في هذه السنة في المحرم سار الراضي بالله وبجكم إلى الموصل وديار ربيعة وسبب ذلك أن ناصر الدولة ابن حمدان أخر المال الذي عليه من ضمان البلاد التي بيده فاغتاظ الراضي منه بسبب ذلك فسار هو وبجكم إلى الموصل ومعهما قاضي القضاة أبو الحسين عمر بن محمد فلما بلغوا تكريت أقام الراضي بها وسار بجكم فلقيه ناصر الدولة بالكحيل على ستة فراسخ من الموصل فاقتتلوا واشتد القتال فانهزم أصحاب ناصر الدولة وساروا إلى نصيبين وتبعهم بجكم ولم ينزل بالموصل فلما بلغ نصيبين سار ابن حمدان إلى آمد وكتب بجكم إلى الراضي بالفتح فسار من تكريت في الماء يريد الموصل وكان مع الراضي جماعة القرامطة فانصرفوا عنه إلى بغداد قبل وصول كتاب بجكم وكان ابن رائق يكاتبهم فلما بلغوا بغداد ظهر ابن رائق من استتاره واستولى على بغداد ولم يعرض لدار الخليفة وبلغ الخبر إلى الراضي فأصعد من الماء إلى البر وسار إلى الموصل وكتب إلى بجكم بذلك فعاد عن نصيبين فلما بلغ خبر عوده إلى ناصر الدولة سار من آمد إلى نصيبين فاستولى عليها وعلى ديار ربيعة فقلق بجكم لذلك وتسلل أصحابه إلى بغداد فاحتاج أن يحفظ أصحابه وقال قد حصل الخليفة وأمير الأمراء على قصبة الموصل حسب وانفذ ابن حمدان قبل أن يتصل به خبر ابن رائق بطلب الصلح ويعجل خمسمائة ألف درهم ففرح بجكم بذلك وأنهاه إلى الراضي فأجاب إليه واستقر الصلح بينهم وانحدر الراضي وبجكم إلى بغداد وكان قد راسلهم ابن رائق مع أبي جعفر بن محمد بن يحيى بن شيرزاد يلتمس الصلح فسار إليهم إلى الموصل وأدى الرسالة إلى بجكم فأكرمه بجكم وأنزله معه وأحسن إليه وقدمه إلى الراضي فأبلغه الرسالة أيضا فأجابه الراضي وبجكم إلى ما طلب وأرسل في جواب رسالته قاضي القضاة أبا الحسين عمر بن محمد وقلد طريق الفرات وديار مضر حران والرها وما جاورها وجند قنسرين والعواصم فأجاب ابن رائق أيضا إلى هذه القاعدة وسار عن بغداد إلى ولايته ودخل الراضي وبجكم بغداد تاسع ربيع الآخر
ثم دخلت سنة سبع وعشرين وثلاثمائة
في هذه السنة مات الوزير أبو الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات بالرملة وقد ذكرنا سبب مسيره إلى الشام فكانت وزارته سنة وثمانية أشهر وخمسة وعشرين يوما ولما سار إلى الشام استناب بالحضرة عبد الله بن علي النقري وكان بجكم قد قبض على وزيره علي بن خلف بن طباب فاستوزر أبا جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد فسعى أبو جعفر في الصلح بين بجكم والبريدي فتم ذلك ثم ضمن البريدي أعمال واسط بستمائة ألف دينار كل سنة ثم شرع ابن شيرزاد أيضا بعد موت أبي الفتح الوزير بالرملة في تقليد أبي عبد الله البريدي الوزارة فأرسل إليه الراضي في ذلك فأجاب إليه في رجب واستناب بالحضرة عبد الله بن علي النقري أيضا كما كان يخلف أبا الفتح
كان بجكم قد استناب بعض قواده الأتراك يعرف ببالبا على الأنبار فكاتبه يطلب أن يقلد أعمال طريق الفرات بأسرها ليكون في وجه ابن رائق وهو بالشام فقلده بجكم ذلك فسار إلى الرحبة وكاتب ابن رائق وخالف على بجكم والراضي وأقام الدعوة لابن رائق وعظم أمره فبلغ الخبر إلى بجكم فسير طائفة من عسكره وأمرهم بالجد وأن يطووا المنازل ويسبقوا خبرهم ويكبسوا بالرحبة ففعلوا ذلك فوصلوا إلى الرحبة في خمسة ايام ودخلوها على حين غفلة من بالبا وهو يأكل الطعام فلما بلغه الخبر اختفى عند انسان حائك ثم ظفروا به فأخذوه وادخلوه بغداد على جمل ثم حبس فكان آخر العهد به
في هذه السنة استعمل الأمير السعيد نصر بن أحمد على خراسان وجيوشها أبا علي أحمد بن أبي بكر محمد بن المظفر بن محتاج وعزل أباه واستقدمه إلى بخارى وسبب ذلك أن أبا بكر مرض مرضا شديدا أطال به فأنفذ السعيد احضر ابنه أبا علي من الصغانيان واستعمله مكان أبيه وسيره إلى نيسابور وكتب إلى أبيه يستدعيه إليه فسار عن نيسابور فلقيه ولده على ثلاثة مراحل من نيسابور فعرفه ما يحتاج إلى معرفته وسار أبو بكر إلى بخارى مريضا ودخل ولده أبو علي نيسابور أميرا في شهر رمضان من هذه السنة وكان أبو علي عاقلا شجاعا حازما فأقام بها ثلاثة أشهر يستعد للمسير إلى جرجان وطبرستان وسنذكر ذلك سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة
وفيها أرسل وشمكير بن زيار أخو مرداويج جيشا كثيفا من الري إلى أصبهان وبها أبو علي الحسن بن بويه وهو ركن الدولة فأزالوه عنها واستولوا عليها وخطبوا فيها لوشمكير ثم سار ركن الدولة إلى بلاد فارس فنزل بظاهر اصطخر وسار وشمكير إلى قلعة الموت فملكها وعاد عنها وسيرد من أخبارهما سنة ثمان وعشرين ما تقف عليه
وفي هذه السنة عصي أمية بن إسحاق بمدينة شنترين على عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس وسبب ذلك أنه كان له أخ اسمه أحمد وكان وزيرا لعبد الرحمن فقتله عبد الرحمن وكان أمية بشنترين فلما بلغه ذلك عصي فيها والتجأ إلى ردمير ملك الجلالقة ودله على عورات المسلمين ثم خرج أمية في بعض الأيام يتصيد فمنعه أصحابه من دخول البلد فسار إلى ردمير فاستوزره وغزا عبد الرحمن بلاد الجلالقة فالتقى هو وردمير هذه السنة فانهزمت الجلالقة وقتل منهم خلق كثير وحصرهم عبد الرحمن ثم أن الجلالقة خرجوا عليه وظفروا به وبالمسلمين وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وأراد اتباعهم فمنعه أمية وخوفه المسلمين ورغبه في الخزائن والغنيمة وعاد عبد الرحمن بعد هذه الوقعة جهز الجيوش إلى بلاد الجلالقة فألحقوا عليهم بالغارات وقتلوا منهم أضعاف ما قتلوا من المسلمين ثم أن أمية استأمن إلى عبد الرحمن فأكرمه
في هذه السنة انكشف القمر جميعه في صفر وفيها مات عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي صاحب الجرح والتعديل وعثمان بن الخطاب بن عبد الله أبو الدنيا المعروف بالأشج الذي يقال إنه لقي علي بن أبي طالب عليه السلام وقيل إنهم كانوا يسمونه ويكنونه أبا الحسن آخر أيامه وله صحيفة تروى عنه ولا تصح وقد رواها كثير من المحدثين مع علم منهم بضعفها وفيها توفي محمد بن جعفر بن محمد بن سهل أبو بكر الخرائطي صاحب التصانيف المشهورة كاعتلال القلوب وغيره بمدينة يافا
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
