الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء السابع / ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة
26

ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة

الجزء السابع 14 عنصر صفحة 204
ذكر موت توزون وإمارة ابن شيرزاد ص 204

في هذه السنة في المحرم مات توزون في داره ببغداد وكانت مدة إمارته سنتين وأربعة أشهر وتسعة عشر يوما وكتب لع ابن شيرزاد مدة إمارته غير ثلاثة أيام ولما مات توزون كان ابن شيرزاد بهيت لتخليص أموالها فلما بلغه الخبر عزم على عقد الإمارة لناصرة الدولة بن حمدان فاضطربت الأجناد وعقدوا الرياسة عليهم لابن شيرزاد فحضر ونزل بباب حرب مستهل صفر وخرج عليه الأجناد جميعهم واجتمعوا عليه وحلفوا له ووجه إلى المستكفي بالله ليحلف له فأجابه إلى ذلك وحلف له بحضرة القضاة والعدول ودخل إليه ابن شيرزاد وعاد مكرما يخاطب بأمير الأمراء وزاد الأجناد زيادة كثيرة فضاقت الاموال عليه فأرسل إلى ناصر الدولة مع أبي عبد الله محمد بن أبي موسى الهاشمي وهو بالموصل يطالبه بحمل المال ويعده برد الرياسة إليه وأنفذ له خمسمائة ألف درهم وطعاما كثيرا ففرقها في عسكره فلم يؤثر فقسط الأموال على العمال والكتاب والتجار وغيرهم لأرزاق الجند وظلم الناس ببغداد وظهر اللصوص وأخذوا الأموال وجلا التجار واستعمل على واسط ينال كوشة وعلى تكريت اللشكري فأما ينال فإنه كاتب معز الدولة بن بويه واستقدمه وصار معه وأما الفتح االشكري فإنه سار إلى ناصر الدولة بالموصل وصار معه فأقره على تكريت

ذكر استيلاء معز الدولة على بغداد ص 204

لما كاتب ينال كوشة معز الدولة بن بويه وهو بالأهواز ودخل في طاعته سار معز الدولة نحوه فأضطرب الناس ببغداد فلما وصل إلى باجسري اختفى المستكفي بالله وابن شيرزاد وكانت إمارته ثلاثة أشهر وعشرين يوما فلما استتر سار الأتراك إلى الموصل فلما أبعدوا ظهر المستكفي وعاد إلى بغداد إلى دار الخلافة وقدم أبو محمد الحسن بن محمد المهلبي صاحب معز الدولة إلى بغداد فاجتمع بابن شيرزاد بالمكان الذي استتر فيه

ثم إجتمع بالمستكفي فأظهر المستكفي السرور بقدوم معز الدولة وأعلمه أنه إنما استتر من الأتراك ليتفرقوا فيحصل الأمر لمعز الدولة بلا قتال ووصل معز الدولة إلى بغداد حادي عشر جمادى الأولى فنزل بباب الشماسية ودخل من الغد إلى الخليفة المستكفي وبايعه وحلف له المستكفي وسأله معز الدولة أن يأذن لابن شيرزاد بالظهور وأن يأذن أن يستكتبه فأجابه إلى ذلك فظهر ابن شيرزاد ولقي معز الدولة فولاه الخراج وجباية الأموال وخلع الخليفة على معز الدولة ولقبه ذلك اليوم معز الدولة ولقب أخاه عليا عماد الدولة ولقب أخاه الحسن ركن الدولة وأمر أن تضرب ألقابهم وكناهم على الدنانير والدراهم ونزل معز الدولة بدار مؤنس ونزل أصحابه في دور الناس فلحق الناس من ذلك شدة عظيمة وصار رسما عليهم بعد ذلك وهو أول من فعله ببغداد ولم يعرف بها قبله وأقيم المستكفي بالله كل يوم خمسة آلاف درهم لنفقاته وكانت ربما تأخرت عنه فأقرت له مع ذلك ضياع سلمت إليه تولاها أبو أحمد الشيرازي كاتبه

ذكر خلع المستكفي بالله ص 205

وفي هذه السنة خلع المستكفي بالله لثمان بقين من جمادى الآخرة وكان سبب ذلك أن علما القهرمانة صنعت دعوة عظيمة حضرها جماعة من قواد الديلم والأتراك فأتهمها معز الدولة أنها فعلت ذلك لتأخذ عليهم البيعة للمستكفي ويزيلوا معز الدولة فساء ظنه لذلك لما رأى من أقدام علم وحضر اسفهد وست عند معز الدولة وقال قد راسلني الخليفة في أن ألقاه متنكرا فلما مضى اثنان وعشرون يوما من جمادى الآخرة حضر معز الدولة والناس عند الخليفة وحضر رسول صاحب خراسان ومعز الدولة جالس ثم حضر رجلان من نقباء الديلم يصيحان فتناولا يد المستكفي بالله فظن أنهما يريدان تقبيلها فمدها إليهما فجذباه عن سريره وجعلا عمامته في حلقه ونهض معز الدولة واضطرب الناس ونهبت الأموال وساق الديلمان المستكفي بالله ماشيا إلى دار معز الدولة فاعتقل بها ونهبت دار الخلافة حتى لم يبق بها شيء وقبض على أبي أحمد الشيرازي كاتب المستكفي وأخذت علم القهرمانة فقطع لسانها وكانت مدة خلافة المستكفي سنة وأحدة وأربعة أشهر وما زال مغلوبا على أمره مع توزون وابن شيرزاد ولما بويع المطيع لله سلم إليه المستكفي فسمله وأعماه ويقي محبوسا إلى أن مات في ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة وكان مولده ثالث عشر صفر سنة ست وتسعين ومائتين وأمه أم ولد اسمها غصن وكان أبيض حسن الوجه قد وخطه الشيب

ذكر خلافة المطيع لله ص 206

لما ولي المستكفي بالله الخلافة خافه المطيع وهو أبو القاسم الفضل بن المقتدر لأنه كان بينهما منازعة وكان كا منهما يطلب الخلافة وهو يسعى فيها فلما ولي المستكفي خافه واستتر منه فطلبه المستكفي أشد الطلب فلم يظفر به فلما قدم معز الدولة بغداد قيل أن المطيع انتقل إليه واستتر عنده وأغراه بالمستكفي حتى قبض عليه وسمله فلما قبض المستكفي بويع للمطيع لله بالخلافة يوم الخميس ثاني عشر جمادى الآخرة ولقب المطيع لله

وأحضر المستكفي عنده فسلم عليه بالخلافة وأشهد على نفسه بالخلع وازداد أمر الخلافة إدبارهم ولم يبق لهم من الأمر شيء البتة وقد كانوا يراجعون ويؤخذ أمرهم فيما يفعل والحرمة قائمة بعض الشيء قلما كان أيام معز الدولة زال ذلك جميعه بحيث أن الخليفة لم يبق له وزير وإنما كان له كاتب يدبر أقطاعه وإخراجاته لا غير وصارت الوزارة لمعز الدولة يستوزر لنفسه من يريد وكان من أعظم الأسباب في ذلك أن الديلم يتشيعون ويغالون في التشيع ويعتقدون أن العباسيين قد غصبوا الخلافة وأخذوها من مستحقيها فلم يكن عندهم باعث ديني يحثهم على الطاعة حتى لقد بلغني أن معز الدولة استشار جماعة من خواص أصحابه في إخراج الخلافة من العباسيين والبيعة للمعز لدين الله العلوي أو لغيره من العلويين فكلهم أشار عليه بذلك ما عدا بعض خواصه فإنه قال ليس هذا برأي فإنك اليوم مع خليفة تعتقد أنت وأصحابك أنك ليس من أهل الخلافة ولو أمرتهم بقتله لقتلوه مستحلين دمه ومتى أجلست بعض العلوين خليفة كان معك من تعتقد أنت وأصحابك صحة خلافته فلوا أمرهم بقتلك لفعلوه فأعرض عن ذلك فهذا كان من أعظم الأسباب في زوال أمرهم ونهبهم مع حب الدنيا وطلب التفرد بها وتسلم معز الدولة العراق بأسره ولم يبق بيد الخليفة منه شيء البتة إلا ما أقطعه معز الدولة مما يقوم ببعض حاجته

ذكر الحرب بين ناصر الدولة ومعز الدولة $ ص 207

وفيها في رجب سير معز الدولة عسكرا فيهم موسى فيادة وينال كوشة إلى الموصل في مقدمته فلما نزلوا عكبراء أوقع ينال كوشة بموسى فيادة ونهب سواده ومضى هو ومن معه إلى ناصر الدولة وكان قد خرج من الموصل نحو العراق ووصل ناصر الدولة إلى سامراء فس شعبان ووقعت الحرب بينه وبين أصحاب معز الدولة بعكبرا

وفي رمضان سار معز الدولة مع المطيع لله اللى عكبرا فلما سار عن بغداد لحق ابن شيرزاد بناصر الدولة وعاد إلى بغداد مع عسكر لناصر الدولة فاستولوا عليها ودبر ابن شيرزاد الأمور بها نيابة عن ناصر الدولة وناصر الدولة يحارب معز الدولة فلما كان عاشر رمضان سار ناصر الدولة من سامراء إلى بغداد فأقام بها فلما سمع معز الدولة الخبر سار إلى تكريت فنهبها لأنها كانت لناصر الدولة وعاد الخليفة معه إلى بغداد فنزلوا بالجانب الغربي ونزل ناصر الدولة بالجانب الغربي ونزل ناصر الدولة بالجانب الشرقي ولم يخطب للمطيع ببغداد قم وقعت الحرب بينهم ببغداد وانتشرت أعراب ناصر الدولة بالجانب الغربي فمنعوا أصحاب معز الدولة من الميرة والعلف فغلت الأسعار على الديلم حتى بلغ الخبز عندهم كل رطل بدرهم وربع وكان السعر عند ناصر الدولة رخيصا كانت تأتيه الميرة في دجلة من الموصل فكان الخبز عنده كل خمسة أرطال بدرهم ومنع ناصر الدولة من المعاملة بالدنانير التي عليها اسم المطيع وضرب دنانير ودراهم على سكة سنة احدى وثلاثين وثلاثمائة وعليها اسم المتقي لله واستعان ابن شيرزاد بالعيارين والعامة على حرب معز الدولة فكان يركب في الماء وهم معه ويقاتل الديلم

وفي بعض الليالي عبر ناصر الدولة في ألف فارس لكبس معز الدولة فلقيهم اسفهدوست فهزمهم وكان من أعظم الناس شجاعة وضاق الأمر بالديلم حتى عزم معز الدولة على العود إلى الأهواز وقال نعمل معهم حيلة هذه المرة فإن أفادت وإلا عدنا فرتب ما معه من المعابر بناحية الثمارين وأمر وزيره أبا جعفر الصيمري واسفهدوست بالعبور ثم أخذ معه باقي العسكر وأظهر أنه يعبر في قطربل وسار ليلا ومعه المشاعل على شاطيء دجلة فسار أكثر عسكر ناصر الدولة بإذائه ليمنعوه من العبور فتمكن الصيمري واسفهدوست من العبور فعبروا وتبعهم أصحابهم فلما علم معز الدولة بعبور أصحابه عاد إلى مكانه فعلموا بحيلته فلقيهم ينال كوشة في جماعة أصحابه ناصر الدولة فهزموه واضطرب عسكر ناصر الدولة وملك الديلم الجانب الشرقي وأعيد الخليفة إلى داره في المحرم سنة خمس وثلاثين وغنم الديلم ونهبوا أموال الناس ببغداد فكان مقدار ما غنموه ونهبوه من أموال المعروفين دون غيرهم عشرة آلاف ألف دينار وأمرهم معز الدولة برفع السف والكف عن النهب وأمن الناس فلم ينتهوا فأمر وزيره أبا جعفر الصيمري فركب وقتل وصلب جماعة وطاف بنفسه فامتنعوا واستقر معز الدولة ببغداد وأقام ناصر الدولة بعكبراء وأرسل في الصلح بغير مشورة من الأتراك التوزونية فهموا بقتله فسار عنهم مجدا نحو الموصل ثم استقر الصلح بينه وبين معز الدولة في المحرم سنة خمس وثلاثين

ذكر وفاة القائم وولاية المنصور ص 209

في هذه السنة توفي القائم بأمر الله أبو القاسم محمد بن عبد الله المهدي العلوي صاحب أفريقية لثلاث عشرة مضت من شوال وقام بالأمر بعده ابنه إسماعيل وتلقب بالمنصور بالله وكتم موته خوفا أن يعلم بذلك أبو يزيد وهو بالقرب منه على سوسة وأبقى الأمور على حالها ولم يتسم بالخليفة ولم يغير السكة ولا الخطبة ولا البنود وبقي على ذلك إلى أن فرغ من أمر أبي يزيد فلما فرغ منه أظهر موته وتسمى بالخلافة وعمل آلات الحرب والمراكب وكان شهما شجاعا وضبط الملك والبلاد

ذكر أقطاع البلاد وتخريبها ص 209

فيها شغب الجند على معز الدولة بن بويه وأسمعوه المكروه فضمن لهم إيصال أرزاقهم في مدة ذكرها لهم فأضطر إلى خبط الناس وأخذ الأموال من غير وجهوها وأقطع قواده وأصحابه القرى جميعها التي للسلطان وأصحاب الأملاك فبطل لذلك أكثر الدواوين وزالت أيدي العمال وكانت البلاد قد خربت من الاختلاف والغلاء والنهب فأخذ القواد القرى العامرة وزادت عمارتها معهم وتوفر دخلها بسبب الجاه فلم يمكن معز الدولة العود عليها بذلك وأما الأتباع فإن الذي أخذوه ازداد خرابا فردوه وطلبوا العوض عنه فعوضوا وترك الأجناد الإهتمام بمشارب القرى وتسوية طرقها فهلكت وبطل الكثير منها وأخذ غلمان المقطعين في ظلم وتحصيل العاجل فكان أحدهم إذا عجز الحاصل تممه بمصادراتها ثم إن معز الدولة فرض حماية كل موضع إلى بعض أكابر أصحابه فأتخذه مسكنا وأطعمه فاجتمع إليهم الأخوة وصار القواد يدعون الخسارة في الحاصل فلا يقدر وزيره ولا غيره على تحقيق ذلك فإن اعترضهم معترض صاروا أعداء له فتركوا وما يريدون فازداد طمعهم ولم يقفوا عند غاية فتعذر على معز الدولة جمع ذخيرة تكون للنوائب والحوادث وأكثر من إعطاء غلمانه الأتراك والزيادة لهم في الإقطاع فحسدهم الديلم وتولد من ذلك الوحشة والمنافرة فكان من ذلك ما نذكره

ذكر موت الإخشيد وملك سيف الدولة دمشق ص 210

في هذه السنة في ذي الحجة مات الإخشيد أبو بكر محمد بن طغج صاحب ديار مصر وكان مولده سنة ثمان وستين ومائتين ببغداد وكان موته بدمشق وقيل مات سنة خمس وثلاثين وولى الأمر بعده ابنه أبو القاسم أنوجور فاستولى على الأمر كافور الخادم الأسود وهو من خدم الاخشيد وغلب أبا القاسم واستضعفه وتفرد بالولاية وهذا كافور هو الذي مدحه المتنبي ثم هجاه وكان أبو القاسم صغيرا وكان كافور أتابكه فلهذا استضعفه وحكم عليه

فسار كافور إلى مصر فقصد سيف الدولة دمشق فملكها وأقام بها فاتفق أنه كان يسير هو والشريف العقيلي بنواحي دمشق فقال سيف الدولة ما تصلح هذه الغوطة إلا لرجل واحد فقال له العقيلي هي لأقوام كثيرة فقال سيف الدولة لئن أخذتها القوانين السلطانية لينبرون منها فاعلم العقيلي أهل دمشق بذلك فكاتبوا كافورا يستدعونه فجاءهم فأخرجوا سيف الدولة عنهم سنة ست وثلاثين وثلاثمائة وكان أنوجور مع كافور فتبعوا سيف الدولة إلى حلب فخافخهم سيف الدولة فعبر إلى الجزيرة وأقام أنوجور على حلب ثم استقر الأمر بينهما وعاد أنوجور إلى مصر وعاد سيف الدولة إلى حلب وأقام كافور بدمشق يسيرا وولى عليها بدر الإخشيدي ويعرف ببدير وعاد إلى مصر فبقي بدير على دمشق سنة ثم وليها أبو المظفر بن طغج وقبض على بدير

ذكر مخالفة أبي علي على الأمير نوح ص 211

وفي هذه السنة خالف أبو علي بن محتاج على الأمير نوح صاحب خراسان وما وراء النهر وسبب ذلك أن أبا علي لما عاد من مرو إلى نيسابور وتجهز للمسير إلى الري أنفذ إليه الأمير نوح عارضا يستعرض العسكر فأساء العارض السيرة معهم وأسقط منهم ونقص فنفرت قلوبهم فساروا وهم على ذلك وانضاف إلى ذلك أن نوحا أنفذ معهم من يتولى أعمال الديوان وجعل إليه الحل والعقد والإطلاق بعد أن كان جميعه أيام السعيد نصر بن أحمد إلى أبي علي فنفر قلبه لذلك ثم أنه عزل عن خراسان واستعمل عليها إبراهيم بن سيمجور كما ذكرناه

ثم أن المتولي أساء إلى الجند في معاملاتهم وحوائجهم وأرزاقهم فازدادوا نفورا فشكا بعضهم إلى بعض وهم إذ ذاك بهمذان واتفق رأيهم على مكاتبة إبراهيم بن أحمد بن اسماعيل عم نوح واستقدامه إليهم ومبايعته وتمليكه البلاد وكان إبراهيم حينئذ بالموصل في خدمة ناصر الدولة وكان سبب مسيره إليها ما ذكرناه قبل

فلما اتفقوا على ذلك أظهروا عليه أبا علي فنهاهم عنه فتوعدوه بالقبض عليه أن خالفهم فأجابهم إلى ما طلبوا فكاتبوا إبراهيم وعرفوه حالهم فسار إليهم في تسعين فارسا فقدم عليهم في رمضان من هذه السنة ولقيه أبو علي بهمذان وسار معه إلى الري في شوال فلما وصلوا إليها إطلع أبو علي من أخيه الفضل على كتاب كتبه إلى الأمير نوح يطلعه على حالهم فقبض عليه وعلى ذلك المتولي الذي أساء إلى الجند وسار إلى نيسابور واستخلف على الري والجبل نوابه

وبلغ الخبر إلى الأمير نوح فتجهز وسار إلى مرو من بخارى وكان الأجناد قد ملوا من محمد بن أحمد الحاكم المتولي للأمور لسوء سيرته فقالوا لنوح أن الحاكم أفسد عليك الأمور بخراسان وأحوج أبا علي إلى العصيان وأوحش الجنود وطلبوا تسليمه إليهم وإلا ساروا إلى عمه إبراهيم وأبي علي فسلمه إليهم فقتلوه في جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين ولما وصل أبو علي إلى نيسابور كان بها إبراهيم بن سيمجور ومنصور بن قراتكين وغيرهما من القواد فاستمالهما أبو علي فمالا إليه وصارا معه ودخلها في المحرم سنة خمس وثلاثين ثم ظهر له من منصور ما يكره فقبض عليه ثم سار أبو علي وإبراهيم من نيسابور في ربيع الأول سنة خمس وثلاثين إلى مرو وبها الأمير نوح فهرب الفضل أخو أبي علي من محبسه احتال على الموكلين به وهرب إلى قهستان فأقام بها وسار أبو علي إلى مرو فلما قاربها أتاه كثير من عسكر نوح وسار نوح عنها إلى بخارى واستولى أبو علي على مرو في جمادى الأولى من سنة خمس وثلاثين وأقام بها أياما وأتاه أكثر أجناد نوح وسار نحو بخارى وعبر النهر إليها ففارقها نوح وسار إلى سمرقند ودخل أبو علي بخارى في جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة وخطب فيها لإبراهيم العمر وبايع له الناس ثم أن أبا علي اطلع من إبراهيم على سوء قد أضمره له ففارقه وسار إلى تركستان وبقي إبراهيم في بخارى

وفي خلال ذلك أطلق أبو علي منصور بن قراتكين فسار إلى الأمير نوح ثم إن إبراهيم وافق جماعة في السر على أن يخلع نفسه من ألأمر ويرده إلى ولد أخيه الأمير نوح ويكون هو صاحب جيشه ويتفق معه على قصد أبي علي ودعا أهل بخارى إلى ذلك فأجابوه واجتمعوا وخرجوا إلى أبي علي وقد تفرق عنه أصحابه وركب إليهم في خيل فردهم إلى البلد أقبح رد وأراد إحراق البلد فشفع إليه مشايخ بخارى فعفا عنهم وعاد إلى مكانه واستحضر أبا جعفر محمد بن نصر بن أحمد وهو أخو الأمير نوح وعقد له الإمارة وبايع له وخطب له في النواحي كلها ثم طهر لأبي علي فساد نيات جماعة من البلد فرتب أبا جعفر في البلد ورتب ما يجب ترتيبه وخرج عن البلد يظهر المسير إلى سمرقند ويضمر العود إلى الصغانيان ومنها إلى نسف

فلما خرج من البلد رد جماعة من الجند والحشم إلى بخارى وكاتب نوحا بإفراجه عنها ثم سار إلى الصغانيان في شعبان ولما فارق أبو علي بخارى خرج إبراهيم وأبو جعفر محمد بن نصر إلى سمرقند مستأمنين إلى نوح مظهرين الندم على ما كان منهم فقربهم وقبلهم ووعدهم وعاد إلى بخارى في رمضان وقتل نوح في تلك الأيام طغان الحاجب وسمل عمه إبراهيم وأخويه أبا جعفر محمدا وأحمد وعادت الجيوش فاجتمعت عليه والأجناد وأصلح الفساد

وأما الفضل بن محمد اخو أبي علي فإنه لما هرب من أخيه كما ذكرناه ولحق بقهستان جمع جمعا كثيرا وسار نحو نيسابور وبها محمد بن عبد الرزاق من قبل أبي علي فخرج منها إلى الفضل فالتقيا وتحاربا فانهزم الفضل ومعه فارس واحد فلحق ببخارى فأكرمه الأمير نوح وأحسن إليه وأقام في خدمته

ذكر استعمال منصور بن قراتكين على خراسان ص 213

لما عاد الأمير نوح إلى بخارى وأصلح البلاد وكان أبو علي بالصغانيان وبمرو أبو أحمد محمد بن علي القزويني فرأى نوح أن يجعل منصور بن قراتكين على جيوش خراسان فولاه ذلك وسيره إلى مرو وبها أبو أحمد وقد غور المنأهل ما بين آمل ومرو ووافق أبا علي ثم تخلى عنه وسار إلى منصور جريدة في ألفي فارس فلم يشعر القزويني إلا بنزول منصور بكشماهن على خمسة فراسخ من مرو واستولى منصور على مرو واستقبله أبو أحمد القزويني فأكرمه وسيره إلى بخارى مع ماله وأصحابه فلما بلغ أكرمه الأمير نوح وأحسن إليه إلا أنه وكل به فظفر بعض الأيام برقعة قد كتبها القزويني بما أنكره فأحضره وبكته بذنوبه ثم قتله أن أهلها قد أعدوا الذخائر والسلاح وما يحتاجون إليه فامنتع من ذلك وعاد ومعه من السبي نو مائة ألف رأس ولم يأخذ إلا الصبيان والصبايا والشبان فأما الكهول والشيوخ والعجائز فمنهم من قتله ومنهم من أطلقه وكان بحلب قرعويه غلام سيف الدولة بن حمدان وقد أخرج أبا المعالي بن سيف الدولة منها على ما نذكره فصانع الروم عليها فعادوا إلى بلادهم فقيل كان سبب عودهم كثرة الأمراض والموت وقيل ضجروا من طول السفر والغيبة عن بلادهم فعادوا على عزم العود وسير ملك الروم سرية كثيرة إلى الجزيرة فبلغوا كفرتوثا ونهبوا وسبوا وأحرقوا وعادوا ولم يكن من أبي تغلب بن حمدان في ذلك نكير ولا أثر

ذكر اسيلاء قرعويه على حلب وإخراج أبي المعالي بن حمدان منها ص 214

في هذه السنة أيضا استولى قرعويه غلام سيف الدولة بن حمدان على حلب وأخرج أبا المعلي شريف ين سيف الدولة بن حمدان فسار أبو المعالي إلى حران فمنعه أهلها من الدخول إليهم فطلب منهم أن يأذنوا لأصحابه أن يدخلوا يتزودوا منها يومين فأذنوا لهم ودخل إلى والدته بميافارقين وهي ابنة سعيد بن حمدان وتفرق عنه أكثر أصحابه ومضوا إلى أبي تغلب بن حمدان فلما وصل إلى والدته بلغها أن غلمانه وكتابه قد عملوا على القبض عليها وحبسها كما فعل أبو تغلب بأبيه ناصر الدولة فأغلقت أبواب المدينة ومنعت إبنها من دخولها ثلاثة أيام حتى أبعدت من تحب إبعاده واستوثقت لنفسها وأذنت له ولمن بقي معه في دخول البلد وأطلقت لهم الأرزاق وبقيت حران لا أمير عليها ولكن الخطبة فيها لابي المعالي بن سيف الدولة وفيها جماعة من مقدمي أهلها يحكمون فيها ويصلحون من أمور الناس ثم إن أبا المعالي عبر الفرات إلى الشام وقصد حماة فأقام بها على ما نذكره سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة

ذكر خروج أبي خزر بأفريقية ص 214

في هذه السنة خرج بأفريقية أبو خزر الزناتي واجتمع إليه جموع عظيمة من البربر

ذكر مصالحة أبي علي مع نوح ص 214

ثم أن أبا علي أقام بالصغانيان فبلغه أن الأمير نوحا قد عزم على تسيير عسكر إليه فجمع أبو علي الجيوش وخرج إلى بلخ وأقام بها وأتاه رسول الأمير نوح في الصلح فأجاب إليه فأبى عليه جماعة ممن معه من قواد نوح الذين انتقلوا إليه وقالوا نحب أن تردنا إلى منازلنا ثم صالح فخرج أبو علي نحو بخارى فخرج إليه الأمير نوح في عساكره وجعل الفضل بن محمد أخا أبي علي صاحب جيشه فالتقوا بحرجيك في جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وثلاثمائة وتحاربوا قبيل العصر فاستأمن اسماعيل بن الحسن الداعي إلى نوح وتفرق العسكر عن أبي علي فانهزم ورجع إلى الصغانيان ثم بلغه أن الأمير نوحا قد أمر العساكر بالمسير إليه من بخارى وبلخ وغيرهما وان صاحب الختل قد تجهز لمساعدة أصحاب أبي علي فسار أبو علي في جيشه إلى ترمذ وعبر جيحون وسار إلى بلخ فنازلها واستولى عليها وعلى طخارستان وجبى مال تلك الناحية وسار من بخارى عسكر جرار إلى الصغانيان فأقاموا بنسف ومعهم الفضل بن محمد أخو أبي علي

فكتب جماعة من قواد العسكر إلى الأمير نوح بان الفضل قد اتهموه بالميل إلى أخيه فأمرهم بالقبض عليه فقبضوا عليه وسيروه إلى بخارى وبلغ خبر العسكر إلى أبي علي وهو بطخارستان فعاد إلى الصغانيان ووقعت بينهم حروب وضيق عليهم أبو علي في العلوفة فانتقلوا إلى قرية آخرى على فرسخين من الصغانيان فقاتلهم أبو علي في ربيع الأول سنة سبع وثلاثين قتالا شديدا فقهروه

وسار إلى شومان وهي على ستة عشر فرسخا من الصغانيان ودخل عسكر نوح إلى الصغانيان فأخربوا قصور أبي علي ومساكنه وتبعوا أبا علي فعاد إليهم واجتمع إليه الكتيبة وضيق على عسكر نوح وأخذ عليهم المسالك فانقطعت عنهم أخبار بخارى وأخبارهم عن بخارى نحو عشرين يوما فأرسلوا إلى أبي علي يطلبون الصلح فأجابهم إليه واتفقوا على انفاذ ابنه أبي المظفر عبد الله رهينة إلى الأمير نوح واستقر الصلح بينهما في جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة

وسير ابنه إلى بخارى فأمر نوح باستقباله فأكرمه وأحسن إليه وكان قد دخل إليه بعمامة فخلع عليه القلنسوة وجعله من ندمائه وزال الخلف وكان ينبغي أن نذكر هذه الحوادث في السنين التي هي فيها كانت وإنما أوردناها متتابعة في هذه السنة لئلا يتفرق ذكرها هذا الذي ذكره أصحاب التواريخ من الخراسانين وقد ذكر العراقيون هذه الحوادث على غير هذه السياقة وأهل كل بلد أعلم بأحوالهم

ونحن نذكر ما ذكره العراقيون مختصرا قالوا أن أبا علي لما سار نحو الري في عساكر خراسان كتب ركن الدولة إلى أخيه عماد الدولة يستمده فأرسل إليه يأمره بمفارقة الري والوصول إليه لتدبير له في ذلك ففعل ركن الدولة ذلك ودخل أبو علي الري

فكتب عماد الدولة إلى نوح سرا يبذل له في الري في كل سنة زيادة على ما بذله أبو علي مائة ألف دينار ويعجل ضمان سنة ويبذل من نفسه مساعدته على أبي علي يظفر به وخوفه منه فاستشار نوح أصحابه وكانوا يحسدون أبا علي ويعادونه فأشاروا عليه بإجابته فأرسل نوح إلى ابن بويه من يقرر القاعدة ويقبض المال فأكرم الرسول ووصله بمال جزيل وأرسل إلى أبي علي يعلمه خبر هذه الرسألة وأنه مقيم على عهده ووده وحذره من غدر الأمير نوح فأنفذ أبو علي رسوله إلى إبراهيم وهو بالموصل يستدعيه ليملكه البلاد فسار إبراهيم فلقيه أبو علي بهمذان وساروا إلى خراسان

وكتب عماد الدولة إلى أخيه ركن الدولة يأمره بالمبادرة إلى الري فعاد إليه واضطربت خراسان ورد عماد الدولة رسول نوح بغير مال وقال أخاف أن أنفذ المال فيأخذه أبو علي وأرسل إلى نوح يحذره من أبي علي ويعده المساعدة عليه وأرسل إلى أبي علي يعده بإنفاذ العساكر نجدة له ويشير عليه بسرعة اللقاء وان نوحا سار فالتقى هو وأبو علي بنيسابور فانهزم نوح وعاد إلى سمرقند واستولى أبو علي على بخارى وأن أبا علي استوحش من إبراهيم فانقبض عنه وجمع نوع العساكر وعاد إلى بخارى وحارب إبراهيم فلما التقى الصفان عاد جماعة من قواد إبراهيم إلى نوح وانهزم الباقون وأخذ إبراهيم أسيرا فسمل هو وجماعة من أهل بيته سملهم نوح

ذكر عدة حوادث ص 215

في هذه السنة اصطلح معز الدولة وأبو القاسم البريدي وضمن أبو القاسم مدينة واسط وأعمالها منه وفيها اشتد الغلاء ببغداد حتى أكل الناس الميتة والكلاب والسنانير وأخذ بعضهم ومعه صبي قد شواه ليأكله وأكل الناس خروب الشوك فأكثروا منه وكانوا يسلقون حبه ويأكلونه فلحق الناس أمراض وأورام في أحشائهم وكثر فيهم الموت حتى عجز الناس عن دفن الموتى فكانت الكلاب تأكل لحومهم وانحدر كثير من أهل بغداد إلى البصرة فمات أكثرهم في الطريق ومن وصل منهم مات بعد مدة يسيرة وبيعت الدور والعقار بالخبز فلما دخلت الغلات انحل السعر وفيها توفي علي بن عيسى بن داود بن الجراح الوزير وله تسعون سنة وقد تقدم من أخباره ما يدل على دينه وكفايته وفيها توفي أبو القاسم عمر بن الحسين بن عبد الله الخرقي الفقيه الحنبلي ببغداد وأبو بكر الشبلي الصوفي توفي في ذي الحجة ومحمد بن عيسى أبو عبد الله ويعرف بابن أبي موسى الفقيه الحنفي في ربيع الأول

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.