الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء السابع / ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة
25

ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة

الجزء السابع 16 عنصر صفحة 185
ذكر مسير المتقي إلى بغداد وخلعه ص 185

كان المتقي لله قد كتب إلى الإخشيد محمد بن طغج متولي مصر يشكو حاله ويستقدمه إليه فأتاه من مصر فلما وصل إلى حلب صار عنها أبو عبد الله بن سعيد بن حمدان وكان ابن مقاتل بها معه فلما علم برحيله عنها أختفى فلما قدم الإخشيد إليها ظهر إليه ابن مقاتل فأكرمه الإخشيد واستعمله على خراج مصر وإنكسر عليه ما بقي من المصادرة التي صادره بها ناصر الدولة بن حمدان ومبلغه خمسون ألف دينار وسار الإخشيد من حلب فوصل إلى المتقي منتصف محرم وهو بالرقة فأكرمه المتقي وإحترمه ووقف الإخشيد وقوف الغلمان ومشى بين يديه فأمره المتقي بالركوب فلم يفعل إلى أن نزل المتقي وحمل إلى المتقي هدايا عظيمة وإلى الوزير أبي الحسين بن مقلة وسائر الأصحاب واجتهد بالمتقي ليسير معه إلى مصر والشام ويكون بين يديه فلم يقبل وأشار عليه بالمقام مكانه ولا يرجع إلى بغداد وخوفه من توزون فلم يفعل وأشار علي بن مقلة أن يسير معه إلى مصر ليحكمه في جميع بلاده فلم يجبه إلى ذلك فخوفه أيضا من توزون فكان ابن مقلة يقول بعد ذلك نصحني الاخشيد فلم أقبل نصيحته وكان قد أنفذ رسلا إلى توزون في الصلح على ما ذكرناه فحلفوا توزون للخليفة والوزير فلما حلف كتب الرسل إلى المتقي بذلك فكتب إليه الناس أيضا بما شاهدوا من تأكيد اليمين فانحدر المتقي من الرقة في الفرات إلى بغداد لأربع بقين من المحرم وعاد الإخشيد إلى مصر فلما وصل المتقي إلى هيت أقام بها وأنفذ من يجدد اليمين على توزون فعاد وحلف وسار عن بغداد لعشر بقين من صفر ليلتقي مع المتقي فالقى معه بالسندية فنزل توزون وقبل الأرض وقال ها أنا قد وفبت بيميني والطاعة لك ثم وكل به وبالوزير وبالجماعة وأنزلهم في مضرب نفسه مع حرم المتقي ثم كحله فأذهب عينيه فلما سمله صاح وصاح من عنده من الحرم والخدم وارتجت الدنيا فأمر توزون بضرب الدبادب لئلا تظهر أصواتهم فخفيت أصواتهم وعمي المتقي لله وانحدر توزون من الغد إلى بغداد والجماعة في قبضته وكانت خلافة المتقي لله ثلاث سنين وخمسة أشهر وثمانية عشر يوما وكان أبيض أشهل العينين وأمه أم ولد اسمها خلوب وكانت وزرارة ابن مقلة سنة واحدة وخمسة أشهر واثني عشر يوما

ذكر خلافة المستكفي بالله ص 186

هو المستكفي بالله أبو القاسم عبد الله علي بن المكتفي بالله علي بن المعتضد بالله أبي العباس أحمد بن أبي أحمد الموفق بن المتوكل على الله يجتمع هو والمتقي لله في المعتضد لما قبض توزون على المتقي لله أحضر المستكفي إليه إلى السندية وبايعه هو وعامة الناس وكان سبب البيعة له ما حكاه أبو العباس التميمي الرازي وكان من خواص توزون قال كنت أنا السبب في البيعة للمستكفي وذلك أنني دعاني إبراهيم بن الزوبيندار الديلمي فمضيت إليه فذكر لي أنه تزوج إلى قوم وان أمراة منهم قالت له إن هذا المتقي قد عاداكم وعاديتوه وكاشفكم ولا يصفو قلبه لكم وههنا رجل من أولاد الخلفاء من ولد المكتفي وذكرت عقله وأدبه ودينه تنصبونه للخلافة فيكون صنيعتكم وغرسكم ويدلكم على أموال جليلة لا يعرفها غيره وتستريحون من الخوف والحراسة قال فعلمت أن هذا أمر لا يتم إلا بك فدعوتك له فقلت أريد أن أسمع كلام المرأة فجاءني بها فرأيت امرأة عاقلة جزلة فذكرت لي نحوا من ذلك فقلت لا بد أن ألقى الرجل فقالت تعود غدا إلى ههنا حتى أجمع بينكما فعدت إليها من الغد فوجدته قد أخرج من دار ابن طاهر في زي امرأة فعرفني نفسه وضمن إظهار ثمانمائة ألف دينار منها مائة ألف لتوزون وذكر وجوهها وخاطبني خطاب رجل فهم عاقل ورأيته يتشيع قال فأتيت توزون فأخبرته فوقع كلامي بقلبه وقال أريد أن أبصر الرجل فقلت لك ذلك ولكن أكتم أمرنا من ابن شيرزاد فقال أفعل وعدت إليهم وأخبرتهم الذي ذكر ووعدتهم حضور توزون من الغد فلما كان ليلة الأحد لأربع عشرة خلت من صفر مشيت مع توزون مستخفيين فاجتمعنا به وخاطبه توزون وبابعه تلك الليلة وكتم الأمر فلما وصل المتقي قلت لتوزون لما لقيه أنت على ذلك العزم قال نعم قلت فأفعله الساعة فإنه أن دخل الدار بعد عليك مرامه فوكل به وسمله وجرى ما جرى وبويع المستكفي بالخلافة يوم خلع المتقي

وأحضر المتقي فبايعه وأخذ منه البردة والقضيب وصارت تلك المرأة قهرمانة المستكفي وسمت نفسها علما وغلبت على أمره كله واستوزر المستكفي بالله أبا الفرج محمد بن علي الساري يوم الأربعاء لست بقسن من صفر ولم يكن له إلا اسم الوزارة والذي تولى الأمور ابن شيرزاد وحبس المتقي وخلع المستكفي بالهه على توزون خلعه وتاجا وطلب المستكفي بالله أبا القاسم الفضل بن المقتدر بالله وهو الذي ولي الخلافة ولقب المطيع لله لأنه كان يعرفه يطلب الخلافة فاستتر مدة خلافة المستكفي فهدمت داره التي على دجلة عند دار ابن طاهر حتى لم يبق منها شيء

ذكر خروج أبي يزيد الخارجي بأفريقية ص 187

في هذه السنة اشتدت شوكة أبي يزيد بأفريقية وكثر أتباعه وهزم الجيوش وكان ابتداء أمره أنه من زناتة واسم والده كنداد من مدينة توزر من قسطيلية وكان يختلف إلى بلاد السودان لتجارة فولد له بها أبو يزيد من جارية هوارية فأتى بها إلى توزر فنشأ بها وتعلم القرآن وخالط جماعة من النكارية فمالت نفسه إلى مذهبهم ثم سافر إلى تاهرت فأقام بها يعلم الصبيان إلى أن خرج أبو عبد الله الشيعي إلى سجلماسة في طلب المهدي فانتقل إلى تقيوس واشترى ضيعة وأقام يعلم فيها وكان مذهبه تكفير أهل الملة واستباحة الأموال والدماء والخروج على السلطان فابتدأ يحتسب على الناس في أفعالهم ومذاهبهم فصار له جماعة يعظمونه وذلك أيام المهدي سنة ست عشرة وثلاثمائة ولم يزل على ذلك إلى أن اشتدت شوكته وكثر أتباعه في أيام القائم ولد المهدي فصار يغير ويحرق ويفسد وزحف إلى بلاد القائم وحاصر باغاية وهزم الجيوش الكثيرة عليها ثم حاصر قسطيلية سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة وفتح تبسة ومجانة وهدم سورها وآمن أهلها ودخل مرمجنة فلقيه رجل من أهلها وأهدى له حمارا أشهب مليح الصورة فركبه أبو يزيد من ذلك اليوم وكان قصيرا أعرج يلبس جبة صوف قصيرة قبيح الصورة ثم إنه هزم كتامة وأنفذ طائفة من عسكره إلى سبيبة ففتحها وصلب عاملها وسار إلى الأربس ففتحها وأحرقها ونهبها وجاء الناس إلى الجامع فقتلهم فيه فلما اتصل ذلك بأهل المهدية استعظموه وقالوا للقائم الأربس باب أفريقية ولو أخذت زالت دولة بني الأغلب فقال لا بد أن يبلغ أبو يزيد المصلى وهو أقصى غايته

ثم إن القائم أخرج الجيوش لضبط البلاد فأخرج جيشا إلى رقادة وجيشا إلى القيروان وجمع العساكر فخاف أبو يزيد وعول على أخذ بلاد أفريقية وإخرابها وقتل أهلها وسير القائم الجيش الذي اجتمع له مع فتاه ميسور وسير بعضه مع فتاه بشرى إلى باجة فلما بلغ أبا يزيد خبر بشرى ترك أثقاله وسار جريدة إليه فالتقوا بباجة فانهزم عسكر أبي يزيد وبقي في نحو أربعمائة مقاتل فقال لهم ميلوا بنا نخالفهم إلى خيامهم ففعلوا ذلك فانهزم بشرى إلى تونس وقتل من عسكره كثير من وجوه كتامة وغيرهم ودخل أبو يزيد باجة فأحرقها ونهبها وقتلوا الأطفال وأخذوا النساء

وكتب إلى القبائل يدعوهم إلى نفسه فأتوه وعمل الأخبية والبنود وآلات الحرب ولما وصل بشرى إلى تونس جمع الناس وأعطاهم الأموال فاجتمع إليه خلق كثير فجهزهم وسيرهم إلى أبي يزيد وسير إليهم أبو يزيد جيشا فالتقوا واقتتلوا فانهزم أصحاب أبي يزيد ورجع أصحاب بشرى إلى تونس غانمين ووقعت فتنة في تونس ونهب أهلها دار عاملها فهرب وكاتبوا أبا يزيد فأعطاهم الأمان وولى عليهم رجلا منهم يقال له رحمون وانتقل إلى فحص أبي صالح وخافه الناس فانتقلوا إلى القيروان وأتاه كثير منهم خوفا ورعبا وأمر القائم بشرى أن يتجسس اخبار أبي يزيد فمضى نحوه وبلغ الخبر إلى أبي يزيد فسير إليهم طائفة من عسكره وأمر مقدمهم أن يقتل ويمثل وينهب ليرعب قلوب الناس ففعل ذلك والتقى هو وبشرى فاقتتلوا وانهزم عسكر أبي يزيد وقتل منهم أربعة آلاف وأسر خمسمائة فسيرهم بشرى إلى المهدية في السلاسل فقتلهم العامة

ذكر استيلاء أبي يزيد على القيروان ورقادة ص 189

لما انهزم أصحاب أبي يزيد غاظه ذلك وجمع الجموع ورحل وسار إلى قتال الكتاميين فوصل إلى الجزيرة وتلاقت الطلائع وجرى بينهم قتال فانهزمت طلائع الكتاميين وتبعهم البربر إلى رقادة ونزل أبو يزيد بالغرب من القيروان في مائة ألف مقاتل ونزل من الغد شرقي رقادة وعاملها خليل لا يلتفت إلى أبي يزيد ولا يبالي به والناس يأتونه ويخبرونه بقربهم فأمر أن لا يخرج أحد لقتال وكان ينتظر وصول ميسور في الجيش الذي معه فلما علم أبو يزيد ذلك زحف إلى البلد بعض عسكره فأنشبوا القتال فجرى بينهم قتال عظيم قتل فيه من أهل القيروان خلق كثير فانهزموا وخليل لم يخرج معهم فصاح به الناس فخرج متكارها من باب تونس

وأقبل أبو يزيد فانهزم خليل بغير قتال ودخل القيروان ونزل بداره وأغلق بابها ينتظر وصول ميسور وفعل كذلك اصحابه ودخل البربر المدينة فقتلوا وأفسدوا وقاتل بعض الناس في أطراف البلد وبعث أبو يزيد رجلا من أصحابه اسمه أيوب الزويلي إلى القيروان بعسكر فدخلها أواخر صفر فنهب البلد وقتل وعمل أعمالا عظيمة وحصر خليلا في داره فنزل هو ومن معه بالأمان فحمل خليل إلى أبي يزيد فقتله وخرج شيوخ أهل القيروان إلى أبي يزيد وهو برقادة فسلموا عليه وطلبوا الأمان فماطلهم وأصحابه وينهبون فعادوا الشكوى وقالوا خربت المدينة فقال وما يكون خربت مكة والبيت المقدس ثم أمر بالأمان وبقي طائفة من البربر ينهبون فأتاهم الخبر بوصول ميسور في عساكر عظيمة فخرج عند ذلك البربر من المدينة خوفا منه وقارب ميسور مدينة القيروان واتصل الخبر بالقائم أن بني كملان قد كاتب بعضهم أبا يزيد على أن يمكنوه من ميسور

فكتب إلى ميسور يعرفه ويحذره ويأمره بطردهم فرجعوا إلى أبي يزيد وقالوا له إن عجلت ظفرت به فسار من يومه فالتقوا واشتد القتال بينهم وانهزمت ميسرة أبي يزيد فلما رأى أبو يزيد ذلك حمل على ميسور فانهزم أصحاب ميسور فعطف مسور فرسه فكبا به فسقط عنه وقاتل أصحابه عليه ليمنعوه فقصده بنو كملان الذين طردهم فاشتد القتال حيننئذ فقتل ميور وحمل رأسه إلى أبي يزيد وانهزم عامة عسكره

وسير الكتب إلى عامة البلاد يخبر بهذا الظفر وطيف برأس ميسور بالقيروان واتصل خبر الهزيمة بالقائم فخاف هو ومن معه بالمهدية وانتقل أهلها من ارباضها إلى البلد فاجتمعوا واحتموا بسوره فمنعهم القائم ووعدهم الظفر فعادوا إلى زويلة واستعدوا للحصار وأقام أبو يزيد شهرين وثمانية أيام في خيم ميسور وهو يبعث السرايا إلى كل ناحية فيغنمون ويعودون وأرسل سرية إلى سوسة ففتحوها بالسيف وقتلوا الرجال وسبوا النساء وأحرقوها وشقوا فروج النساء وبقروا البطون حتى لم بيق موضع في أفريقية معمور ولا سقف مرفوع ومضى جميع من بقي إلى القيروان حفاة عراة ومن تخلص من السبي مات جوعا وعطشا

وفي آخر ربيع الآخر من سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة أمر القائم بحفر الخنادق حول أرباض المهدية وكتب زيري بن مناد سيد صنهاجة وإلى سادات كتامة والقبائل يحثهم على الاجتماع بالمهدية وقتال النكار فتأهبوا للمسير إلى القائم

ذكر حصار أبي يزيد المهدية ص 190

لما سمع أبو يزيد بتأهب صنهاجة وكتامة وغيرهم لنصرة القائم خاف ورحل من ساعته نحو المهدية فنزل على خمسة عشر ميلا منها وبث سراياه إلى ناحية المهدية فانتهبت ما وجدت وقتلت من أصابت فاجتمع الناس إلى المهدية واتفقت كتامة وأصحاب القائم على أن يخرجوا إلى أبي يزيد ليضربوا عليه في معسكره لما سمعوا أن عسكره قد تفرق في الغارة فخرجوا يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الأولى من السنة وبلغ ذلك أبا يزيد وقد أتاه ولده فضل بعسكر من القيروان فوجههم إلى قتال كتامة وقدم عليهم ابنه فالتقوا على ستة أميال من المهدية واقتتلوا وبلغ الخبر أبا يزيد فركب بجميع من بقي معه فلقي أصحابه منهزمين وقد قتل كثير منهم فلما رآه الكتاميون انهزموا من غير قتال وابو يزيد في أثرهم إلى باب الفتح واقتحم قوم من البربر فدخلوا باب الفتح فأشرف أبو يزيد على المهدية ثم رجع إلى منزله ثم تقدم إلى المهدية في جمادى الآخرة فأتى باب الفتح ووجه زويلة إلى باب بكر ثم وقف هو على الخندق المحدث وبه جماعة من العبيد فناشبهم أبو يزيد القتال على الخندق ثم اقتحم أبو يزيد ومن معه البحر فبلغ الماء صدور الدواب حتى جاوزوا السور المحدث فانهزم العبيد وابو يزيد ووصل أبو يزيد إلى باب المهدية عند المصلى الذي للعيد وبينه وبين المهدية رمية سهم وتفرق أصحابه في زويلة ينهبون ويقتلون وأهلها يطلبون الأمان والقتال عند باب الفتح بين كتامة والبربر وهم لا يعلمون ما صنع أبو يزيد في ذلك الجانب فحمل الكتاميون على البربر فهزموهم وقتلوا فيهم

وسمع أبو يزيد بذلك ووصول زيري بن مناد في صنهاجة فخاف المقام فقصد باب الفتح ليأتي زيري وكتامة من ورائهم بطبوله وبنوده فلما رأى أهل الأرباض ذلك ظنوا أن القائم قد خرج بنفسه من المهدية فكبروا وقويت نفوسهم واشتد قتالهم فتحير أبو يزيد وعرفه أهل تلك الناحية فمالوا عليه ليقتلوه فاشتد القتال عنده فهدم بعض أصحابه حائطا وخرج منه فتخلص ووصل إلى منزله بعد المغرب وهم يقاتلون العبيد فلما رأوه قويت قلوبهم وانهزم العبيد وافترقوا ثم رحل أبو يزيد إلى ثرنوطة وحفر على عسكره خندقا واجتمع إليه خلق عظيم من افريقية والبربر ونفوسة والزاب وأقاصي المغرب فحصر المهدية حصارا شديدا ومنع الناس من الدخول اليها والخروج منها ثم زحف اليها لسبع بقين من جمادى الآخرة من السنة فجرى قتال عظيم قتل جماعة من وجوه عسكر القائم واقتحم أبو يزيد بنفسه حتى وصل إلى قرب الباب فعرفه بعض العبيد فقبض على لجامه وصاح هذا أبو يزيد فاقتلوه فأتاه رجل من أصحاب أبي يزيد فقطع يده وخلص أبو يزيد

فلما رأى شدة القتال أصحاب القائم كتب إلى عامل القيروان يأمره بإرسال مقاتله أهلها إليه ففعل ذلك فوصلوا إليه فزحف بهم آخر رجب فجرى قتال شديد انهزم فيه أبو يزيد هزيمة منكرة وقتل فيها جماعة من أصحابه وأكثر أهل القيروان ثم زحف الزحفة الرابعة في العشر الآخر من شوال فجرى قتال عظيم وانصرف إلى منزله وكثر خروج الناس من الجوع والغلاء ففتح عند ذلك القائم الأهراء التي عملها المهدي وملأها طعاما وفرق ما فيها على رجاله وعظم البلاء على الرعية حتى أكلوا الدواب والميتة وخرج من المهدية أكثر السوقة سوى الجند فكان البربر يأخذون من خرج ويقتلونهم ويشقون بطونهم طلبا للذهب

ثم وصلت كتامة فنزلت بقسنطينة فخاف أبو يزيد فسار رجل من عسكره في جمع عظيم من ورفجومة وغيرهم إلى كتامة فقاتلهم فهزمهم فترقوا وكان البربر يأتون إلى أبي يزيد من كل ناحية وينهبون ويقتلون ويرجعون إلى منازلهم حتى أفنوا ما كان في أفريقية فلما لم يبق ما نهب توقفوا عن المجيء إليه فلم يبق سوى أهل أوراس وبني كملان فلما علم القائم تفرق عساكره أخرج عسكره إليه وكان بينهم قتال شديد لست خلون من ذي القعدة من سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة ثم صبحوهم من الغد فلم يخرج إليهم أحد

وكان أبو يزيد قد بعث في طلب الرجال من أوراس ثم زحفت عساكر القائم إليه فخرج من خندقه واقتتلوا واشتد بينهم القتال فقتل من أصحاب أبي يزيد جماعة منهم رجل من وجوه أصحابه فغظم قتله عليه ودخل خندقه ثم عاود القتال فهبت ريح شديدة مظلمة فكان الرجل لا يبصر صاحبه فانهزم عسكر القائم وقتل منهم جماعة وعاد الحصار على ما كان عليه وهرب كثير من أهل المهدية إلى جزيرة صقلية وطرابلس ومصر وبلد الروم

وفي آخر ذي القعدة اجتمع عند أبي يزيد جموع عظيم وتقدم إلى المهدية فقاتل عليها فتخير الكتاميون منهم مائتي فارس فحملوا حملة رجل واحد فقتلوا في أصحابه كثيرا وأسروا مثلهم وكادوا يصلون إليه فقاتل أصحابه دونه وخلصوه

وفرح أهل المهدية وأخذوا الأسرى في الحبال إلى المهدية ودخلت سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة وهو مقيم على المهدية وفي المحرم منها ظهر بأفريقية رجل يدعو الناس إلى نفسه فأجابه خلق كثير وأطاعوه وأدعى أنه عباسي ورد من بغداد ومعه أعلام سود فظفر به بعض أصحاب أبي يزيد وقبض عليه وسيره إلى أبي يزيد فقتله ثم ان بعض أصحاب أبي يزيد هرب إلى المهدية بسبب عداوة كانت بينهم وبين أقوام سعوا بهم إليه فخرجوا من المهدية مع أصحاب القائم فقاتلوا أصحاب أبي يزيد فظفروا فتفرق عند ذلك أصحاب أبي يزيد ولم يبق معه غير هوارة وأوراس وبني كملان وكان إعتماده عليهم

ذكر رحيل أبي يزيد عن المهدية ص 193

لما تفرق أصحابه عنه كما ذكرنا اجتمع رؤساء من بقي معه وتشاوروا وقالوا نمضي إلى القيروان ونجمع البربر من كل ناحية ونرجع إلى أبي يزيد فإننا لا نأمن أن يعرف القائم خبرنا فيقصدنا فركبوا ومضوا ولم يشاوروا أبا يزيد ومعهم أكثر العسكر فبعث إليهم أبو يزيد ليردهم فلم يقبلوا منه فرحل مسرعا في ثلاثين رجلا وترك جميع أثقاله فوصل إلى القيروان سادس صفر فنزل المصلى ولم يخرج إليه أحد من أهل القيروان سوى عامله وخرج الصبيان يلعبون حوله ويضحكون منه وبلغ القائم رجوعه فخرج الناس إلى أثقاله فوجدوا الطعام والخيام وغير ذلك على حاله فأخذوه وحسنت أحوالهم واستراحوا من شدة الحصار ورخصت الأسعار وأنفذ القائم إلى البلاد عمالا يطردون عمال أبي يزيد عنها فلما رأى أهل القيروان قلة عسكر أبي يزيد خافوا القائم فأرادوا أن يقبضوا أبا يزيد ثم هابوه فكاتبوا القائم يسألونه الأمان فلم يجبهم

وبلغ أبا يزيد الخبر فأنكر على عامله بالقيروان اشتغاله بالأكل والشرب وغير ذلك وأمره أن يخرج العساكر من القيروان للجهاد ففعل ذلك وألان لهم القول وخوفهم القائم فخرجوا إليه وتسامع الناس في البلاد بذلك فأتاه العساكر من كل ناحية وكان أهل المدائن والقرى لما سمعوا تفرق عساكره عنه أخذوا عماله فمنهم من قتل ومنهم من أرسل إلى المهدية

وثار أهل سوسة فقبضوا على جماعة من أصحابه فأرسلوهم إلى القائم فشكر لهم ذلك وأرسل إليهم سبع مراكب من الطعام فلما اجتمعت عساكر أبي يزيد أرسل الجيوش إلى البلاد وأمرهم بالقتل والسبس والنهب والخراب واحراق المنازل فوصل عسكره إلى تونس فدخلوها بالسيف في العشرين من صفر سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة فنهبوا جميع ما فيها وسبوا النساء والأطفال وقتلوا الرجال وهدموا المساجد ولجأ كثير من الناس إلى البحر فغرق فسير إليهم القائم عسكرا إلى تونس فخرج إليهم أصحاب أبي يزيد واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم عسكر القائم هزيمة قبيحة وحال بينهم الليل والتجؤوا إلى جبل الرصاص ثم إلى اصطفورة فتبعهم عسكر أبي يزيد فلحقوهم واقتتلوا وصبر عسكر القائم فانهزم عسكر أبي يزيد وقتل منهم خلق كثير وقتلوا حتى دخلوا تونس خامس ربيع الأول وأخرجوا من فيها من أصحاب أبي يزيد بعد أن قتلوا أكثرهم وأخذ لهم من الطعام شيء كثير

وكان لأبي يزيد ولد اسمه أيوب فلما بلغه الخبر أخرج معه عسكرا كثيرا فاجتمع مع من سلم من ذلمك الجيش ورجعوا إلى تونس فقتلوا من عاد إليها وأحرقوا ما بقي فيها وتوجه إلى باجة فقتل من بها من أصحاب القائم ودخلها بالسيف وأحرقها وكان في هذه المدة من القتل والسبي والتخريب ما لا يوصف واتفق جماعة على قتل أبي يزيد وأرسلوا إلى القائم فرغبهم فوعدهم فاتصل الخبر بأبي يزيد فقتلهم وهجم رجال من البربر في الليل على رجل من أهل القيروان وأخذوا مال وثلاث بنات أبكار فلما أصبح واجتمع الناس لصلاة الصبح قام الرجل في الجامع وصاح وذكر ما حل به فقام الناس معه وصاحوا فاجتمع الخلق العظيم ووصلوا إلى أبي يزيد فأسمعوه كلاما غليظا فأعتذر إليهم ولطف بهم وأمر برد البنات فلما انصرفوا وجدوا في طريقهم رجلا مقتولا فسألوا عنه فقيل إن فضل بن أبي يزيد قتله وأخذ امرأته وكانت جميلة فحمل الناس المقتول إلى الجامع وقالوا لا طاعة إلا للقائم وأرادوا الوثوب بأبي يزيد فاجتمع أصحاب أبي يزيد عنده ولاموه وقالوا فتحت على نفسك ما لا طاقة لك به لا سيما والقائم قريب منا فجمع أهل القيروان واعتذر إليهم وأعطاهم العهود أنه لا يقتل ولا ينهب ولا يأخذ الحريم فأتاه سبي أهل تونس وهم عنده فوثبوا إليهم وخلصوهم

وكان القائم قد أرسل إلى مقدم من أصحابه يسمى علي بن حمدون يأمره بجمع العساكر ومن قدر عليه من المسيلة فجمع منها ومن سطيف وغيرها فاجتمع له خلق كثير وتبعه بعض بني هراس فقصد المهدية به أيوب بن أبي يزيد وهو بمدينة باجة ولم يعلم به علي بن حمدون فسار إليه أيوب وكبسه واستباح عسكره وقتل فيهم وغنم أثقالهم وهرب على المذكور

ثم سير أيوب جردية خيل إلى طائفة من عسكر المهدي خرجوا إلى تونس فساروا واجتمعوا ووقع بعضهم على بعض فكان بين الفريقين قتال عظيم قتل فبه جمع كثير وانهزم عسكر القائم ثم عادوا ثانية وثالثة وعزموا على الموت وحملوا حملة رجل وأحد فانهزم أصحاب أبي يزيد وقتلوا قتالا ذريعا وأخذت أثقالهم وعددهم وانهزم أيوب وأصحابه إلى القيروان فس شهر ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة فعظم ذلك على أبي يزيد وأراد أن يهرب عن القيروان فأشار عليه أصحابه بالتوقف وترك العجلة ثم جمع عسكرا عظيما وأخرج ابنه أيوب ثانية لقتال علي ين حمدون بمكان يقال له بلطة وكانوا يقتتلون فمرة يظفر أيوب ومرة يظفر علي وكان علي قد وكل بحراسة المدينة من يثق به وكان يحرس بابا منه رجل اسمه أحمد فراسل أيوب في التسليم إليه على مال يأخذه فأجابه أيوب إلى ما طلب وقاتل على ذلك الباب ففتحه أحمد ودخله أصحاب أبي يزيد فقتلوا من كان بها وهرب علي إلى بلاد كتامة في ثلاثمائة فارس وأربعمائة راجل

وكتب إلى قبائل كتامة ونفزة ومزاتة وغيرهم فاجتمعوا وعسكروا على مدينة قسنطينة ووجه عسكرا إلى هوارة فقتلوا هوارة وغنموا أموالهم وكان اعتماد أبي يزيد عليهم فاتصل الخبر بأبي يزيد فسير إليهم عساكر عظيمة يتبع بعضها بعضا وكان بينهم حروب كثيرة والفتح والظفر في كلها لعلي وعسكر القائم وملك مدينة تيجس ومدينة باغاية وأخذهما من أبي يزيد

ذكر محاصرة أبي يزيد سوسة وانهزامه منها ص 195

لما رأى أبو يزيد ما جرى على عسكره من الهزيمة جد في أمره فجمع العساكر وسار إلى سوسة سادس جمادى الآخرة من السنة وبها جيش للقائم فحصرها حصرا شديدا فكان يقاتلها كل يوم فمرة له ومرة عليه وعمل الدبابات والمنجنيقات فقتل من أهل سوسة خلق كثير وحاصرها إلى أن فوض القائم العهد إلى ولده اسماعيل المنصور في شهر رمضان

وتوفي القائم وملك الملك ابنه المنصور على ما نذكره وكتم موت أبيه خوفا من أبي يزيد لقربه وهو على مدينة سوسة فلما ولي عمل المراكب وشحنها بالرجال وسيرها إلى سوسة واستعمل عليها رشيقا الكاتب ويعقوب بن اسحاق ووصاهما أن لا يقاتلا حتى يأمرهما ثم سار من الغد يريد سوسة ولم يعلم أصحابه ذلك فلما انتصف الطريق علموا فتضرعوا إليه وسألوه أن يعود ولا يخاطر بنفسه فعاد

وأرسل إلى رشيق ويعقوب بالجد في القتال فوصلوا إلى سوسة وقد اعد أبو يزيد الحطب لإحراق السور وعمل دبابة عظيمة فوصل اسطول المنصور إلى سوسة واجتمعوا بمن فيها وخرجوا إلى قتال أبي يزيد فركب بنفسه واقتتلوا واشتدت الحرب وانهزم بعض أصحاب المنصور حتى دخلوا المدينة فألقى رشيق النار في الحطب الذي جمعه أبو يزيد وفي الدبابة فأظلم الجو بالدخان واشتعلت النار فلما رأى ذلك أبو يزيد وأصحابه خافوا وظنوا أن أصحابه في تلك الناحية قد هلكوا فلهذا تمكن أصحاب المنصور من إحراق الحطب إذ لم بعضهم بعضا فانهزم أبو يزيد وأصحابه وخرجت عساكر المنصور فوضعوا السيف فيمن تخلف من البربر وأحرقوا خيامه وجد أبو يزيد هاربا حتى دخل القيروان من يومه وهرب البربر على وجوههم فمن سلم من السيف مات جوعا وعطشا ولما وصل أبو يزيد إلى القيروان أراد الدخول إليها فمنعه أهلها ورجعوا إلى دار عامله فحصروه وأرادوا كسر الباب فنثر الدنانير على رؤوس الناس فاشتغلوا عنه فخرج إلى أبي يزيد وأخذ أبو يزيد امرأته أم أيوب وتبعه أصحابه بعيالاتهم ورحلوا إلى ناحية سبيبة وهي على مسافة يومين من القيروان فنزلوها

ذكر ملك المنصور مدينة القيروان وانهزام أبي يزيد ص 196

لما بلغ المنصور الخبر سار إلى مدينة سوسة لسبع بقين من شوال فنزل خارجا منها وسر بما فعله أهل القيروان فكتب إليهم كتابا يؤمنهم فيه لأنه كان واجدا عليهم لطاعتهم أبا يزيد وأرسل من ينادي في الناس بالأمان وطابت نفوسهم ورحل إليهم فوصلها يو الخميس لست بقين من شوال وخرج إليه أهلها فأمنهم ووعدهم خيرا ووجد في القيروان من حرم أبي يزيد وأولاده جماعة فحملهم إلى المهدية وأجرى عليهم الأرزاق ثم ان أبا يزيد جمع عساكره وأرسل سرية إلى القيروان يتخبرون له فاتصل خبرهم بالمنصور فسير إليهم سرية فالتقوا واقتتلوا وكان أصحاب أبي يزيد قد جعلوا كمينا فانهزموا وتبعهم أصحاب المنصور فخرج الكمين عليهم فأكثر فيهم القتل والجراح

فلما سمع الناس ذلك سارعوا إلى أبي يزيد فكثر جمعه فعاد ونازل القيروان وكان المنصور قد جعل خندقا على عسكر ففرق أبو يزيد عسكره ثلاث فرق وقصد هو بشجعان أصحابه إلى خندق المنصور فاقتتلوا وعظم الأمر وكان الظفر للمنصور ثم عاودوا القتال فباشر المنصور القتال بنفسه وجعل يحمل يمينا وشمالا والمظلة على رأسه كالعلم ومعه خمسمائة فارس وأبو يزيد في مقدار ثلاثين ألفا فانهزم أصحاب المنصور هزيمة عظيمة حتى دخلوا الخندق ونهبوا وبقي المنصور في نحو عشرين فارسا وأقبل أبو يزيد قاصدا إلى المنصور فلما رآهم شهر سيفه وثبت مكانه وحمل بنفسه على أبي يزيد حتى كاد يقتله فولى أبو يزيد هاربا وقتل المنصور من أدرك منهم وأرسل من يرد عسكره فعادوا وكانوا قد سلكوا طريق المهدية وسوسة وتمادى القتال إلى الظهر فقتل منهم خلق كثير وكان يوما من الأيام المشهورة لم يكن في ماضي الأيام مثله ورأى الناس من شجاعة المنصور ما لم يظنوه فزادت هيبته في قلوبهم ورحل أبو يزيد عن القيروان أواخر ذي القعدة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة ثم عاد إليها فلم يخرج إليه أحد ففعل ذلك غير مرة ونادى المنصور من أتى برأس أبي يزيد فله عشرة آلاف دينار وأذن الناس في القتال فجرى قتال شديد فانهزم أصحاب المنصور حتى دخلوا الخندق ثم رجعت الهزيمة على أبي يزيد فأفترقوا وقد انتصف بعضهم من بعض وقتل بينهم جمع عظيم وعادت الحرب مرة لهذا ومرة لهذا وصار أبو يزيد يرسل السرايا فيقطع الطريق بين المهدية والقيروان وسوسة ثم إنه أرسل إلى المنصور يسأل أن يسلم إليه حرمه وعياله الذين خلفهم بالقيروان وأخذهم المنصور فإن فعل ذلك دخل في طاعته على أن يؤمنه وأصحابه وحلف له بأغلظ الإيمان على ذلك فأجابه المنصور إلى ما طلب وأحضر عياله وسيرهم إليه مكرمين بعد أن وصلهم وأحسن كسوتهم وأكرمهم فلما وصلوا إليه نكث جميع ما عقده وقال إنما وجههم خوفا مني فانقضت سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة ودخلت سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة وهم على حالهم في القتال ففي خامس المحرم منها زحف أبو يزيد وركب المنصور وكان بين الفريقين قتال ما سمع بمثله وحملت البربر على المنصور وحمل عليها وجعل يضرب فيهم فانهزموا منه بعد أن قتل خلق كثير فلما انتصف المحرم عبى المنصور عسكره فجعل في الميمنة أهل أفريقية وكتامة في الميسرة وهو في عبيده وخاصته في القلب فوقع بينهم قتال شديد فحمل أبو يزيد على الميمنة فهزمها ثم حمل على القلب فبادر إليه المنصور قال هذا يوم الفتح إن شاء الله تعالى وحمل هو ومن معه حملة رجل واحد فانهزم يزيد وأخذت السيوف أصحابه فولوا منهزمين وأسلموا أثقالهم وهرب أبو يزيد على وجهه فقتل من أصحابه ما لا يحصى فكان ما أخذه أطفال أهل القيروان من رؤوس القتلى عشرة آلاف رأس وسار أبو يزيد إلى تاه مديت

ذكر قتل أبي يزيد ص 198

لما تمت الهزيمة على أبي يزيد أقام المنصور يتجهز للمسير في أثره ثم رحل أواخر شهر ربيع الأول من السنة واستخلف على البلد مذاما الصقلي فأدرك أبا يزيد وهو محاصر مدينة باغاية لأنه أراد دخولها لما انهزم فمنع من ذلك فحصرها فأدركه المنصور وقد كاد يفتحها فلما قرب منه أبو يزيد وجعل كلما قصد موضعا يتحصن فبه سبقه المنصور حتى وصل طينة فوصلت رسل محمد بن خزر الزناتي وهو من أعيان أصحاب أبي يزيد يطلب الأمان فأمنه المنصور وأمره أن يرصد أبا يزيد واستمر الهرب بأبي يزيد حتى وصل إلى جبل البربر يسمى برزال وأهله على مذهبه وسلك الرمال ليختفي أثره فاجتمع معه خلق كثير فعاد إلى نواحي مقبرة والمنصور بها فكمن أبو يزيد وأصحابه فلما وصل عسكر المنصور رآهم فحذروا منهم فعبى حينئذ أبو يزيد وأصحابه واقتتلوا فانهزمت ميمنة المنصور وحمل هو بنفسه ومن معه فانهزم أبو يزيد إلى جبل سالات ورحل المنصور في أثره فدخل مدينة المسيلة ورحل في أثر أبي يزيد في جبال وعرة وأودية عميقة خشنة الأرض فأراد الدخول وراءه فعرفه الإدلاء أن هذه الأرض لم يسلكها جيش قط واشتد الأمر على العسكر فبلغ عليق كل دابة دينارا ونصفا وبلغت قربة الماء دينارا وأن ما وراء ذلك رمال وقفار بلاد السودان ليس فيها عمارة وأن أبا يزيد اختار الموت جوعا وعطشا على القتل بالسيف فلما سمع ذلك رجع إلى بلاد صنهاجة فوصل إلى موضع يسمى قرية دمره فاتصل به الأمير زيري بن مناد الصنهاجي الحميري بعساكر صنهاجة وهذا زيري هو جد بني باديس ملوك أفريقية كما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى فأكرمه المنصور وأحسن إليه

ووصل كتاب محمد بن خذر يذكر الموضع الذي فيه أبو يزيد من الرمال ومرض المنصور مرضا شديدا أشفي منه فلما أفاق من مرضه رحل إلى المسيلة ثاني رجب وكان أبو يزيد قد سبقه إليها لما بلغه مرض المنصور وحصرها فلما قصده المنصور هرب منه يريد بلاد السودان فأبى ذلك بنو كملان وهوارة وخدعوه وصعد إلى جبال كتامة وعجيسة وغيرهم فنحصن بها واجتمع إليه أهلها وصاروا ينزلون يتخطفون الناس فسار المنصور عاشر شعبان إليه فلم ينزل أبو يزيد فلما عاد نزل إلى ساقة العسكر فرجع المنصور ووقعت الحرب فانهزم أبو يزيد وأسلم أولاده وأصحابه ولحقه فارسان فعقر فرسه فسقط عنه فأركبه بعض أصحابه ولحقه زيري بن مناد فطعنه فألقاه وكثر القتال عليه فخلصه أصحابه وخلصوا من معه وتبعهم أصحاب المنصور فقتلوا منهم ما يزيد على عشر آلاف

ثم سار المنصور في أثره أول شهر رمضان فاقتتلوا أيضا أشد قتال ولم يقدر أحد الفريقين على الهزيمة لضيق المكان وخشونته ثم انهزم أبو يزيد أيضا واحترقت أثقاله وما فيها وطلع أصحابه على رؤوس الجبال يرمون بالصخر وأحاط القتال بالمنصور وتواخذوا بالأيدي وكثر القتل حتى ظنوا أنه الفناء وافترقوا على السوء والتجأ أبو يزيد إلى قلعة كتامة وهي منيعة فاحتمى بها وفي ذلك اليوم أتى إلى المنصور جند له من كتامة برجل ظهر في أرضهم ادعى الربوبية فأمر المنصور بقتله وأقبلت هوارة وأكثر من مع أبي يزيد يطلبون الأمان فأمنهم المنصور

وسار إلى قلعة كتامة فحصرها أبا يزيد فيها وفرق جنده حولها فناشبه أصحاب أبي يزيد القتال وزحف إليها المنصور غير مرة ففي آخرها ملك أصحابه بعض القلعة وألقوا فيها النيران وانهزم أصحاب أبي يزيد وقتلوا قتلا ذريعا ودخل أبو يزيد وأولاده وأعيان أصحابه إلى قصر في القلعة فاجتمعوا فيه فاحترقت أبوابه وأدركهم القتل فأمر المنصور بإشعال النار في شعاري الجبل وبين يديه لئلا يهرب أبو يزيد فصار الليل كالنهار فلما كان آخر الليل خرج أصحابه وهم يحملونه على أيديهم وحملوا على الناس حملة منكرة فأفرجوا لهم فنجوا به ونزل من القلعة خلق كثير فأخذوا فأخبروا بخروج أبي يزيد فأمر المنصور بطلبه وقال ما اظنه إلا قريبا منا فبينماهم كذلك إذ أتي بأبي يزيد وذلك أن ثلاثة من أصحابه حملوه من المعركة ثم ولوا عنه وإنما حملوه لقبح عرجه فذهب لينزل من الوعر فسقط في مكان صعب فأدرك فأخذ وحمل إلى المنصور فسجد شكرا لله تعالى والناس يكبرون حوله وبقي عنده إلى سلخ المحرم من سنة ست وثلاثين وثلاثمائة فمات من الجراح التي به فأمر بإدخاله في قفص عمل له وجعل معه قردين يلعبان عليه وأمر بسلخ جلده وحشاه تبنا وأمر بالكتب إلى سائر البلاد بالبشارة ثم خرج عليه عدة خوارج منهم محمد بن خزر فظفر به المنصور سنة ست وثلاثين وثلاثمائة وكان يريد نصرة أبي يزيد وخرج أيضا فضل بن أبي يزيد وأفسد وقطع الطريق فغدر به بعض أصحابه وقتله وحمل رأسه إلى المنصور سنة ست وثلاثين أيضا وعاد المنصور إلى المهدية فدخلها في شهر رمضان من السنة

ذكر قتل أبي الحسين البريدي وإحراقه ص 200

في هذه السنة في ربيع الأول قدم أبو الحسين البريدي إلى بغداد مستأمنا إلى توزون فأمنه وأنزله أبو جعفر بن شيرزاد إلى جانب داره وأكرمه وطلب أن يقوي يده على ابن أخيه وضمن أنه إذا أخذ البصرة يوصل له مالا كثيرا فوعدوه النجدة والمساعدة فأنفذ ابن أخيه من البصرة مالا كثيرا خدم به توزون وابن شيرزاد فأنفذوا له الخلع وأقروه على عمله فلما علم أبو الحسين بذلك سعى في أن يكتب لتوزون ويقبض على ابن شيرزاد فعلم ابن شيرزاد بذلك فسعى به إلى أن قبض عليه وقيد وضرب ضربا عنيفا وكان أبو عبد الله بن أبي موسى الهاشمي قد أخذ أيام ناصر الدولة فتوى الفقهاء والقضاة بإحلال دمه فأحضرها وأحضر القضاة والفقهاء في دار الخليفة وأخرج أبو الحسين وسأل الفقهاء عن الفتاوى فأعترفوا أنهم أفتوا بذلك فأمر بضرب رقبته فقتل وصلب ثم أنزل وأحرق ونهبت داره وكان هذا آخر أمر البريديين وكان قتله منتصف ذي الحجة وفيها نقل المستكفي بالله القاهر بالله من دار الخلافة إلى دار ابن طاهر وكان قد بلغ به الضر والفقر إلى أن كان ملتفا بقطن جبة وفي رجله قبقاب خشب

ذكر مسير أبي علي إلى الري وعوده قبل ملكها ص 201

لما استقر الأمير نوح في ولايته بما وراء النهر وخراسان أمر أبا علي بن محتاج أن يسير في عساكر خراسان إلى الري ويستنقذها من يد ركن الدولة بن بويه فسار في جمع كثير فلقيه وشمكير بخراسان وهو يقصد الأمير نوحا فسيره إليه وكان نوح حينئذ بمرو فلما قدم عليه أكرمه وأنزله وبالغ في إكرامه والإحسان إليه وأما أبو علي فإنه سار نحو الري فلما نزل ببسطام خالف عليه بعض من معه وعادوا عنه مع منصور بن قرانكين وهو من أكابر أصحاب نوح وخواصه فساروا نحو جرجان وبها الحسن بن الفيرزان فصدهم الحسن عنها فانصرفوا إلى نيسابور وسار أبو علي نحو الري فيمن بقي معه فخرج إليه ركن الدولة محاربا فالقوا على ثلاث فراسخ من الري وكان مع أبي علي جماعة كثيرة من الأكراد فغدروا منه واستأمنوا إلى ركن الدولة فانهزم أبو علي وعاد نحو نيسابور وغنموا بعض أثقاله

ذكر استيلاء وشمكير على جرجان ص 201

لما عاد أبو علي إلى نيسابور لقيه وشمكير وقد سيره الأمير نوح ومعه جيش فيهم مالك بن شكرتكين وأرسل إلى أبي علي يأمره بمساعدة وشمكير فوجه فيمن معه إلى جرجان وبها الحسن بن الفيرزان فالتقوا واقتتلوا فانهزم الحسن واستولى وشمكير على جرجان في صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة

ذكر استيلاء أبي علي على الري ص 201

في هذه السنة سار أبو علي من نيسابور إلى نوح وهو بمرو فاجتمع به فأعاده إلى نيسابور وأمره بقصد الري وأمده بجيش كثير فعاد إلى نيسابور وسار منها إلى الري في جمادى الآخرة وبها ركن الدولة فلما علم ركن الدولة بكثرة جموعه سار عن الري واستولى أبو علي عليها وعلى سائر أعمال الجبال وأنفذ نوابه إلى الأعمال وذلك في شهر رمضان من هذه السنة ثم إن الأمير نوحا سار من مرو إلى نيسابور فوصل إليها في رجب وأقام بها خمسين يوما فوضع أعداء أبي علي جماعة من الغوغاء والعامة فاجتمعوا واستغاثوا عليه وشكوا سوء سيرته سيرة نوابه فاستعمل الأمير نوح على نيسابور إبراهيم بن سيمجور وعاد عنها إلى بخارى في رمضان وكان مرادهم بذلك أن يقطعوا طمع أبي علي عن خراسان ليقيم بالري وبلاد الجبل فاستوحش أبو علي لذلك فإنه كان يعتقد أنه يحسن إليه بسبب فتح الري وتلك الأعمال فلما عزل شق ذلك عليه ووجه أخاه أبا العباس الفضل بن محمد إلى كور الجبال وولاه همذان وجعله خليفة على من معه من العساكر فقصد الفضل نهاوند والدينور وغيرهما واستولى عليها واستأمن إليه رؤساء الأكراد من تلك الناحية وأنفذوا إليه رهائنهم

ذكر وصول معز الدولة إلى واسط وعوده عنها ص 202

في هذه السنة آخر رجب وصل معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه إلى مدينة واسط فسمع توزون به فسار هو والمستكفي بالله من بغداد إلى واسط فلما سمع معز الدولة بمسيرهم إليه فارقها سادس رمضان ووصل الخليفة وتوزون إلى واسط فأرسل أبو القاسم البريدي يضمن البصرة فأجابه توزون إلى ذلك وضمنه وسلمها إليه وعاد الخليفة وتوزون إلى بغداد فدخلاها ثامن شوال من السنة

ذكر ملك سيف الدولة مدينة حلب وحمص ص 202

في هذه السنة سار سيف الدولة علي بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان إلى حلب فملكها واستولى عليها وكان مع المتقي لله بالرقة فلما عاد المتقي إلى بغداد وانصرف الإخشيد إلى الشام بقي يأنس المؤنسي بحلب فقصده سيف الدولة فلما نازلها فارقها يأنس وسار الإخشيد فملكها سيف الدولة ثم سار منها إلى حمص فلقيه بها عسكر الإخشيد محمد بن طغج صاحب الشام ومصر مع مولاه كافور واقتتلوا فانهزم عسكر الإخشيد وكافور وملك سيف الدولة مدينة حمص وسار إلى دمشق فحصرها فلم يفتحها أهلها له فرجع وكان الإخشيد قد خرج من مصر إلى الشام وسار خلف سيف الدولة فالتقيا بقشرين فلم يظفر أحد العسكرين بالآخر ورجع سيف الدولة إلى الجزيرة فلما عاد الإخشيد إلى دمشق رجع سيف الدولة إلى حلب ولما ملك سيف الدولة حلب سارت الروم إليها فخرج إليهم فقاتلهم بالقرب منها فظفر بهم وقتل منهم

ذكر عدة حوادث ص 202

في هذه السنة ثامن جمادى الأولى قبض المستكفي بالله على كاتبه أبي عبد الله بن أبي سليمان وعلى أخيه واستكتب أبا أحمد الفضل بن عبد الرحمن الشيرازي على خاص أمره وكان أبو أحمد لما تقلد المستكفي الخلافة بالموصل يكتب لناصر الدولة فلما بلغه خبر تقلده الخلافة انحدر إلى بغداد لأنه كان يخدم المستكفي بالله ويكتب له وهو في دار ابن طاهر وفيها في رجب سار توزون ومعه المستكفي بالله من بغداد يريدان الموصل وقصدا ناصر الدولة لأنه كان قد أخر حمل المال الذي عليه من ضمان البلاد واستخدم غلمانا هربوا من توزون وكان الشرط بينهم أنه لا يقبل أحدا من عسكر توزون فلما خرج الخليفة وتوزون من بغداد ترددت الرسل في الصلح وتوسط أبو جعفر بن شيرزاد الأمر وانقاد ناصر الدولة لحمل المال وكان أبو القاسم بن مكرم كاتب الدولة هو الرسول في ذلك ولما تقرر الصلح عاد المستكفي وتوزون فدخلا بغداد وفيها في سابع ربيع الآخر قبض المستكفي على وزيره أبي الفرج السرمراي وصودر على ثلاثمائة ألف درهم وكانت مدة وزارته اثنين وأربعين يوما

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.