في هذه السنة سار معز الدولة ومعه المطيع لله إلى البصرة لاستنقاذها من يد أبي القاسم عبد الله بن أبي عبد الله البريدي وسلكوا البرية إليها فأرسل القرامطة من هجر إلى معز الدولة ينكرون عليه مسيره إلى البرية بغير أمرهم وهي لهم فلم يجبهم عن كتابهم وقال للرسول قل لهم من أنتم حتى تستأمروا وليس قصدي من أخذ البصرة غيركم وستعلمون ما تقولون مني ولما وصل معز الدولة إلى الدرهمية استأمن إليه عساكر أبي القاسم البريدي وهرب أبو القاسم في الرابع والعشرين من ربيع الآخر إلى هجر والتجأ إلى القرامطة وملك معز الدولة البصرة فانحلت الأسعار ببغداد إنحلالا كثيرا وسار معز الدولة من البصرة إلى الأهواز ليلقى أخاه عماد الدولة وأقام الخليفة وأبو جعفر الصيمري بالبصرة وخالف كوركير وأخذ وهو من أكابر القواد على معز الدولة فسير إليه اليمري فقاتله ففانهزم كوركير وأخذ أسيرا فحبسه معز الدولة بقلعة رامهرمز ولقي معز الدولة أخاه عماد الدولة بأرجان في شعبان وقبل الأرض بين يديه وكان يقف قائما عنده فيأمره بالجلوس فلا يفعل ثثم عاد إلى بغداد وعاد المطيع أيضا إليها وأظهر معز الدولة أنه يريد أن يسير إلى الموصل فتردت الرسل بينه وبين ناصر الدولة واستقر الصلح وحمل المال إلى معز الدولة فسكت عنه
ثم دخلت سنة ست وثلاثين وثلاثمائة
كان محمد بن عبد الرزاق بطوس وأعمالها وهي في يده ويد نوابه فخالف على الأمير نوح بن نصر الساماني وكان منصور بن قراتكين صاحب جيش خراسان بمرو عند نوح فوصل إليهما وشمكير منهزما من جرجان قد غلبه عليها الحسن بن الفيرزان فأمر نوح منصورا بالمسير إلى نيسابور ومحاربة محمد بن عبد الرزاق وأخذ ما بيده من الأعمال ثم يسير مع وشمكير إلى جرجان فسار منصور ووشمكير إلى نيسابور وكان بها محمد بن عبد الرزاق ففارقها نحو أستوا فاتبعه منصور
فسار محمد إلى جرجان وكاتب ركن الدولة بن بويه واستأمن إليه فأمره بالوصول إلى الري وسار منصور من نيسابور إلى طوس وحصروا رافع بن عبد الرزاق بقلعة شميلان فاستأمن بعض أصحاب رافع إليه فهرب رافع من شميلان إلى حصن درك فاستولى منصور على شميلان وأخذ ما فيها من مال وغيره واحتمى رافع بدرك وبها أهله ووالدته وهي على ثلاثة فراسخ من شميلان فأخرب منصور شميلان وسار إلى درك فحاصرها وحاربهم عدة أيام فتغيرت المياه بدرك فاستأمن أحمد بن عبد الرزاق إلى منصور في جماعة من بني عمه وأهله وعمد أخوه رافع إلى الصامت من الأموال والجواهر وألقاها في البسط إلى تحت القلعة ونزل هو وجماعة فأخذوا تلك الأموال وتفرقوا في الجبال واحتوى منصور على ما كان في قلعة درك وأنفذ عيال محمد بن عبد الرزاق ووالدته إلى بخارى فاعتقلوا بها وأما محمد بن عبد الرزاق فأنه سار من جرجان إلى الري وبها ركن الدولة بن بويه فأكرمه ركن الدولة وأحسن إليه وحمل شيئا كثيرا من الأموال وغيرها وسرحه إلى محاربة المرزبان على ما نذكره
في هذه السنة استعمل المنصور الحسن بن علي بن أبي الحسن الكلبي على جزيرة صقلية وكان له محل كبير عند المنصور وله أثر عظيم في قتال أبي يزيد وكان سبب ولايته أن المسلمين كانوا قد استضعفهم الكفار بها أيام عطاف لعجزه وضعفه وامتنعوا من اعطاء مال الهدنة وكان بصقلية بنو الطبري من أعيان الجماعة ولهم اتباع كثيرون فوثبوا بعطاف أيضا وأعأنهم أهل المدينة عليه يوم عيد الفطر سنة خمس وثلاثين وقتلوا جماعة من رجاله وأفلت عطاف هاربا بنفسه إلى الحصن فأخذوا أعلامه وطبوله وانصرفوا إلى ديارهم فارسل أبو عطاف إلى المنصور يعلمه الحال ويطلب المدد فلما علم المنصور ذلك استعمل على الولاية الحسن بن علي وأمره بالمسير فسار في المراكب فأرسى بمدينة مازر فلم يلتفت إليه أحد فبقي يومه فأتاه في الليل جماعة من أهل أفريقية وكتامة وغيرهم وذكروا أنهم خافوا الحضور عنده من ابن الطبري ومن اتفق معه من أهل البلاد وان علي بن الطبري ومحمد بن عبدون وغيرهما قد ساروا إلى أفريقية وأوصوا بينهم ليمنعوه من دخول البلد ومفارقة مراكبه إلى أن تصل كتبهم بما يلقون من المنصور وقد مضوا يطلبون أن يولي المنصور غيره ثم أتاه نفر من أصحاب ابن الطبري ومن معه ليشاهدوا من معه فرأوه في قلة فطمعوا فيه وخادعوه وخادعهم
ثثم عادوا إلى المدينة وقد وعدهم أنه يقيم بمكانه إلى أن يعودوا إليه فلما فارقوه جد السير إلى المدينة قبل أن يجمعوا أصحابهم ويمنعوه فلما انتهى إلى البيضاء أتاه حاكم البلد وأصحاب الدواوين وكل من يريد العافية فلقيهم وأكرمهم وسألهم عن أحوالهم فلما سمع اسماعيل بن الطبري بخروج هذا الجميع إليه اضطر إلى الخروج إليه فلقيه الحسن وأكرمه وعاد إلى داره ودخل الحسن البلد ومال إليه كل منحرف عن بني الطبري ومن معه فلما رأى ابن الطبري ذلك أمر رجلا صقليا فدعا بعض عبيد الحسن وكان موصوفا بالشجاعة فلما دخل بيته خرج الرجل يستغيث ويصيح ويقول هذا فعلهم ولم يتمكنوا من البلد وأمر الناس بالحضور عند الحسن ظنا منه أنه لا يعاقب مملوكه فيثور الناس به فيخرجونه من البلد فلما اجتمع الناس وذلك الرجل يصيح ويستغيث أحضره الحسن عنده وسأله عن حاله فحلفه بالله تعالى على ما يقول فحلف فأمر بقتل الغلام فقتل فسر أهل البلد وقالوا الآن طابت نفوسنا وعلمنا أن بلدنا يتعمر ويظهر فيه العدل فأنعكس الأمر على ابن الطبري وأقام الحسن وهو خائف منهم
ثم أن المنصور أرسل إلى الحسن يعرفه أنه قبض على علي بن الطبري وعلى محمد بن عبدون ومحمد بن جنا ومن معهم ويأمره بالقبض على اسماعيل بن الطبري ورجاء بن جنا ومحمد ومخلفي الجماعة المقبوضين فاستعظم الأمر ثم أرسل إلى ابن الطبري ويقول له كنت قد وعدتني أن نتفرج في البستان الذي لك فتحضر لنمضي إليه وأرسل إلى الجماعة على لسان ابن الطبري يقول تحضرون لنمضي مع الأمير إلى البستان فحضروا عنده وجعل يحادثهم ويطول إلى أن أمسوا فقال قد فات الليل وتكونون أضيافنا فأرسل إلى أصحابهم يقول إنهم الليلة في ضيافة الأمير فتعودون إلى بيوتهم إلى الغد فمضى أصحابهم فقبض عليهم وأخذ جميع أموالهم وكثر جمعه واتفق الناس عليه وقويت نفوسهم فلما رأى الروم ذلك أحضر الراهب مال الهدنة لثلاث سنين
ثم إن الروم أرسل بطريقا في البحر في جيش كثير إلى صقلية واجتمع هو والسردغوس فأرسل الحسن بن علي إلى المنصور يعرفه الحال فأرسل إليه إسطولا فيه سبعة آلاف فارس وثلاثة آلاف وخمسمائة راجل سوى البحرية وجمع الحسن إليهم جمعا كثيرا وسار في البر والبحر فوصل إلى مسيني وعدت العساكر الاسلامية إلى ريو وبث الحسن السرايا في أرض قلورية ونزل الحسن على جراجة وحاصرها أشد حصار وأشرفوا على الهلاك من شدة العطش فوصله الخبر ان الروم قد زحفوا إليه فصالح أهل جراجة على مال أخذه منهم وسار إلى لقاء الروم ففروا من غير حرب إلى مدينة بارة ونزل الحسن على قلعة قسانة وبث سراياه إلى قلورية وأقام عليها شهرا فسألوه الصلح فصالحهم على مال أخذه منهم
ودخل الشتاء فرجع إلى مسيني وشتى الأسطول بها فارسل المنصور يأمره بالرجوع إلى قلورية فسار الحسن وعدي المجاز إلى جراجة فالتقى المسلمون والسردغوس ومعه الروم يوم عرفة سنة اربعين وثلاثمائة فاقتتلوا أشد قتال رآه الناس فانهزمت الروم وركب المسلمون أكتافهم إلى الليل وأكثروا القتل فيهم وغنموا أثقالهم وسلاحهم ودوابهم
ثم دخلت سنة إحدى وأربعين فقصد الحسن جراجة فحصرها فأرسل إليه قسطنطين ملك الروم يطلب منه الهدنة فهادنه وعاد الحسن إلى ريو وبنى بها مسجدا كبيرا في وسط المدينة وبنى أحد أركانه مئذنة وشرط على الروم أنهم لا يمنعون المسلمين من عمارته وإقامة الصلاة فيه والأذان وأن لايدخله نصراني ومن دخله من الأسارى المسلمين فهو آمن سواء كان مرتدا أو مقيما على دينه وإن أخرجوا حجرا منه هدمت كنائسهم كلها بصقلية وأفريقية فوفي الروم بهذه الشروط كلها ذلة وصغارا وبقي الحسن بصقلية إلى أن توفي المنصور وملك المعز فسار إليه وكان ما نذكره
كان هذا جمان من أصحاب توزون وصار في جملة ناصر الدولة بن حمدان فلما كان ناصر الدولة ببغداد في الحانب الشرقي وهو يحارب معز الدولة ضم ناصر الدولة جميع الديلم الذين معه إلى حمدان لقلة ثقته بهم وقلده الرحبة وأخرجه إليها فعظم أمره هناك وقصده الرجال فأظهر العصيان على ناصر الدولة وعزم على التغلب على الرقة وديار مضر فسار إلى الرقة فحصرها سبعة عشر يوما فحاربه أهلها وهزموه ووثثب أهل الرحبة بأصحابه وعماله فقتلوهم لشدة ظلمهم وسوء معاملتهم فلما عاد من الرقة وضع السيف في أهلها فقتل منهم مقتلة عظيمة فأرسل إليه ناصر الدولة حاجبه ياروخ في جيش فاقتتلوا على شاطيء الفرات فانهزم جمان فوقع في الفرات فغرق واستأمن أصحابه إلى ياروخ وأخرج جمان من الماء فدفن مكانه
وفيها في ربيع الأول اجتمع ركن الدولة بن بويه والحسن بن الفيرزان وقصدوا بلاد وشمكير فالتقاهم وشمكير وانهزم منهم وملك ركن الدولة طبرستان وسار منها إلى جرجان فملكها واستأمن من قواد وشمكير مائة وثلاثة عشر قائدا فأقام الحسن بن الفيرزان بجرجان ومضى وشمكير إلى خراسان مستجيرا ومستنجدا لإعادة بلاده فكان ما نذكره
في هذه السنة في صفر ظهر كوكب له ذنب طوله نحو ذراعين في المشرق وبقي نحو عشرة أيام واضمحل وقيها مات سلامة الطولوني الذي كان حاجب الخلفاء فأخذ ماله وعياله وسار إلى الشام أيام المستكفي فمات هناك ولما سار عن بغداد أخذ ماله في الطريق ومات هو الآن فذهبت نعمته ونفسه حيث ظن السلامة ولقد أحسن القائل حيثث يقول
( وإذا خشيت من الأمور مقدرا % فهربت منه فنحوه تتقدم ) وفيها توفي محمد بن أحمد بن حماد أبو العباس الأثرم المقرى
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
