39
ثم دخلت سنة سبع وأربعين وثلاثمائة
الجزء السابع
3 عنصر
صفحة 259
ذكر استيلاء معز الدولة على الموصل وعوده عنها
ص 259
قد ذكرنا صلخ معز الدولة مع ناصر الدولة على ألفي ألف درهم كل سنة فلما كان هذه السنة أخر ناصر الدولة حمل المال فتجهز معز الدولة إلى الموصل وسار نحوها منتصف جمادى الأولى ومعه وزيره المهلبي ففارقها ناصر الدولة إلى نصيبين واستولى معز الدولة على الموصل فكان من عادة ناصر الدولة اذا قصده أحد سار عن الموصل واستحب معه جميع الكتاب والوكلاء ومن يعرف أبواب المال ومنافع السلطان وربما جعلهم في قلاعه كقلعة كواشي والزعفران وغيرهما وكانت قلعة كواشي تسمى ذلك الوقت قاعة أردمشت
وكان ناصر الدولة يأمر العرب بالإغارة على العلافة ومن يحمل الميرة فكان الذي يقصد بلاد ناصر الدولة يبقى محصورا مضيقا عليه فلما قصده معز الدولة هذه المرة فعل ذلك به فضاقت الأقوات على معز الدولة وعسكره وبلغه أن بنصيبين من الغلات السلطانية شيئا كثيرا فسار عن الموصل نحوها واستخلف بالموصل سبكتكين الحاجب الكبير فلما توسط الطريق بلغه أن أولاد ناصر الدولة أبا المرجا وهبة الله بسنجار في عسكر فسير اليهم عسكرا فلم يشعر أولاد ناصر الدولة بالعسكر إلا وهم معهم فعجلوا عن أخذ أثقالهم فركبوا دوابهم وانهزموا ونهب عسكر معز الدولة ما تركوه ونزلوا في خيامهم فعاد أولاد ناصر الدولة إليهم وهم غارون فوضعوا السيف فيهم فقتلوا وأسروا وأقاموا بسنجار وسار معز الدولة إلى نصيبين ففارقها ناصر الدولة إلى ميافارقين ففارقه أصحابه وعادوا إلى معز الدولة مستأمنين
فلما رأى ناصر الدولة ذلك سار إلى أخيه سيف الدولة بحلب فلما وصل خرج إليه ولقيه وبالغ في أكرامه وخدمه بنفسه حتى إنه نزع خفه بيديه وكان أصحاب ناصر الدولة في حصونه ببلد الموصل والجزيرة يغيرون على أصحاب معز الدولة بالبلد فيقتلون فيهم ويأسرون منهم ويقطعون الميرة عنهم ثم إن سيف الدولة راسل معز الدولة في الصلح وترددت الرسل في ذلك فامنتع معز الدولة من تضمين ناصر الدولة لخلافة معه مرة بعد أخرى فضمن سيف الدولة البلاد منه بألفي ألف درهم وتسعمائة ألف درهم وإطلاق من أسر من أصحابه بسنجار وغيرها وكان ذلك في المحرم سنة ثمان وأربعين وإنما أجاب معز الدولة إلى الصلح بعد تمكنه من البلاد لأنه ضاقت عليه الأموال وتقاعد الناس في حمل الخراج واحتجوا بأنهم لا يصلون إلى غلاتهم وطلبوا الحماية من العرب أصحاب ناصر الدولة فاضطر معز الدولة إلى الانحدار وأنف من ذلك فلما وردت عليه رسالة سيف الدولة استراح إليها وأجابه إلى ما طلبه من الصلح ثم انحدر إلى بغداد
ذكر مسير جيوش المعز العلوي إلى أقاصي المغرب
ص 260
وفيها عظم أمر أبي الحسن جوهر عند المعز بإفريقية وعلا محله وصار في رتبة الوزارة فسيره المعز في صفر في جيش كثيف منهم زيري بن مناد الصنهاجي وغيره وأمره بالمسير إلى أقاصي المغرب فسار إلى تاهرت فحضر عنده يعلى بن محمد الزناتي فأكرمه وأحسن إليه ثم خالف على جوهر فقبض عليه وثار أصحابه فقاتلهم جوهر فانهزموا وتبعهم جوهر إلى مدينة أفكان فدخلها بالسيف ونهبها ونهب قصور يعلى وأخذ ولده وكان صبيا وأمر بهدم أفكان وإحراقها بالنار وكان ذلك في جمادى الآخرة
ثم سار منها إلى فاس وبها صاحبها أحمد بن بكر فأغلق أبوابها فنازلها جوهر وقاتلها مدة فلم يقدر عليها وأتته هدايا الأمراء الفاطميين بأقاصي السوس وأشاروا على جوهر وأصحابه بالرحيل إلى سجلماسة وكان صاحبها محمد بن واسول قد تلقب بالشاكر لله ويخاطب بأمير المؤمنين وضرب السكة باسمه وهو على ذلك ست عشرة سنة فلما سمع بجوهر هرب ثم أراد الرجوع إلى سجلماسة فلقيه أقوام فأخذوه أسيرا وحملوه إلى جوهر ومضى جوهر حتى انتهى إلى البحر المحيط فأمر أن يصطاد له من سمكه فاصطادوا له فجعله في قلال الماء وحمله إلى المعز وسلك تلك البلاد جميعها فافتتحها وعاد إلى فاس فقاتلها مدة طويلة فقام زيري بن مناد فاختار من قومه رجالا لهم شجاعة وأمرهم أن يأخذوا السلاليم وقصدوا البلد فصعدوا إلى السور الأدنى في السلاليم وأهل فارس آمنون فلما صعدوا على السور قتلوا من عليه ونزلوا إلى السور الثاني وفتحوا الأبواب وأشعلوا المشاعل وضربوا الطبول وكانت الإمارة بين زيري وجوهر فلما سمعها جوهر ركب في العساكر فدخل فاسا فاستخفى صاحبها وأخذ بعد يومين وجعل مع صاحب سجلماسة وكان فتحها في رمضان سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة فحملهما في قفصين إلى المعز بالمهدية وأعطى تاهرت لزيري بن مناد
ذكر عدة حوادث
ص 261
في هذه السنة كان ببلاد الجبل وباء عظيم مات فيه أكثر أهل البلد وكان أكثر من مات فيه النساء والصبيان وتعذر على الناس عيادة المرضى وشهود الجنائز لكثرتها وفيها انخسف القمر جميعه وفيها توفي أبو الحسن علي بن أحمد البوشنجي الصوفي بنيسابور وهو أحد المشهورين منهم وأبو الحسن محمد بن الحسن بن عبد الله بن أبي الشوارب قاضي بغداد وكان مولده سنة اثنتين وتسعين ومائتين وأبو علي الحسين بن علي ابن يزيد الحافظ النيسابوري في جمادى الأولى وفيها توفي عبد الله بن جعفر بن درستويه أبو محمد الفارسي النحوي في صفر وكان مولده سنة ثمان وخمسين ومائتين أخذ النحو عن المبرد
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.