في هذه السنة في ربيع الآخر عزل المقتدر حامد بن العباس عن الوزارة وعلي بن عيسى عن الدواوين وخلع على أبي الحسن بن الفرات وأعيد إلى الوزارة
وكان سبب ذلك ان المقتدر ضجر من استغاثة الأولاد والحرم والخدم والحاشية من تأخير أرزاقهم فإن علي بن عيسى كان يؤخرها فإذا اجتمع عدة شهور أعطاهم البعض واسقط البعض وحط من ارزاق العمال كل سنة شهرين وغيرهم ممن له رزق فزادت عداوة الناس له وكان حامد بن العباس قد ضجر من المقام ببغداد وليس إليه من الأمر شيء غير لبس السواد وأنف من أطراح علي بن عيسى بجانبه فإنه كان يهينه في توقيعاته بالإطلاق عليه لضمانه بعض الأعمال
وكان يكتب ليطلق جهبذ الوزير أعزه الله وليبادر نائب الوزير
وكان إذا شكى إليه بعض نواب حامد يكتب على القصة إنما عقد الضمان على النائب الوزيري عن الحقوق الواجبة السلطانية فليتقدم إلى عماله بكف الظلم عن الرعية فاستأذن حامد وسار إلى واسط لينظر في ضمانه فأذن له وجرى بين مفلح الأسود وبين حامد كلام قال له حامد لقد هممت ان اشتري مائة خادم اسود واسميهم مفلحا وأهبهم لغلامي
فحقده مفلح وكان خصيصا بالمقتدر فسعى معه المحسن بن الفرات لوالده بالوزارة وضمن أموالا جليلة
وكتب على يده رقعة يقول ان يسلم الوزير وعلي بن عيسى وابن الحواري وشفيع اللؤلؤي ونصر الحاجب وأم موسى القهرمانة والماذرائيون يستخرج منهم سبعة آلاف الف دينار
وكان المحسن مطلقا وكان يواصل السعاية بهؤلاء الجماعة وذكر ابن الفرات للمقتدر ما كان يأخذه ابن الحواري كل سنة من المال فاستكثره فقبض على علي بن عيسى في ربيع الآخر وسلم إلى زيدان القهرمانة فحبسته في الحجرة التي كان ابن الفرات محبوسا فيها
أطلق ابن الفرات وخلع عليه وتولى الوزارة وخلع على ابنه المحسن وهذه الوزارة الثالثة لابن الفرات
وكان أبو علي بن مقلة سعى بابن الفرات وكان يتقلد بعض الأعمال ايام حامد فحضر عند ابن الفرات وكان ابن الفرات هو الذي قدم ابن مقلة ورباه واحسن اليه ولما قيل عنه إنه سعى به ولم يصدق ذلك منه تكرر ذلك منه ثم أن حامدا صعد من واسط فسير اليه ابن الفرات من يقبض عليه في الطريق وعلى أصحابه فقبض على بعض أصحابه وسمع حامد فهرب واختفى ببغداد ثم إن حامدا لبس زي راهب وخرج من مكانه الذي اختفى فيه ومشى إلى نصر الحاجب فاستأذن عليه فأذن له فدخل عليه وسأله ايصال حاله إلى الخليفة فاستدعى نصر مفلحا الخادم وقال هذا يستأذن إلى الخليفة إذا كان عند حرمه فلما حضر مفلح فرأى حامدا قال : أهلا بمولانا الوزير أين مماليكك السوادن الذين سميت كل واحد منهم مفلحا فسأله نصر أن لا يؤاخذه وقال له حامد يسأل ان يكون محبسه في دار الخليفة ولا يسلم إلى ابن الفرات فدخل مفلح وقال ضد ما قيل له فأمر المقتدر بتسليمه إلى ابن الفرات فأرسل اليه فحبسه في دار حسنة وأجرى عليه من الطعام والكسوة والطيب وغير ذلك ما كان له وهو وزير ثم أحضره وأحضر الفقهاء والعمال وناظره على ما وصل اليه من المال وطالبه به فاقر بجهات تقارب الف الف دينار وضمنه المحسن بن أبي الحسن بن الفرات من المقتدر بخمسمائة ألف دينار فسلمه اليه فعذبه بأنواع العذاب وأنفذه إلى واسط مع بعض أصحابه ليبيع ماله بواسط وأمرهم بأن يسقوه سما فسقوه سما في بيض مشوي وكان طلبه فأصابه إسهال فلما وصل إلى واسط أفراط القيام به وكان قد تسلمه محمد بن علي البزوفري فلما رأى حاله أحضر القاضي والشهود ليشهدوا عليه أن ليس له في أمره صنع
فلما حضروا عند حامد قال لهم إن أصحاب المحسن سقوني سما في بيض مشوي فأنا اموت منه وليس لمحمد في أمري صنع لكنه قد أخذ قطعة من أموالي وأمتعتي وجعل يحشوها في المساور وتباع المسورة في السوق بمحضر من أمين السلطان بخمسة دراهم ووضع عليها من يشتريها ويحملها اليه فيكون فيها امتعة تساوي ثلاثة آلاف دينار فأشهدوا على ذلك وكان صاحب الخبر حاضرا فكتب ذلك وسيره وندم البزوفري على ما فعل ثم مات حامد في رمضان من هذه السنة
ثم صودر علي بن عيسى بثلاثمائة ألف دينار فأخده المحسن بن الفرات ليستوفي منه المال فغذبه وصفعه فلم يؤد اليه شيئا وبلغ الخبر الوزير أبا الحسن بن الفرات فأنكر على ابنه ذلك لأن عليا كان محسنا إليهم إيام ولايته وكان قد اعطى المحسن وقت نكبته عشرة آلاف درهم وأدى علي بن عيسى مال المصادرة وسيره ابن الفرات إلى مكة وكتب إلى أمير مكة ليسيره إلى صنعاء ثم قبض ابن الفرات على أبي علي بن مقلة ثم أطلقه
وقبض على ابن الحواري وكان خصيصا بالمقتدر وسلمه إلى ابنه المحسن فعذبه عذابا شديدا وكان المحسن وقحا سيء الأدب ظالما ذا قسوة شديدة وكان الناس يسمونه الخبيث ابن الطيب وسير ابن الحواري إلى الأهواز ليستخرج منه الأموال التي له فضربه الموكل به حتى مات وقبض أيضا على الحسين بن أحمد ومحمد بن علي الماذرائيين
وكان الحسين قد تولى مصر والشام فصادرهما على الف الف دينار وسبعمائة الف دينار ثم صادر جماعة من الكتاب ونكبهم
ثم إن ابن الفرات خوف المقتدر من مؤنس الخادم وأشار عليه بأن يسيره عن الحضرة إلى الشام ليكون هنالك فسمع قوله وأمره بالمسير
وكان قد عاد من الغزاة فسأل أن يقيم عدة أيام بقيت من شهر رمضان فأجيب إلى ذلك وخرج في يوم شديد المطر وسبب ذلك أن مؤنسا لما قدم ذكر للمقتدر ما اعتمده ابن الفرات من مصادرات الناس وما يفعله ابنه من تعذيبهم وضربهم إلى غير ذلك من أعمالهم فخافه ابن الفرات فأبعده عن المقتدر ثم سعى ابن المقتدر بنصر الحاجب وأطمع المقتدر في ماله وكثرته فالتجأ نصر إلى أم المقتدر فمنعته من ابن فرات
