يوم الأحد صائما فأتى بطعام فلم يأكله فأتى أيضا بطعام ليفطر عليه فلم يفطر وقال رأيت أخي العباس في النوم يقول لي أنت وولدك عندنا يوم الاثنين ولا شك أننا نقتل فقتل ابنه المحسن يوم الاثين لثلاث عشرة خلت من ربيع الآخر وحمل رأسه إلى أبيه فارتاع لذلك شديدا ثم عرض أبوه على السيف فقال ليس إلا السيف راجعوا في أمري فإن عندي أموالا جمة وجواهر كثيرة فقيل له جل الأمر عن ذلك وقتل وكان عمره احدى وسبعين سنة وعمر ولده المحسن ثلاثا وثلاثين سنة فلما قتلا حمل رأساهما إلى المقتدر بالله فأمر بتغريقهما وقد كان أبو الحسن بن الفرات يقول ان المقتدر بالله يقتلني فصح قوله فمن ذلك أنه عاد من عنده يوما وهو مفكر كثير الهم فقيل له في ذلك فقال كنت عند أمير المؤمنين فما خاطبته في شيء من الأشياء إلا قال لي نعم فقلت له الشيء وضده ففي كل ذلك يقول نعم فقيل له هذا لحسن ظنه بك وثقته بما تقول واعتماده على شفقتك فقال لا والله ولكنه اذن لكل قائل وما يؤمني أن يقال له بقتل الوزير فيقول نعم والله انه قاتلني ولما قتل ركب هارون بن غريب مسرعا إلى الوزير الخاقاني وهنأه بقتله فأغمي عليه حتى ظن هارون ومن هناك أنه قد مات وصرخ أهله وأصحابه عليه فلما أفاق من غشيته لم بفارقه هارون حتى أخذ منه ألفي دينار وأما أولاده سوى المحسن فإن مؤنسا المظفر شفع في ابنيه عبد الله وأبي نصر فأطلقا له فخلع عليهما ووصلهما بعشرين ألف دينار وصودر ابنه الحسن على عشرين ألف دينار وأطلق إلى منزله وكان الوزير أبو
الحسن بن الفرات كريما ذا رياسة وكفاية في عمله حسن السؤال والجواب ولم يكن له سيئة إلا ولده المحسن
ومن محاسنه أنه جرى ذكر أصحاب الأدب وطلبة الحديث وما هم عليه من الفقر والتعفف فقال أنا أحق من اعانهم وأطلق لأصحاب الحديث عشرين ألف درهم وللشعراء عشرين ألف درهم ولأصحاب الأدب عشرين ألف درهم وللفقهاء عشرين ألف درهم وللصوفية عشرين ألف درهم فذلك مائة ألف درهم
وكان إذا ولى الوزارة ارتفعت اسعار الثلج والشمع والسكر والقراطيس لكثرة ما كان يستعملها ويخرج من داره للناس
ولم يكن فيه ما يعاب به إلا أن أصحابه كانوا يفعلون ما يريدون ويظلمون فلا يمنعهم
فمن ذلك أن بعضهم ظلم امرأة في ملك لها فكتبت إليه تشكو منه غير مرة وهو لا يرد لها جوابا فلقيته يوما وقالت له أسألك بالله أن تسمع مني كلمة فوقف لها فقالت قد كتبت إليك في ظلامتي غير مرة ولم تجبني وقد تركتك وكتبتها إلى الله تعإلى
فلما كان بعد أيام ورأى تغير حاله قال لمن معه من أصحابه ما أظن إلا جواب رقعة تلك المرأة المظلومة قد خرج فكان كما قال
ذكر دخول القرامطة الكوفة
ص 21
وفي هذه السنة دخل أبو طاهر القرمطي إلى الكوفة
وكان سبب ذلك أن أبا طاهر أطلق من كان عنده من الأسرى الذين كان أسرهم من الحجاج وفيهم ابن حمدان وغيره
وأرسل إلى المقتدر يطلب البصرة والأهواز فلم يجبه إلى ذلك
فسار من هجر يريد الحاج وكان جعفر بن ورقاء الشيباني متقلدا أعمال الكوفة وطريق مكة
فلما سار الحجاج من بغداد سار جعفر بين أيديهم خوفا من أبي طاهر ومعه ألف رجل من بني شيبان وسار مع الحجاج من أصحاب السلطان ثمال صاحب البحر وجني الصفواني وطربف السبكري وغيرهم في ستة آلاف رجل فلقي أبو طاهر القرمطي حعفرا الشيباني فقاتله جعفر فبينما هو يقاتله إذ طلع جمع من القرامطة عن يمينه فانهزم من بين أيديهم فلقي القافلة الأولى وقد انحدرت من العقبة فردهم إلى الكوفة ومعهم عسكر الخليفة وتبعهم أبو طاهر إلى باب الكوفة فقاتلهم فانهزم عسكر الخليفة وقتل منهم وأسر جنيا الصفواني وهرب الباقون والحجاج من الكوفة ودخلها أبو طاهر وأقام ستة أيام بظاهر الكوفة يدخل البلد نهارا فيقيم في الجامع إلى الليل ثم يخرج يبيت في عسكره وحمل منها ما قدر على حمله من الأموال والثياب وغير ذلك
وعاد إلى هجر ودخل المنهزمون بغداد فتقدم المقتدر إلى مؤنس المظفر بالخروج إلى الكوفة فسار إليها فبلغها وقد عاد القرامطة عنها فاستخلف عليها ياقوتا
وسار مؤنس إلى واسط خوفا عليها من أبي طاهر وخاف أهل بغداد وانتقل الناس إلى الجانب الشرقي ولم يحج في هذه السنة من الناس أحد
ذكر عدة حوادث
ص 22
في هذه السنة خلع المقتدر علي نجح الطولوني وولي أصبهان
وفيها ورد رسول ملك الروم بهدايا كثيرة ومعه أبو عمر بن عبد الباقي فطلبا من المقتدر الهدنة وتقرير الفداء فأجيبا إلى ذلك بعد غزاة الصائفة
وفي هذه السنة خلع على جني الصفواني بعد عوده من ديار مضر
وفيها استعمل سعيد بن حمدان على المعاون والحرب بنهاوند
وفيها دخل المسلمون بلاد الروم فنهبوا وسبوا وعادوا
وفيها ظهر عند الكوفة رجل ادعى أنه محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وهو رئيس الإسماعيلية وجمع جمعا عظيما من الأعراب واهل السواد واستفحل أمره في شوال فسير إليه جيش من بغداد فقاتلوه فظفروا به وانهزم وقتل كثير من أصحابه
وفيها في شهر ربيع الأول توفي محمد بن نصر الحاجب وقد كان استعمل على الموصل وتقدم ذلك
وفيها توفي شفيع اللؤلؤي وكان عمل البريد وغيره من الأعمال فولى ما كان عليه شفيع المقتدري
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.