كان المتقي لله قد كتب إلى الإخشيد محمد بن طغج متولي مصر يشكو حاله ويستقدمه إليه فأتاه من مصر فلما وصل إلى حلب صار عنها أبو عبد الله بن سعيد بن حمدان وكان ابن مقاتل بها معه فلما علم برحيله عنها أختفى فلما قدم الإخشيد إليها ظهر إليه ابن مقاتل فأكرمه الإخشيد واستعمله على خراج مصر وإنكسر عليه ما بقي من المصادرة التي صادره بها ناصر الدولة بن حمدان ومبلغه خمسون ألف دينار وسار الإخشيد من حلب فوصل إلى المتقي منتصف محرم وهو بالرقة فأكرمه المتقي وإحترمه ووقف الإخشيد وقوف الغلمان ومشى بين يديه فأمره المتقي بالركوب فلم يفعل إلى أن نزل المتقي وحمل إلى المتقي هدايا عظيمة وإلى الوزير أبي الحسين بن مقلة وسائر الأصحاب واجتهد بالمتقي ليسير معه إلى مصر والشام ويكون بين يديه فلم يقبل وأشار عليه بالمقام مكانه ولا يرجع إلى بغداد وخوفه من توزون فلم يفعل وأشار علي بن مقلة أن يسير معه إلى مصر ليحكمه في جميع بلاده فلم يجبه إلى ذلك فخوفه أيضا من توزون فكان ابن مقلة يقول بعد ذلك نصحني الاخشيد فلم أقبل نصيحته وكان قد أنفذ رسلا إلى توزون في الصلح على ما ذكرناه فحلفوا توزون للخليفة والوزير فلما حلف كتب الرسل إلى المتقي بذلك فكتب إليه الناس أيضا بما شاهدوا من تأكيد اليمين فانحدر المتقي من الرقة في الفرات إلى بغداد لأربع بقين من المحرم وعاد الإخشيد إلى مصر فلما وصل المتقي إلى هيت أقام بها وأنفذ من يجدد اليمين على توزون فعاد وحلف وسار عن بغداد لعشر بقين من صفر ليلتقي مع المتقي فالقى معه بالسندية فنزل توزون وقبل الأرض وقال ها أنا قد وفبت بيميني والطاعة لك ثم وكل به وبالوزير وبالجماعة وأنزلهم في مضرب نفسه مع حرم المتقي ثم كحله فأذهب عينيه فلما سمله صاح وصاح من عنده من الحرم والخدم وارتجت الدنيا فأمر توزون بضرب الدبادب لئلا تظهر أصواتهم فخفيت أصواتهم وعمي المتقي لله وانحدر توزون من الغد إلى بغداد والجماعة في قبضته وكانت خلافة المتقي لله ثلاث سنين وخمسة أشهر وثمانية عشر يوما وكان أبيض أشهل العينين وأمه أم ولد اسمها خلوب وكانت وزرارة ابن مقلة سنة واحدة وخمسة أشهر واثني عشر يوما
ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة
هو المستكفي بالله أبو القاسم عبد الله علي بن المكتفي بالله علي بن المعتضد بالله أبي العباس أحمد بن أبي أحمد الموفق بن المتوكل على الله يجتمع هو والمتقي لله في المعتضد لما قبض توزون على المتقي لله أحضر المستكفي إليه إلى السندية وبايعه هو وعامة الناس وكان سبب البيعة له ما حكاه أبو العباس التميمي الرازي وكان من خواص توزون قال كنت أنا السبب في البيعة للمستكفي وذلك أنني دعاني إبراهيم بن الزوبيندار الديلمي فمضيت إليه فذكر لي أنه تزوج إلى قوم وان أمراة منهم قالت له إن هذا المتقي قد عاداكم وعاديتوه وكاشفكم ولا يصفو قلبه لكم وههنا رجل من أولاد الخلفاء من ولد المكتفي وذكرت عقله وأدبه ودينه تنصبونه للخلافة فيكون صنيعتكم وغرسكم ويدلكم على أموال جليلة لا يعرفها غيره وتستريحون من الخوف والحراسة قال فعلمت أن هذا أمر لا يتم إلا بك فدعوتك له فقلت أريد أن أسمع كلام المرأة فجاءني بها فرأيت امرأة عاقلة جزلة فذكرت لي نحوا من ذلك فقلت لا بد أن ألقى الرجل فقالت تعود غدا إلى ههنا حتى أجمع بينكما فعدت إليها من الغد فوجدته قد أخرج من دار ابن طاهر في زي امرأة فعرفني نفسه وضمن إظهار ثمانمائة ألف دينار منها مائة ألف لتوزون وذكر وجوهها وخاطبني خطاب رجل فهم عاقل ورأيته يتشيع قال فأتيت توزون فأخبرته فوقع كلامي بقلبه وقال أريد أن أبصر الرجل فقلت لك ذلك ولكن أكتم أمرنا من ابن شيرزاد فقال أفعل وعدت إليهم وأخبرتهم الذي ذكر ووعدتهم حضور توزون من الغد فلما كان ليلة الأحد لأربع عشرة خلت من صفر مشيت مع توزون مستخفيين فاجتمعنا به وخاطبه توزون وبابعه تلك الليلة وكتم الأمر فلما وصل المتقي قلت لتوزون لما لقيه أنت على ذلك العزم قال نعم قلت فأفعله الساعة فإنه أن دخل الدار بعد عليك مرامه فوكل به وسمله وجرى ما جرى وبويع المستكفي بالخلافة يوم خلع المتقي
وأحضر المتقي فبايعه وأخذ منه البردة والقضيب وصارت تلك المرأة قهرمانة المستكفي وسمت نفسها علما وغلبت على أمره كله واستوزر المستكفي بالله أبا الفرج محمد بن علي الساري يوم الأربعاء لست بقسن من صفر ولم يكن له إلا اسم الوزارة والذي تولى الأمور ابن شيرزاد وحبس المتقي وخلع المستكفي بالهه على توزون خلعه وتاجا وطلب المستكفي بالله أبا القاسم الفضل بن المقتدر بالله وهو الذي ولي الخلافة ولقب المطيع لله لأنه كان يعرفه يطلب الخلافة فاستتر مدة خلافة المستكفي فهدمت داره التي على دجلة عند دار ابن طاهر حتى لم يبق منها شيء
في هذه السنة اشتدت شوكة أبي يزيد بأفريقية وكثر أتباعه وهزم الجيوش وكان ابتداء أمره أنه من زناتة واسم والده كنداد من مدينة توزر من قسطيلية وكان يختلف إلى بلاد السودان لتجارة فولد له بها أبو يزيد من جارية هوارية فأتى بها إلى توزر فنشأ بها وتعلم القرآن وخالط جماعة من النكارية فمالت نفسه إلى مذهبهم ثم سافر إلى تاهرت فأقام بها يعلم الصبيان إلى أن خرج أبو عبد الله الشيعي إلى سجلماسة في طلب المهدي فانتقل إلى تقيوس واشترى ضيعة وأقام يعلم فيها وكان مذهبه تكفير أهل الملة واستباحة الأموال والدماء والخروج على السلطان فابتدأ يحتسب على الناس في أفعالهم ومذاهبهم فصار له جماعة يعظمونه وذلك أيام المهدي سنة ست عشرة وثلاثمائة ولم يزل على ذلك إلى أن اشتدت شوكته وكثر أتباعه في أيام القائم ولد المهدي فصار يغير ويحرق ويفسد وزحف إلى بلاد القائم وحاصر باغاية وهزم الجيوش الكثيرة عليها ثم حاصر قسطيلية سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة وفتح تبسة ومجانة وهدم سورها وآمن أهلها ودخل مرمجنة فلقيه رجل من أهلها وأهدى له حمارا أشهب مليح الصورة فركبه أبو يزيد من ذلك اليوم وكان قصيرا أعرج يلبس جبة صوف قصيرة قبيح الصورة ثم إنه هزم كتامة وأنفذ طائفة من عسكره إلى سبيبة ففتحها وصلب عاملها وسار إلى الأربس ففتحها وأحرقها ونهبها وجاء الناس إلى الجامع فقتلهم فيه فلما اتصل ذلك بأهل المهدية استعظموه وقالوا للقائم الأربس باب أفريقية ولو أخذت زالت دولة بني الأغلب فقال لا بد أن يبلغ أبو يزيد المصلى وهو أقصى غايته
ثم إن القائم أخرج الجيوش لضبط البلاد فأخرج جيشا إلى رقادة وجيشا إلى القيروان وجمع العساكر فخاف أبو يزيد وعول على أخذ بلاد أفريقية وإخرابها وقتل أهلها وسير القائم الجيش الذي اجتمع له مع فتاه ميسور وسير بعضه مع فتاه بشرى إلى باجة فلما بلغ أبا يزيد خبر بشرى ترك أثقاله وسار جريدة إليه فالتقوا بباجة فانهزم عسكر أبي يزيد وبقي في نحو أربعمائة مقاتل فقال لهم ميلوا بنا نخالفهم إلى خيامهم ففعلوا ذلك فانهزم بشرى إلى تونس وقتل من عسكره كثير من وجوه كتامة وغيرهم ودخل أبو يزيد باجة فأحرقها ونهبها وقتلوا الأطفال وأخذوا النساء
وكتب إلى القبائل يدعوهم إلى نفسه فأتوه وعمل الأخبية والبنود وآلات الحرب ولما وصل بشرى إلى تونس جمع الناس وأعطاهم الأموال فاجتمع إليه خلق كثير فجهزهم وسيرهم إلى أبي يزيد وسير إليهم أبو يزيد جيشا فالتقوا واقتتلوا فانهزم أصحاب أبي يزيد ورجع أصحاب بشرى إلى تونس غانمين ووقعت فتنة في تونس ونهب أهلها دار عاملها فهرب وكاتبوا أبا يزيد فأعطاهم الأمان وولى عليهم رجلا منهم يقال له رحمون وانتقل إلى فحص أبي صالح وخافه الناس فانتقلوا إلى القيروان وأتاه كثير منهم خوفا ورعبا وأمر القائم بشرى أن يتجسس اخبار أبي يزيد فمضى نحوه وبلغ الخبر إلى أبي يزيد فسير إليهم طائفة من عسكره وأمر مقدمهم أن يقتل ويمثل وينهب ليرعب قلوب الناس ففعل ذلك والتقى هو وبشرى فاقتتلوا وانهزم عسكر أبي يزيد وقتل منهم أربعة آلاف وأسر خمسمائة فسيرهم بشرى إلى المهدية في السلاسل فقتلهم العامة
لما انهزم أصحاب أبي يزيد غاظه ذلك وجمع الجموع ورحل وسار إلى قتال الكتاميين فوصل إلى الجزيرة وتلاقت الطلائع وجرى بينهم قتال فانهزمت طلائع الكتاميين وتبعهم البربر إلى رقادة ونزل أبو يزيد بالغرب من القيروان في مائة ألف مقاتل ونزل من الغد شرقي رقادة وعاملها خليل لا يلتفت إلى أبي يزيد ولا يبالي به والناس يأتونه ويخبرونه بقربهم فأمر أن لا يخرج أحد لقتال وكان ينتظر وصول ميسور في الجيش الذي معه فلما علم أبو يزيد ذلك زحف إلى البلد بعض عسكره فأنشبوا القتال فجرى بينهم قتال عظيم قتل فيه من أهل القيروان خلق كثير فانهزموا وخليل لم يخرج معهم فصاح به الناس فخرج متكارها من باب تونس
وأقبل أبو يزيد فانهزم خليل بغير قتال ودخل القيروان ونزل بداره وأغلق بابها ينتظر وصول ميسور وفعل كذلك اصحابه ودخل البربر المدينة فقتلوا وأفسدوا وقاتل بعض الناس في أطراف البلد وبعث أبو يزيد رجلا من أصحابه اسمه أيوب الزويلي إلى القيروان بعسكر فدخلها أواخر صفر فنهب البلد وقتل وعمل أعمالا عظيمة وحصر خليلا في داره فنزل هو ومن معه بالأمان فحمل خليل إلى أبي يزيد فقتله وخرج شيوخ أهل القيروان إلى أبي يزيد وهو برقادة فسلموا عليه وطلبوا الأمان فماطلهم وأصحابه وينهبون فعادوا الشكوى وقالوا خربت المدينة فقال وما يكون خربت مكة والبيت المقدس ثم أمر بالأمان وبقي طائفة من البربر ينهبون فأتاهم الخبر بوصول ميسور في عساكر عظيمة فخرج عند ذلك البربر من المدينة خوفا منه وقارب ميسور مدينة القيروان واتصل الخبر بالقائم أن بني كملان قد كاتب بعضهم أبا يزيد على أن يمكنوه من ميسور
فكتب إلى ميسور يعرفه ويحذره ويأمره بطردهم فرجعوا إلى أبي يزيد وقالوا له إن عجلت ظفرت به فسار من يومه فالتقوا واشتد القتال بينهم وانهزمت ميسرة أبي يزيد فلما رأى أبو يزيد ذلك حمل على ميسور فانهزم أصحاب ميسور فعطف مسور فرسه فكبا به فسقط عنه وقاتل أصحابه عليه ليمنعوه فقصده بنو كملان الذين طردهم فاشتد القتال حيننئذ فقتل ميور وحمل رأسه إلى أبي يزيد وانهزم عامة عسكره
وسير الكتب إلى عامة البلاد يخبر بهذا الظفر وطيف برأس ميسور بالقيروان واتصل خبر الهزيمة بالقائم فخاف هو ومن معه بالمهدية وانتقل أهلها من ارباضها إلى البلد فاجتمعوا واحتموا بسوره فمنعهم القائم ووعدهم الظفر فعادوا إلى زويلة واستعدوا للحصار وأقام أبو يزيد شهرين وثمانية أيام في خيم ميسور وهو يبعث السرايا إلى كل ناحية فيغنمون ويعودون وأرسل سرية إلى سوسة ففتحوها بالسيف وقتلوا الرجال وسبوا النساء وأحرقوها وشقوا فروج النساء وبقروا البطون حتى لم بيق موضع في أفريقية معمور ولا سقف مرفوع ومضى جميع من بقي إلى القيروان حفاة عراة ومن تخلص من السبي مات جوعا وعطشا
وفي آخر ربيع الآخر من سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة أمر القائم بحفر الخنادق حول أرباض المهدية وكتب زيري بن مناد سيد صنهاجة وإلى سادات كتامة والقبائل يحثهم على الاجتماع بالمهدية وقتال النكار فتأهبوا للمسير إلى القائم
لما سمع أبو يزيد بتأهب صنهاجة وكتامة وغيرهم لنصرة القائم خاف ورحل من ساعته نحو المهدية فنزل على خمسة عشر ميلا منها وبث سراياه إلى ناحية المهدية فانتهبت ما وجدت وقتلت من أصابت فاجتمع الناس إلى المهدية واتفقت كتامة وأصحاب القائم على أن يخرجوا إلى أبي يزيد ليضربوا عليه في معسكره لما سمعوا أن عسكره قد تفرق في الغارة فخرجوا يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الأولى من السنة وبلغ ذلك أبا يزيد وقد أتاه ولده فضل بعسكر من القيروان فوجههم إلى قتال كتامة وقدم عليهم ابنه فالتقوا على ستة أميال من المهدية واقتتلوا وبلغ الخبر أبا يزيد فركب بجميع من بقي معه فلقي أصحابه منهزمين وقد قتل كثير منهم فلما رآه الكتاميون انهزموا من غير قتال وابو يزيد في أثرهم إلى باب الفتح واقتحم قوم من البربر فدخلوا باب الفتح فأشرف أبو يزيد على المهدية ثم رجع إلى منزله ثم تقدم إلى المهدية في جمادى الآخرة فأتى باب الفتح ووجه زويلة إلى باب بكر ثم وقف هو على الخندق المحدث وبه جماعة من العبيد فناشبهم أبو يزيد القتال على الخندق ثم اقتحم أبو يزيد ومن معه البحر فبلغ الماء صدور الدواب حتى جاوزوا السور المحدث فانهزم العبيد وابو يزيد ووصل أبو يزيد إلى باب المهدية عند المصلى الذي للعيد وبينه وبين المهدية رمية سهم وتفرق أصحابه في زويلة ينهبون ويقتلون وأهلها يطلبون الأمان والقتال عند باب الفتح بين كتامة والبربر وهم لا يعلمون ما صنع أبو يزيد في ذلك الجانب فحمل الكتاميون على البربر فهزموهم وقتلوا فيهم
وسمع أبو يزيد بذلك ووصول زيري بن مناد في صنهاجة فخاف المقام فقصد باب الفتح ليأتي زيري وكتامة من ورائهم بطبوله وبنوده فلما رأى أهل الأرباض ذلك ظنوا أن القائم قد خرج بنفسه من المهدية فكبروا وقويت نفوسهم واشتد قتالهم فتحير أبو يزيد وعرفه أهل تلك الناحية فمالوا عليه ليقتلوه فاشتد القتال عنده فهدم بعض أصحابه حائطا وخرج منه فتخلص ووصل إلى منزله بعد المغرب وهم يقاتلون العبيد فلما رأوه قويت قلوبهم وانهزم العبيد وافترقوا ثم رحل أبو يزيد إلى ثرنوطة وحفر على عسكره خندقا واجتمع إليه خلق عظيم من افريقية والبربر ونفوسة والزاب وأقاصي المغرب فحصر المهدية حصارا شديدا ومنع الناس من الدخول اليها والخروج منها ثم زحف اليها لسبع بقين من جمادى الآخرة من السنة فجرى قتال عظيم قتل جماعة من وجوه عسكر القائم واقتحم أبو يزيد بنفسه حتى وصل إلى قرب الباب فعرفه بعض العبيد فقبض على لجامه وصاح هذا أبو يزيد فاقتلوه فأتاه رجل من أصحاب أبي يزيد فقطع يده وخلص أبو يزيد
فلما رأى شدة القتال أصحاب القائم كتب إلى عامل القيروان يأمره بإرسال مقاتله أهلها إليه ففعل ذلك فوصلوا إليه فزحف بهم آخر رجب فجرى قتال شديد انهزم فيه أبو يزيد هزيمة منكرة وقتل فيها جماعة من أصحابه وأكثر أهل القيروان ثم زحف الزحفة الرابعة في العشر الآخر من شوال فجرى قتال عظيم وانصرف إلى منزله وكثر خروج الناس من الجوع والغلاء ففتح عند ذلك القائم الأهراء التي عملها المهدي وملأها طعاما وفرق ما فيها على رجاله وعظم البلاء على الرعية حتى أكلوا الدواب والميتة وخرج من المهدية أكثر السوقة سوى الجند فكان البربر يأخذون من خرج ويقتلونهم ويشقون بطونهم طلبا للذهب
ثم وصلت كتامة فنزلت بقسنطينة فخاف أبو يزيد فسار رجل من عسكره في جمع عظيم من ورفجومة وغيرهم إلى كتامة فقاتلهم فهزمهم فترقوا وكان البربر يأتون إلى أبي يزيد من كل ناحية وينهبون ويقتلون ويرجعون إلى منازلهم حتى أفنوا ما كان في أفريقية فلما لم يبق ما نهب توقفوا عن المجيء إليه فلم يبق سوى أهل أوراس وبني كملان فلما علم القائم تفرق عساكره أخرج عسكره إليه وكان بينهم قتال شديد لست خلون من ذي القعدة من سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة ثم صبحوهم من الغد فلم يخرج إليهم أحد
وكان أبو يزيد قد بعث في طلب الرجال من أوراس ثم زحفت عساكر القائم إليه فخرج من خندقه واقتتلوا واشتد بينهم القتال فقتل من أصحاب أبي يزيد جماعة منهم رجل من وجوه أصحابه فغظم قتله عليه ودخل خندقه ثم عاود القتال فهبت ريح شديدة مظلمة فكان الرجل لا يبصر صاحبه فانهزم عسكر القائم وقتل منهم جماعة وعاد الحصار على ما كان عليه وهرب كثير من أهل المهدية إلى جزيرة صقلية وطرابلس ومصر وبلد الروم
وفي آخر ذي القعدة اجتمع عند أبي يزيد جموع عظيم وتقدم إلى المهدية فقاتل عليها فتخير الكتاميون منهم مائتي فارس فحملوا حملة رجل واحد فقتلوا في أصحابه كثيرا وأسروا مثلهم وكادوا يصلون إليه فقاتل أصحابه دونه وخلصوه
وفرح أهل المهدية وأخذوا الأسرى في الحبال إلى المهدية ودخلت سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة وهو مقيم على المهدية وفي المحرم منها ظهر بأفريقية رجل يدعو الناس إلى نفسه فأجابه خلق كثير وأطاعوه وأدعى أنه عباسي ورد من بغداد ومعه أعلام سود فظفر به بعض أصحاب أبي يزيد وقبض عليه وسيره إلى أبي يزيد فقتله ثم ان بعض أصحاب أبي يزيد هرب إلى المهدية بسبب عداوة كانت بينهم وبين أقوام سعوا بهم إليه فخرجوا من المهدية مع أصحاب القائم فقاتلوا أصحاب أبي يزيد فظفروا فتفرق عند ذلك أصحاب أبي يزيد ولم يبق معه غير هوارة وأوراس وبني كملان وكان إعتماده عليهم
لما تفرق أصحابه عنه كما ذكرنا اجتمع رؤساء من بقي معه وتشاوروا وقالوا نمضي إلى القيروان ونجمع البربر من كل ناحية ونرجع إلى أبي يزيد فإننا لا نأمن أن يعرف القائم خبرنا فيقصدنا فركبوا ومضوا ولم يشاوروا أبا يزيد ومعهم أكثر العسكر فبعث إليهم أبو يزيد ليردهم فلم يقبلوا منه فرحل مسرعا في ثلاثين رجلا وترك جميع أثقاله فوصل إلى القيروان سادس صفر فنزل المصلى ولم يخرج إليه أحد من أهل القيروان سوى عامله وخرج الصبيان يلعبون حوله ويضحكون منه وبلغ القائم رجوعه فخرج الناس إلى أثقاله فوجدوا الطعام والخيام وغير ذلك على حاله فأخذوه وحسنت أحوالهم واستراحوا من شدة الحصار ورخصت الأسعار وأنفذ القائم إلى البلاد عمالا يطردون عمال أبي يزيد عنها فلما رأى أهل القيروان قلة عسكر أبي يزيد خافوا القائم فأرادوا أن يقبضوا أبا يزيد ثم هابوه فكاتبوا القائم يسألونه الأمان فلم يجبهم
وبلغ أبا يزيد الخبر فأنكر على عامله بالقيروان اشتغاله بالأكل والشرب وغير ذلك وأمره أن يخرج العساكر من القيروان للجهاد ففعل ذلك وألان لهم القول وخوفهم القائم فخرجوا إليه وتسامع الناس في البلاد بذلك فأتاه العساكر من كل ناحية وكان أهل المدائن والقرى لما سمعوا تفرق عساكره عنه أخذوا عماله فمنهم من قتل ومنهم من أرسل إلى المهدية
وثار أهل سوسة فقبضوا على جماعة من أصحابه فأرسلوهم إلى القائم فشكر لهم ذلك وأرسل إليهم سبع مراكب من الطعام فلما اجتمعت عساكر أبي يزيد أرسل الجيوش إلى البلاد وأمرهم بالقتل والسبس والنهب والخراب واحراق المنازل فوصل عسكره إلى تونس فدخلوها بالسيف في العشرين من صفر سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة فنهبوا جميع ما فيها وسبوا النساء والأطفال وقتلوا الرجال وهدموا المساجد ولجأ كثير من الناس إلى البحر فغرق فسير إليهم القائم عسكرا إلى تونس فخرج إليهم أصحاب أبي يزيد واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم عسكر القائم هزيمة قبيحة وحال بينهم الليل والتجؤوا إلى جبل الرصاص ثم إلى اصطفورة فتبعهم عسكر أبي يزيد فلحقوهم واقتتلوا وصبر عسكر القائم فانهزم عسكر أبي يزيد وقتل منهم خلق كثير وقتلوا حتى دخلوا تونس خامس ربيع الأول وأخرجوا من فيها من أصحاب أبي يزيد بعد أن قتلوا أكثرهم وأخذ لهم من الطعام شيء كثير
وكان لأبي يزيد ولد اسمه أيوب فلما بلغه الخبر أخرج معه عسكرا كثيرا فاجتمع مع من سلم من ذلمك الجيش ورجعوا إلى تونس فقتلوا من عاد إليها وأحرقوا ما بقي فيها وتوجه إلى باجة فقتل من بها من أصحاب القائم ودخلها بالسيف وأحرقها وكان في هذه المدة من القتل والسبي والتخريب ما لا يوصف واتفق جماعة على قتل أبي يزيد وأرسلوا إلى القائم فرغبهم فوعدهم فاتصل الخبر بأبي يزيد فقتلهم وهجم رجال من البربر في الليل على رجل من أهل القيروان وأخذوا مال وثلاث بنات أبكار فلما أصبح واجتمع الناس لصلاة الصبح قام الرجل في الجامع وصاح وذكر ما حل به فقام الناس معه وصاحوا فاجتمع الخلق العظيم ووصلوا إلى أبي يزيد فأسمعوه كلاما غليظا فأعتذر إليهم ولطف بهم وأمر برد البنات فلما انصرفوا وجدوا في طريقهم رجلا مقتولا فسألوا عنه فقيل إن فضل بن أبي يزيد قتله وأخذ امرأته وكانت جميلة فحمل الناس المقتول إلى الجامع وقالوا لا طاعة إلا للقائم وأرادوا الوثوب بأبي يزيد فاجتمع أصحاب أبي يزيد عنده ولاموه وقالوا فتحت على نفسك ما لا طاقة لك به لا سيما والقائم قريب منا فجمع أهل القيروان واعتذر إليهم وأعطاهم العهود أنه لا يقتل ولا ينهب ولا يأخذ الحريم فأتاه سبي أهل تونس وهم عنده فوثبوا إليهم وخلصوهم
وكان القائم قد أرسل إلى مقدم من أصحابه يسمى علي بن حمدون يأمره بجمع العساكر ومن قدر عليه من المسيلة فجمع منها ومن سطيف وغيرها فاجتمع له خلق كثير وتبعه بعض بني هراس فقصد المهدية به أيوب بن أبي يزيد وهو بمدينة باجة ولم يعلم به علي بن حمدون فسار إليه أيوب وكبسه واستباح عسكره وقتل فيهم وغنم أثقالهم وهرب على المذكور
ثم سير أيوب جردية خيل إلى طائفة من عسكر المهدي خرجوا إلى تونس فساروا واجتمعوا ووقع بعضهم على بعض فكان بين الفريقين قتال عظيم قتل فبه جمع كثير وانهزم عسكر القائم ثم عادوا ثانية وثالثة وعزموا على الموت وحملوا حملة رجل وأحد فانهزم أصحاب أبي يزيد وقتلوا قتالا ذريعا وأخذت أثقالهم وعددهم وانهزم أيوب وأصحابه إلى القيروان فس شهر ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة فعظم ذلك على أبي يزيد وأراد أن يهرب عن القيروان فأشار عليه أصحابه بالتوقف وترك العجلة ثم جمع عسكرا عظيما وأخرج ابنه أيوب ثانية لقتال علي ين حمدون بمكان يقال له بلطة وكانوا يقتتلون فمرة يظفر أيوب ومرة يظفر علي وكان علي قد وكل بحراسة المدينة من يثق به وكان يحرس بابا منه رجل اسمه أحمد فراسل أيوب في التسليم إليه على مال يأخذه فأجابه أيوب إلى ما طلب وقاتل على ذلك الباب ففتحه أحمد ودخله أصحاب أبي يزيد فقتلوا من كان بها وهرب علي إلى بلاد كتامة في ثلاثمائة فارس وأربعمائة راجل
وكتب إلى قبائل كتامة ونفزة ومزاتة وغيرهم فاجتمعوا وعسكروا على مدينة قسنطينة ووجه عسكرا إلى هوارة فقتلوا هوارة وغنموا أموالهم وكان اعتماد أبي يزيد عليهم فاتصل الخبر بأبي يزيد فسير إليهم عساكر عظيمة يتبع بعضها بعضا وكان بينهم حروب كثيرة والفتح والظفر في كلها لعلي وعسكر القائم وملك مدينة تيجس ومدينة باغاية وأخذهما من أبي يزيد
لما رأى أبو يزيد ما جرى على عسكره من الهزيمة جد في أمره فجمع العساكر وسار إلى سوسة سادس جمادى الآخرة من السنة وبها جيش للقائم فحصرها حصرا شديدا فكان يقاتلها كل يوم فمرة له ومرة عليه وعمل الدبابات والمنجنيقات فقتل من أهل سوسة خلق كثير وحاصرها إلى أن فوض القائم العهد إلى ولده اسماعيل المنصور في شهر رمضان
وتوفي القائم وملك الملك ابنه المنصور على ما نذكره وكتم موت أبيه خوفا من أبي يزيد لقربه وهو على مدينة سوسة فلما ولي عمل المراكب وشحنها بالرجال وسيرها إلى سوسة واستعمل عليها رشيقا الكاتب ويعقوب بن اسحاق ووصاهما أن لا يقاتلا حتى يأمرهما ثم سار من الغد يريد سوسة ولم يعلم أصحابه ذلك فلما انتصف الطريق علموا فتضرعوا إليه وسألوه أن يعود ولا يخاطر بنفسه فعاد
وأرسل إلى رشيق ويعقوب بالجد في القتال فوصلوا إلى سوسة وقد اعد أبو يزيد الحطب لإحراق السور وعمل دبابة عظيمة فوصل اسطول المنصور إلى سوسة واجتمعوا بمن فيها وخرجوا إلى قتال أبي يزيد فركب بنفسه واقتتلوا واشتدت الحرب وانهزم بعض أصحاب المنصور حتى دخلوا المدينة فألقى رشيق النار في الحطب الذي جمعه أبو يزيد وفي الدبابة فأظلم الجو بالدخان واشتعلت النار فلما رأى ذلك أبو يزيد وأصحابه خافوا وظنوا أن أصحابه في تلك الناحية قد هلكوا فلهذا تمكن أصحاب المنصور من إحراق الحطب إذ لم بعضهم بعضا فانهزم أبو يزيد وأصحابه وخرجت عساكر المنصور فوضعوا السيف فيمن تخلف من البربر وأحرقوا خيامه وجد أبو يزيد هاربا حتى دخل القيروان من يومه وهرب البربر على وجوههم فمن سلم من السيف مات جوعا وعطشا ولما وصل أبو يزيد إلى القيروان أراد الدخول إليها فمنعه أهلها ورجعوا إلى دار عامله فحصروه وأرادوا كسر الباب فنثر الدنانير على رؤوس الناس فاشتغلوا عنه فخرج إلى أبي يزيد وأخذ أبو يزيد امرأته أم أيوب وتبعه أصحابه بعيالاتهم ورحلوا إلى ناحية سبيبة وهي على مسافة يومين من القيروان فنزلوها
لما بلغ المنصور الخبر سار إلى مدينة سوسة لسبع بقين من شوال فنزل خارجا منها وسر بما فعله أهل القيروان فكتب إليهم كتابا يؤمنهم فيه لأنه كان واجدا عليهم لطاعتهم أبا يزيد وأرسل من ينادي في الناس بالأمان وطابت نفوسهم ورحل إليهم فوصلها يو الخميس لست بقين من شوال وخرج إليه أهلها فأمنهم ووعدهم خيرا ووجد في القيروان من حرم أبي يزيد وأولاده جماعة فحملهم إلى المهدية وأجرى عليهم الأرزاق ثم ان أبا يزيد جمع عساكره وأرسل سرية إلى القيروان يتخبرون له فاتصل خبرهم بالمنصور فسير إليهم سرية فالتقوا واقتتلوا وكان أصحاب أبي يزيد قد جعلوا كمينا فانهزموا وتبعهم أصحاب المنصور فخرج الكمين عليهم فأكثر فيهم القتل والجراح
فلما سمع الناس ذلك سارعوا إلى أبي يزيد فكثر جمعه فعاد ونازل القيروان وكان المنصور قد جعل خندقا على عسكر ففرق أبو يزيد عسكره ثلاث فرق وقصد هو بشجعان أصحابه إلى خندق المنصور فاقتتلوا وعظم الأمر وكان الظفر للمنصور ثم عاودوا القتال فباشر المنصور القتال بنفسه وجعل يحمل يمينا وشمالا والمظلة على رأسه كالعلم ومعه خمسمائة فارس وأبو يزيد في مقدار ثلاثين ألفا فانهزم أصحاب المنصور هزيمة عظيمة حتى دخلوا الخندق ونهبوا وبقي المنصور في نحو عشرين فارسا وأقبل أبو يزيد قاصدا إلى المنصور فلما رآهم شهر سيفه وثبت مكانه وحمل بنفسه على أبي يزيد حتى كاد يقتله فولى أبو يزيد هاربا وقتل المنصور من أدرك منهم وأرسل من يرد عسكره فعادوا وكانوا قد سلكوا طريق المهدية وسوسة وتمادى القتال إلى الظهر فقتل منهم خلق كثير وكان يوما من الأيام المشهورة لم يكن في ماضي الأيام مثله ورأى الناس من شجاعة المنصور ما لم يظنوه فزادت هيبته في قلوبهم ورحل أبو يزيد عن القيروان أواخر ذي القعدة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة ثم عاد إليها فلم يخرج إليه أحد ففعل ذلك غير مرة ونادى المنصور من أتى برأس أبي يزيد فله عشرة آلاف دينار وأذن الناس في القتال فجرى قتال شديد فانهزم أصحاب المنصور حتى دخلوا الخندق ثم رجعت الهزيمة على أبي يزيد فأفترقوا وقد انتصف بعضهم من بعض وقتل بينهم جمع عظيم وعادت الحرب مرة لهذا ومرة لهذا وصار أبو يزيد يرسل السرايا فيقطع الطريق بين المهدية والقيروان وسوسة ثم إنه أرسل إلى المنصور يسأل أن يسلم إليه حرمه وعياله الذين خلفهم بالقيروان وأخذهم المنصور فإن فعل ذلك دخل في طاعته على أن يؤمنه وأصحابه وحلف له بأغلظ الإيمان على ذلك فأجابه المنصور إلى ما طلب وأحضر عياله وسيرهم إليه مكرمين بعد أن وصلهم وأحسن كسوتهم وأكرمهم فلما وصلوا إليه نكث جميع ما عقده وقال إنما وجههم خوفا مني فانقضت سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة ودخلت سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة وهم على حالهم في القتال ففي خامس المحرم منها زحف أبو يزيد وركب المنصور وكان بين الفريقين قتال ما سمع بمثله وحملت البربر على المنصور وحمل عليها وجعل يضرب فيهم فانهزموا منه بعد أن قتل خلق كثير فلما انتصف المحرم عبى المنصور عسكره فجعل في الميمنة أهل أفريقية وكتامة في الميسرة وهو في عبيده وخاصته في القلب فوقع بينهم قتال شديد فحمل أبو يزيد على الميمنة فهزمها ثم حمل على القلب فبادر إليه المنصور قال هذا يوم الفتح إن شاء الله تعالى وحمل هو ومن معه حملة رجل واحد فانهزم يزيد وأخذت السيوف أصحابه فولوا منهزمين وأسلموا أثقالهم وهرب أبو يزيد على وجهه فقتل من أصحابه ما لا يحصى فكان ما أخذه أطفال أهل القيروان من رؤوس القتلى عشرة آلاف رأس وسار أبو يزيد إلى تاه مديت
لما تمت الهزيمة على أبي يزيد أقام المنصور يتجهز للمسير في أثره ثم رحل أواخر شهر ربيع الأول من السنة واستخلف على البلد مذاما الصقلي فأدرك أبا يزيد وهو محاصر مدينة باغاية لأنه أراد دخولها لما انهزم فمنع من ذلك فحصرها فأدركه المنصور وقد كاد يفتحها فلما قرب منه أبو يزيد وجعل كلما قصد موضعا يتحصن فبه سبقه المنصور حتى وصل طينة فوصلت رسل محمد بن خزر الزناتي وهو من أعيان أصحاب أبي يزيد يطلب الأمان فأمنه المنصور وأمره أن يرصد أبا يزيد واستمر الهرب بأبي يزيد حتى وصل إلى جبل البربر يسمى برزال وأهله على مذهبه وسلك الرمال ليختفي أثره فاجتمع معه خلق كثير فعاد إلى نواحي مقبرة والمنصور بها فكمن أبو يزيد وأصحابه فلما وصل عسكر المنصور رآهم فحذروا منهم فعبى حينئذ أبو يزيد وأصحابه واقتتلوا فانهزمت ميمنة المنصور وحمل هو بنفسه ومن معه فانهزم أبو يزيد إلى جبل سالات ورحل المنصور في أثره فدخل مدينة المسيلة ورحل في أثر أبي يزيد في جبال وعرة وأودية عميقة خشنة الأرض فأراد الدخول وراءه فعرفه الإدلاء أن هذه الأرض لم يسلكها جيش قط واشتد الأمر على العسكر فبلغ عليق كل دابة دينارا ونصفا وبلغت قربة الماء دينارا وأن ما وراء ذلك رمال وقفار بلاد السودان ليس فيها عمارة وأن أبا يزيد اختار الموت جوعا وعطشا على القتل بالسيف فلما سمع ذلك رجع إلى بلاد صنهاجة فوصل إلى موضع يسمى قرية دمره فاتصل به الأمير زيري بن مناد الصنهاجي الحميري بعساكر صنهاجة وهذا زيري هو جد بني باديس ملوك أفريقية كما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى فأكرمه المنصور وأحسن إليه
ووصل كتاب محمد بن خذر يذكر الموضع الذي فيه أبو يزيد من الرمال ومرض المنصور مرضا شديدا أشفي منه فلما أفاق من مرضه رحل إلى المسيلة ثاني رجب وكان أبو يزيد قد سبقه إليها لما بلغه مرض المنصور وحصرها فلما قصده المنصور هرب منه يريد بلاد السودان فأبى ذلك بنو كملان وهوارة وخدعوه وصعد إلى جبال كتامة وعجيسة وغيرهم فنحصن بها واجتمع إليه أهلها وصاروا ينزلون يتخطفون الناس فسار المنصور عاشر شعبان إليه فلم ينزل أبو يزيد فلما عاد نزل إلى ساقة العسكر فرجع المنصور ووقعت الحرب فانهزم أبو يزيد وأسلم أولاده وأصحابه ولحقه فارسان فعقر فرسه فسقط عنه فأركبه بعض أصحابه ولحقه زيري بن مناد فطعنه فألقاه وكثر القتال عليه فخلصه أصحابه وخلصوا من معه وتبعهم أصحاب المنصور فقتلوا منهم ما يزيد على عشر آلاف
ثم سار المنصور في أثره أول شهر رمضان فاقتتلوا أيضا أشد قتال ولم يقدر أحد الفريقين على الهزيمة لضيق المكان وخشونته ثم انهزم أبو يزيد أيضا واحترقت أثقاله وما فيها وطلع أصحابه على رؤوس الجبال يرمون بالصخر وأحاط القتال بالمنصور وتواخذوا بالأيدي وكثر القتل حتى ظنوا أنه الفناء وافترقوا على السوء والتجأ أبو يزيد إلى قلعة كتامة وهي منيعة فاحتمى بها وفي ذلك اليوم أتى إلى المنصور جند له من كتامة برجل ظهر في أرضهم ادعى الربوبية فأمر المنصور بقتله وأقبلت هوارة وأكثر من مع أبي يزيد يطلبون الأمان فأمنهم المنصور
وسار إلى قلعة كتامة فحصرها أبا يزيد فيها وفرق جنده حولها فناشبه أصحاب أبي يزيد القتال وزحف إليها المنصور غير مرة ففي آخرها ملك أصحابه بعض القلعة وألقوا فيها النيران وانهزم أصحاب أبي يزيد وقتلوا قتلا ذريعا ودخل أبو يزيد وأولاده وأعيان أصحابه إلى قصر في القلعة فاجتمعوا فيه فاحترقت أبوابه وأدركهم القتل فأمر المنصور بإشعال النار في شعاري الجبل وبين يديه لئلا يهرب أبو يزيد فصار الليل كالنهار فلما كان آخر الليل خرج أصحابه وهم يحملونه على أيديهم وحملوا على الناس حملة منكرة فأفرجوا لهم فنجوا به ونزل من القلعة خلق كثير فأخذوا فأخبروا بخروج أبي يزيد فأمر المنصور بطلبه وقال ما اظنه إلا قريبا منا فبينماهم كذلك إذ أتي بأبي يزيد وذلك أن ثلاثة من أصحابه حملوه من المعركة ثم ولوا عنه وإنما حملوه لقبح عرجه فذهب لينزل من الوعر فسقط في مكان صعب فأدرك فأخذ وحمل إلى المنصور فسجد شكرا لله تعالى والناس يكبرون حوله وبقي عنده إلى سلخ المحرم من سنة ست وثلاثين وثلاثمائة فمات من الجراح التي به فأمر بإدخاله في قفص عمل له وجعل معه قردين يلعبان عليه وأمر بسلخ جلده وحشاه تبنا وأمر بالكتب إلى سائر البلاد بالبشارة ثم خرج عليه عدة خوارج منهم محمد بن خزر فظفر به المنصور سنة ست وثلاثين وثلاثمائة وكان يريد نصرة أبي يزيد وخرج أيضا فضل بن أبي يزيد وأفسد وقطع الطريق فغدر به بعض أصحابه وقتله وحمل رأسه إلى المنصور سنة ست وثلاثين أيضا وعاد المنصور إلى المهدية فدخلها في شهر رمضان من السنة
في هذه السنة في ربيع الأول قدم أبو الحسين البريدي إلى بغداد مستأمنا إلى توزون فأمنه وأنزله أبو جعفر بن شيرزاد إلى جانب داره وأكرمه وطلب أن يقوي يده على ابن أخيه وضمن أنه إذا أخذ البصرة يوصل له مالا كثيرا فوعدوه النجدة والمساعدة فأنفذ ابن أخيه من البصرة مالا كثيرا خدم به توزون وابن شيرزاد فأنفذوا له الخلع وأقروه على عمله فلما علم أبو الحسين بذلك سعى في أن يكتب لتوزون ويقبض على ابن شيرزاد فعلم ابن شيرزاد بذلك فسعى به إلى أن قبض عليه وقيد وضرب ضربا عنيفا وكان أبو عبد الله بن أبي موسى الهاشمي قد أخذ أيام ناصر الدولة فتوى الفقهاء والقضاة بإحلال دمه فأحضرها وأحضر القضاة والفقهاء في دار الخليفة وأخرج أبو الحسين وسأل الفقهاء عن الفتاوى فأعترفوا أنهم أفتوا بذلك فأمر بضرب رقبته فقتل وصلب ثم أنزل وأحرق ونهبت داره وكان هذا آخر أمر البريديين وكان قتله منتصف ذي الحجة وفيها نقل المستكفي بالله القاهر بالله من دار الخلافة إلى دار ابن طاهر وكان قد بلغ به الضر والفقر إلى أن كان ملتفا بقطن جبة وفي رجله قبقاب خشب
لما استقر الأمير نوح في ولايته بما وراء النهر وخراسان أمر أبا علي بن محتاج أن يسير في عساكر خراسان إلى الري ويستنقذها من يد ركن الدولة بن بويه فسار في جمع كثير فلقيه وشمكير بخراسان وهو يقصد الأمير نوحا فسيره إليه وكان نوح حينئذ بمرو فلما قدم عليه أكرمه وأنزله وبالغ في إكرامه والإحسان إليه وأما أبو علي فإنه سار نحو الري فلما نزل ببسطام خالف عليه بعض من معه وعادوا عنه مع منصور بن قرانكين وهو من أكابر أصحاب نوح وخواصه فساروا نحو جرجان وبها الحسن بن الفيرزان فصدهم الحسن عنها فانصرفوا إلى نيسابور وسار أبو علي نحو الري فيمن بقي معه فخرج إليه ركن الدولة محاربا فالقوا على ثلاث فراسخ من الري وكان مع أبي علي جماعة كثيرة من الأكراد فغدروا منه واستأمنوا إلى ركن الدولة فانهزم أبو علي وعاد نحو نيسابور وغنموا بعض أثقاله
لما عاد أبو علي إلى نيسابور لقيه وشمكير وقد سيره الأمير نوح ومعه جيش فيهم مالك بن شكرتكين وأرسل إلى أبي علي يأمره بمساعدة وشمكير فوجه فيمن معه إلى جرجان وبها الحسن بن الفيرزان فالتقوا واقتتلوا فانهزم الحسن واستولى وشمكير على جرجان في صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة
في هذه السنة سار أبو علي من نيسابور إلى نوح وهو بمرو فاجتمع به فأعاده إلى نيسابور وأمره بقصد الري وأمده بجيش كثير فعاد إلى نيسابور وسار منها إلى الري في جمادى الآخرة وبها ركن الدولة فلما علم ركن الدولة بكثرة جموعه سار عن الري واستولى أبو علي عليها وعلى سائر أعمال الجبال وأنفذ نوابه إلى الأعمال وذلك في شهر رمضان من هذه السنة ثم إن الأمير نوحا سار من مرو إلى نيسابور فوصل إليها في رجب وأقام بها خمسين يوما فوضع أعداء أبي علي جماعة من الغوغاء والعامة فاجتمعوا واستغاثوا عليه وشكوا سوء سيرته سيرة نوابه فاستعمل الأمير نوح على نيسابور إبراهيم بن سيمجور وعاد عنها إلى بخارى في رمضان وكان مرادهم بذلك أن يقطعوا طمع أبي علي عن خراسان ليقيم بالري وبلاد الجبل فاستوحش أبو علي لذلك فإنه كان يعتقد أنه يحسن إليه بسبب فتح الري وتلك الأعمال فلما عزل شق ذلك عليه ووجه أخاه أبا العباس الفضل بن محمد إلى كور الجبال وولاه همذان وجعله خليفة على من معه من العساكر فقصد الفضل نهاوند والدينور وغيرهما واستولى عليها واستأمن إليه رؤساء الأكراد من تلك الناحية وأنفذوا إليه رهائنهم
في هذه السنة آخر رجب وصل معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه إلى مدينة واسط فسمع توزون به فسار هو والمستكفي بالله من بغداد إلى واسط فلما سمع معز الدولة بمسيرهم إليه فارقها سادس رمضان ووصل الخليفة وتوزون إلى واسط فأرسل أبو القاسم البريدي يضمن البصرة فأجابه توزون إلى ذلك وضمنه وسلمها إليه وعاد الخليفة وتوزون إلى بغداد فدخلاها ثامن شوال من السنة
في هذه السنة سار سيف الدولة علي بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان إلى حلب فملكها واستولى عليها وكان مع المتقي لله بالرقة فلما عاد المتقي إلى بغداد وانصرف الإخشيد إلى الشام بقي يأنس المؤنسي بحلب فقصده سيف الدولة فلما نازلها فارقها يأنس وسار الإخشيد فملكها سيف الدولة ثم سار منها إلى حمص فلقيه بها عسكر الإخشيد محمد بن طغج صاحب الشام ومصر مع مولاه كافور واقتتلوا فانهزم عسكر الإخشيد وكافور وملك سيف الدولة مدينة حمص وسار إلى دمشق فحصرها فلم يفتحها أهلها له فرجع وكان الإخشيد قد خرج من مصر إلى الشام وسار خلف سيف الدولة فالتقيا بقشرين فلم يظفر أحد العسكرين بالآخر ورجع سيف الدولة إلى الجزيرة فلما عاد الإخشيد إلى دمشق رجع سيف الدولة إلى حلب ولما ملك سيف الدولة حلب سارت الروم إليها فخرج إليهم فقاتلهم بالقرب منها فظفر بهم وقتل منهم
في هذه السنة ثامن جمادى الأولى قبض المستكفي بالله على كاتبه أبي عبد الله بن أبي سليمان وعلى أخيه واستكتب أبا أحمد الفضل بن عبد الرحمن الشيرازي على خاص أمره وكان أبو أحمد لما تقلد المستكفي الخلافة بالموصل يكتب لناصر الدولة فلما بلغه خبر تقلده الخلافة انحدر إلى بغداد لأنه كان يخدم المستكفي بالله ويكتب له وهو في دار ابن طاهر وفيها في رجب سار توزون ومعه المستكفي بالله من بغداد يريدان الموصل وقصدا ناصر الدولة لأنه كان قد أخر حمل المال الذي عليه من ضمان البلاد واستخدم غلمانا هربوا من توزون وكان الشرط بينهم أنه لا يقبل أحدا من عسكر توزون فلما خرج الخليفة وتوزون من بغداد ترددت الرسل في الصلح وتوسط أبو جعفر بن شيرزاد الأمر وانقاد ناصر الدولة لحمل المال وكان أبو القاسم بن مكرم كاتب الدولة هو الرسول في ذلك ولما تقرر الصلح عاد المستكفي وتوزون فدخلا بغداد وفيها في سابع ربيع الآخر قبض المستكفي على وزيره أبي الفرج السرمراي وصودر على ثلاثمائة ألف درهم وكانت مدة وزارته اثنين وأربعين يوما
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
