في هذه السنة سار يوسف بن روجيه صاحب عمان في البحر والبر إلى البصرة فحصرها وكان سبب ذلك أن معز الدولة لما سلك البرية إلى البصرة وارسل القرامطة ينكرون عليه ذلك وأجابهم بما ذكرناه علم يوسف بن وجيه استيحاشهم من معز الدولة فكتب إليهم يطمعهم في البصرة وطلب منهم أن يمدوه من ناحية البر فأمدوه بجمع كثير منهم وسار يوسف في البحر فبلغ الخبر الوزير المهلبي وقد فرغ من الأهواز والنظر فيها فسار مجدا في العساكر إلى البصرة فدخلها قبل وصول يوسف إليها وشحنها بالرجال وأمده معز الدولة بالعساكر وما يحتاج إليه ويحارب هو وابن وجيه أياما ثم أنهزم ابن وجيه وظفر المهلبي بمراكبه وما معه من سلاح وغيره
ثم دخلت سنة احدى وأربعين وثلاثمائة
$ في هذه السنة توفي المنصور بالله أبو الطاهر إسماعيل بن القائم أبي القاسم محمد بن عبيد الله المهدي سلخ شوال وكانت خلافته سبع سنين وستة عشر يوما وكان عمره تسعا وثلاثين سنة وكان خطيبا بليغا يخترع الخطبة لوقته وأحواله مع أبي يزيد الخارجي وغيره تدل على شجاعة وعقل وكان سبب وفاته أنه خرج إلى سفاقس وتونس ثم إلى قابس وأرسل إلى أهل جزيرة جربة يدعوهم إلى طاعته فأجابوه إلى ذلك وأخذ منهم رجالا معه وعاد وكانت سفرته شهرا وعهد إلى ابنه معد بولاية العهد فلما كان رمضان خرج متنزها أيضا إلى مدينة جلولاء وهو موضع كثير الثمار وفيه من الأتراج ما لا يرى مثله في عظمه يكون شيء يحمل الجمل منه أربع أترنجات فحمل منه إلى قصره
وكان للمنصور جارية حظية عنده فلما رأته استحسنته وسألت المنصور أن تراه في أغصانه فأجابها إلى ذلك ورحل إليها في خاصته وأقام بها أياما ثم عاد إلى المنصورية فأصابه في الطريق ريح شديد وبرد ومطر ودام عليه فصبر وتجلد وكثر الثلج فمات جماعة من الذين معه واعتل المنصور علة شديدة لأنه لما وصل إلى المنصورية أراد دخول الحمام فنهاه طبيبه اسحاق بن سليمان الإسرايئلي عن ذلك قلم يقبل منه ودخل الحمام ففنيت الحرارة الغريزية منه ولازمه السهر فاقبل اسحاق يعالج المرض والسهر باق بحاله فاشتد ذلك على المنصور فقال لبعض الخدم أما في القيروان طبيب غير إسحاق يخلصني من هذا الأمر قال ههنا شاب قد نشأ الآن اسمه إبراهيم فأمر بإحضاره وشكا إليه ما يجده من السهر فجمع له أشياء منومة وجعلت في قنينة على النار وكلفه شمها فلما أدمن شمها نام وخرج إبراهيم وهو مسرور بما فعل وبقي المنصور نائما فجاء اسحاق فطلب الدخول عليه فقيل هو نائم فقال ان كان له شيء ينام منه فقد مات فدخلوا عليه فوجدوه ميتا فدفن في قصره وأرادو قتل إبراهيم فقال اسحاق ما له ذنب إنما داواه بما ذكره الأطباء غير أنه جهل أصل المرض وما عرفتموه وذلك أنني كنت في معالجته أنظر في تقوية الحرارة الغريزة وبها يكون النوم فلما عولج بالأشياء المطفئة لها علمت أنه قد مات ولما مات ولي الأمر بعده ابنه معد وهو المعز لدين الله وأقام في تدبير الأمور إلى سابع ذي الحجة فأذن للناس فدخلوا عليه وجلس لهم فسلموا عليه بالخلافة وكان عمره أربعا وعشرين سنة
فلما دخلت سنة ست وأربعين صعد جبل أوراس وجال فيه عسكره وهو ملجأ كل منافق على الملوك وكان فيه بنو كملان ومليلة وقبيلتان من هوارة لم يدخلوا في طاعة من تقدمه فأطاعوا المعز ودخلوا معه البلاد وأمر نوابه بالإحسان إلى البربر فلم يبق منهم أحد إلا أتاه وأحسن إليهم المعز وعظم أمره ومن جملة من استأمن إليه محمد بن خزر الزناتي أخو معبد فأمنه المعز وأحسن إليه
في هذه السنة في ربيع الأول ضرب معز الدولة وزيره أبا محمد المهلبي بالمقارع مائة وخمسين مقرعة ووكل به في داره ولم يعزله من وزارته وكان نقم عليه أمورا ضربه بسببها وفيها في ربيع الآخر وقع حريق عظيم ببغداد في سوق الثلاثاء فاحترق فيه الناس ما لا يحصى
وفي هذه السنة ملك الروم مدينة سروج وسبوا أهلها وغنموا أموالهم وأخربوا المساجد وفيها سار ركن الدولة من الري إلى طبرستان وجرجان فسار عنها إلى ناحية نسا وأقام بها واستولى ركن الدولة على تلك البلاد وعاد عنها إلى الري واستخلف بجرجان الحسن ابن فيرزان وعلي بن كامة فلما رجع ركن الدولة عنها قصدها وشمكير فأنهزموا منه واستردها وشمكير وفيها ولد أبو الحسن علي بن ركن الدولة بن بويه وهو فخر الدولة وفيها توفي أبو علي إسماعيل بن محمد بن اسماعيل الصفار النحوي المحدث وهو من أصحاب المبرد وكان مولده سنة سبع وأربعين ومائتين وكان مكثرا من الحديث
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
