الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء السابع / ثم دخلت سنة أربع وعشرين وثلاثمائة
16

ثم دخلت سنة أربع وعشرين وثلاثمائة

الجزء السابع 9 عنصر صفحة 117
ذكر القبض على مقلة ووزارة عبد الرحمن بن عيسى ص 117

لما عاد الرسل من عند ابن رائق بغير مال رأى الوزير أن يسير ابنه فتجهز وأظهر أنه يريد الأهواز فلما كان منتصف جمادى إلاولى حضر الوزير دار الراضي لينفذ رسولا إلى ابن رائق يعرفه عزمه على قصد الأهواز لئلا يستوحش لحركته فيحتاط فلما دخل الدار قبض عليه المظفر بن ياقوت والحجرية وكان المظفر قد أطلق من محبسه على ما نذكره ووجهوا إلى الراضي يعرفونه ذلك فاستحسن فعلهم واختفى أبو الحسين بن أبي علي بن مقلة وسائر أولاده وأصحابه وطلب الحجرية والساجية من الراضي أن يستوزر وزيرا فرد إلاختيار إليهم فأشاروا بوزارة علي بن عيسى فأحضره الراضي للوزارة فامتنع وأشار بأخيه عبد الرحمن فاستوزره وسلم إليه ابن مقلة فصادره وصرف بدرا الخرشني عن الشرطة ثم عجز عبد الرحمن عن تمشية إلامور وضاق عليه فاستعفى من الوزارة

ذكر القبض على عبد الرحمن ووزارة أبي جعفر الكرخي ص 117

لما ظهر عجز عبد الرحمن إلى الراضي ووقوف إلامور قبض عليه وعلى أخيه علي بن عيسى فصادره على مائة ألف دينار وصادر أخاه بعد الرحمن بسبعين ألف دينار

ذكر قتل ياقوت ص 117

وفي هذه السنة قتل ياقوت بعسكر مكرم وكان سبب قتله ثقته بأبي عبد الله البريدي فخانه وقابل إحسانه بإلاساءة على ما نذكره وقد ذكرنا أن أبا عبد الله ارتسم بكتابة ياقوت مع ضمان الأهواز فلما كتب إليه وثق إليه وعول على ما يقول وكان إذا قيل له شيء في أمره وخوف من شره يقول إن أبا عبد الله ليس كما تظنون لأنه لا يحدث نفسه بإلامرة وقود العساكر وإنما غايته الكتابة فاغتر بهذا منه وكان رحمه الله سليم القلب حسن إلاعتقاد فهذا لم يخرج عن طاعة الخليفة حين قبض على ولديه بل دام على الوفاء فأما حاله مع البريدي فإنه لما عاد مهزوما من عماد الدولة بن بويه إلى عسكر مكرم كتب إليه أبو عبد الله أن يقيم بعسكر مكرم ليتسريح ويقع التدبير بعد ذلك وكان بالأهواز وهو يكره إلاجتماع معه في بلد واحد فسمع ياقوت قوله وأقام فأرسل إليه أخاه أبا يوسف البريدي يتوجع له ويهنيه بالسلامة وقرر القاعدة على أن يحمل له أخوه من المال الأهواز خمسين ألف دينار واحتج بأن عنده من الجند خلقا كثيرا منهم البربر والشفيعية والنازوكية واليلبقية والهارونية كان ابن مقلة قد ميز هذه إلاصناف من عسكر بغداد وسيرهم إلى الأهواز لتخف عليه مؤنتهم فذكر أبو يوسف أن هؤلاء متى رأوا المال يخرج عنهم إليك شغبوا ويحتاج أبو عبد الله إلى مفارقة الأهواز ثم يصير أمرهم إلى أنهم يقصدونك ولا نعلم كيف يكون الحال ثم قال له إن رجالك مع سوء أثرهم يقنعون بالقليل فصدقه ياقوت فيما قال وأخذ ذلك المال وفرقه وبقي عدة شهور لم يصله منه شيء إلى أن دخلت سنة أربع وعشرين فضاق الرزق على أصحاب ياقوت واستغاثوا وذكروا ما فيه أصحاب البريدي بالأهواز من السعة وما هم فيه من الضيق

وكان قد اتصل بياقوت طاهر الجيلي وهو من كبار أصحاب ابن يويه في ثمانمائة رجل وهو من أرباب المراتب العالية وممن يسمو إلى معالي إلامور وسبب اتصاله به خوفه من ابن بويه أن يقبض عليه خوفا منه فلما رأى حال ياقوت انصرف عنه إلى غربي تستر وأراد أن يتغلب على ماه البصرة وكان معه أبو جعفر الصيمري وهو كاتبه فسمع به عماد الدولة بن بويه فكبسه فانهزم هو وأصحابه

واستولى ابن بويه على عسكره وغنمه وأسر الصيمري فأطلقه الخياط وزير عماد الدولة بن بويه فمضى إلى كرمان واتصل بإلأمير معز الدولة أبي الحسن بن بويه وكان ذلك سبب اقباله فلما سار طاهر من عند ياقوت ضعفت نفسه واستطال عليه أصحابه فخافهم وراسل البريدي وعرفه ما هو فيه وأعمله أن معوله على ما يدبره به فأنفذ إليه البريدي يقول إن عسكرك قد فسدوا وفيهم من ينبغى أن يخرج والرأي أن ينفذهم إليه ليستصلحهم فإنه له أشغال تمنعه أن يحضر عنده ولو حضر عنده الجند مجتمعين لم يتمكن من إلانتصاف منهم لأنهم يظاهر بعضهم بعضا وإذا حضروا عنده بالأهواز متفرقين فعل بهم ما أراد ولا يمكنهم خلافة ففعل ذلك ياقوت وأنفذ أصحابه إليه فاختار منهم من أراد لنفسه ورد من لا خير فيه إلى ياقوت بعد أن كسرهم وأسقط من أرزاقهم فقيل ذلك لياقوت فأشير عليه بمعاجلة البريدي قبل أن يستفحل أمره فلم يلتفت وقال إنما جعلتهم عنده عدة إلي وأحسن البريدي إلى من عنده من الجند فقال أصحاب ياقوت في ذلك وطلبوا أرزاقهم التي قررها البريدي فكتب إليه فلم ينفذ شيئا فراجعه فلم ينفذ شيئا فسار ياقوت إليه جريدة لئلا يستوحش منه فلما بلغه ذلك خرج إلى لقائه وقبل يده وقدمه وأنزله داره وقام بين يديه وقدم بنفسه الطعام ليأكل وكان قد وضع الجند على إثارة الفتنة فحضروا الباب وشغبوا واستغاثوا فسأل ياقوت عن الخبر فقيل له إن الجند بإلابواب قد شغبوا ويقولون قد اصطلح ياقوت والبريدي ولا بد لنا من قتل ياقوت فقال له البريدي قد ترى ما دفعنا إليه فانج بنفسك وإلا قتلنا جمعيا فخرج من باب آخر خائفا يترقب ولم يفاتح البريدي بكلمة واحدة وعاد إلى عسكر مكرم فكتب إليه البريدي يقول له إن العسكر الذي شغبوا قد اجتهدت في اصلاحهم وعجزت عن ذلك ولست آمنهم أن يقصدوك وبين عسكر مكرم والأهواز ثمانية فراسخ والرأي أن تتأخر إلى تستر لتبعد عنهم وهي حصينة وكتب له على عامل تستر بخمسين ألف دينار فسار ياقوت إليها وكان له خادم اسمه مؤنس فقال أيها إلأمير إن البريدي يحز مفاصلنا ويفعل بنا ما ترى وأنت مغتر به وهو الذي وضع الجند بالأهواز حتى فعلوا ذلك وقد شرع في إبعادك بعد أن أخذ وجوه أصحابك وقد أطلق لك ما لا يقوم بأود أصحابك الذين عندك وما أعطاك ذلك أيضا إلا حتى تتبلغ به وتضيق إلارزاق علينا ويفنى ما لنا من دابة وعدة فننصرف عنك على أقبح حال فحينئذ يبلغ منك ما يريده فاحفظ نفسك منه ولا تأمنه ولم يثق للجند الحجرية ببغداد شيخ غيرك وقد كاتبوك فسر إليهم فكل من ببغداد يسلم إليك الرياسة فان فعلت وإلا فسر بنا إلى الأهواز لنطرد البريدي عنها وأن أكثر منا فأنت أمير وهو كاتب فقال لا تقل في أبي عبد الله هذا فلو كان لي أخ ما زال على محبته

ثم إن ياقوتا ظهر منه ما يدل على ضعفه وعجزه عن البريدي فضعفت نفوس أصحابه وصار كل ليلة يمضي منهم طائفة إلى البريدي فإذا قيل لياقوت يقول إلى كاتبي يمضون فلم يزل كذلك حتى بقي في ثمانمائة رجل ثم إن الراضي قبض على المظفر بن ياقوت في جمادى إلاولى وسجنه أسبوعا ثم أطلقه وسيره إلى أبيه فلما اجتمع به بتستر أشار عليه بالمسير إلى بغداد فأن دخلها فقد حصل له ما يريد وإلا سار إلى الموصل وديار ربيعة فاستولى عليها فلم يسمع منه ففارقه ولده إلى البريدي فأكرمه وجعل موكلين يحفظونه ثم أن البريدي خاف من عنده من أصحاب ياقوت أن يعاودوا الميل والعصبية له وينادوا بشعاره فيهلك فأرسل إلى ياقوت يقول له ان كتاب الخليفة ورد علي يأمرني أن لا أتركك تقيم بهذه البلاد وما يمكنني مخالفة السلطان وقد أمرني أن أخيرك إما أن تمضي إلى حضرته في خمسة عشر غلاما وإما إلى بلاد الجبل ليوليك بعض إلاعمال فإن خرجت طائعا وإلا أخرجتك قهرا فلما وصلت الرسالة إلى ياقوت تحير في أمره واستشار مؤنسا غلامه فقال قد نهيتك عن البريدي وما سمعت وما بقي للرأي وجه فكتب ياقوت يستمهله شهرا ليتأهب وعلم حينئذ خبث البريدي حيث لا ينفعه علمه فلما وصل كتاب ياقوت بطلب المهلة أجابه أنه لا سبيل إلى المهلة وسير العساكر من الأهواز إليه فأرسل ياقوت الجواسيس ليأتوه بإلاأبار فظفر البريدي بجاسوس فأعطاه مإلا على أن يعود إلى ياقوت ويخبره أن البريدي وأصحابه قد وافوا عسكر مكرم ونزلوا في الدور متفرقين مطمئنين فمضى الجاسوس وأخبر ياقوتا بذلك فأحضر مؤنسا وقال قد ظفرنا بعدونا وكافر نعمتنا وأخبره بما قال الجاسوس وقال نسير من تستر العتمة ونصبح عسكر مكرم وهم غارون فنكبسهم في الدور فإن وقع البريدي فالله مشكور وإن هرب اتبعناه فقال مؤنس ما أحسن هذا إن صح وان كان الجاسوس صادقا فقال ياقوت إنه يحبني ويتولاني وهو صادق فسار ياقوت فوصل إلى عسكر مكرم طلوع الشمس فلم ير للعسكر اثرا فعبر البلد إلى نهر جارود وخيم هناك وبقي يومه ولا يرى لعسكر البريدي اثرا فقال له مؤنس إن الجاسوس كذبنا وأنت تسمع كلام الكاذبين وإنني خائف عليك فلما كان بعد العصر أقبلت عساكر البريدي فنزلوا على فرسخ من ياقوت وحجز بينهم الليل وأصبحوا الغد فكانت بينه مناوشة واتعدوا للحرب الغد وكان البريدي قد سير عسكرا من طريق أخرى ليصيروا وراء ياقوت من حيث لا يشعر فيكون كمينا يظهر عند القتال فهم ينتظرونه فلما كان الموعد باكروا القتال فاقتتلوا من بكرة إلى الظهر وكان عسكر البريدي قد أشرف على الهزيمة مع كثرتهم وكان مقدمهم أبا جعفر الحمال فلما جاء الظهر ظهر الكمين من وراء عسكر ياقوت فرد إليهم مؤنسا في ثلاثمائة رجل فقاتلهم وهم في ثلاثة آلاف رجل فعاد مؤنس منهزما فحينئذ انهزم أصحاب ياقوت وكانوا سوى الثلاثمائة خمسمائة فلما رأى ياقوت ذلك نزل عن دابته وألقى سلاحه وجلس بقميص إلى جانب جدار رباط ولو دخل الرباط واستتر فيه لخفي أمره وكان أدركه الليل فربما سلم ولكن الله اذا أراد أمرا هيأ أسبابه وكان أمر الله قدرا مقدورا

فلما جلس مع الحائط غطى وجهه بكمه ومد يده كأنه يتصدق ويستحي يكشف وجهه فمر به قوم من البربر من أصحاب البريدي فأنكروه فأمروه بكشف وجهه فامتنع فنخسه أحدهم بمزراق معه فكشف وجهه وقال أنا ياقوت فما تريدون مني احملوني إلى البريدي فاجتمعوا عليه فقتلوه وحملوا رأسه إلى العسكر وكتب أبو جعفر الحمال كتابا إلى البريدي على جناح طائر يستأذنه في حمل رأسه إلى العسكر فأعاد الجواب باعإدة الرأس إلى الجثة وتكفينه ودفنه وأسر غلامه مؤنس وغيبره من قواده فقتلوا وأرسل البريدي إلى تستر فحمل ما فيها لياقوت من جوار ومال وغير ذلك فلم يظهر لياقوت غير اثني عشر ألف دينار فحمل الحميع إليه وقبض على المظفر بن ياقوت فبقي في حبس البريدي مدة ثم نفذه إلى بغداد وتجبر البريدي بعد قتل ياقوت وعصى وقد أطلنا في ذكر هذه الحادثة وإنما ذكرناها على طولها لما فيها من إلاسباب المحرضة على إلاحتياط وإلاحتراز فإنها أولها إلى آخرها فيها تجارب وأمور يكثر وقوع مثلها

ذكر عزل أبي جعفر وزارة سليمان بن الحسن ص 121

لما تولى الوزير أبو جعفر الكرخي على ما تقدم رأى قلة إلاموال وانقطاع المواد فازداد عجزا إلى عجزه وضاق عليه إلامر وما زالت إلاضافة تزيد وطمع من بين يديه من المعاملين فيما عنده من إلاموال وقطع ابن رائق حمل واسط والبصرة وقطع البريدي حمل الأهواز وأعمالها وكان ابن بويه قد تغلب على فارس فتحير أبو جعفر وكثرت المطالبات عليه ونقصت هيبته واستتر بعد ثلاثة أشهر ونصف من وزارته فلما استتر استوزر الراضي أبا القاسم سليمان بن الحسن فكان في الوزارة كأبي جعفر في وقوف الحال وقلة المال

ذكر استيلاء ابن رائق على أمر العراق وتفرق البلاد ص 122

لما رأى الراضي وقوف الحال عنده الجأته الضرورة إلى أن راسل أبا بكر محمد بن رائق وهو بواسط يعرض عليه إجابته إلى ما كان بذله من القيام بالنفقات وأرزاق الجند ببغداد فلما أتاه الرسول بذلك فرح به وشرع يتجهز للمسير إلى بغداد فأنفذ إليه الراضي الساجية وقلده إمارة الجيش وجعله أمير إلامراء وولاه الخراج والمعاون في جميع البلاد والدواوين وأمر بأن يخطب له على جميع المنابر وأنفذ إليه الخلع وانحدر إليه أصحاب الدواوين والكتاب والحجاب وتأخر الحجرية عن إلانحدار فلما استقر الذين انحدروا إلى واسط قبض ابن رائق على الساجية سابع ذي الحجة ونهب رحلهم ومالهم ودوابهم وأظهر أنه إنما فعل ذلك لتتوفر أرزاقهم على الحجرية فاستوحش الحجرية من ذلك وقالوا اليوم لهؤلاء وغدا لنا وخيموا بدار الخليفة فأصعد ابن رائق إلى بغداد ومعه بجكم وخلع الخليفة عليه أواخر ذي الحجة وأتاه الحجرية يسلمون عليه فأمرهم بقلع خيامهم فقلعوها وعادوا إلى منازلهم وبطلت الدواوين من ذلك الوقت وبطلت الوزارة فلم يكن الوزير ينظر في شيء من إلامور إنما كان ابن رائق وكاتبه ينظران في إلامور جميعها وكذلك كل من تولى إمرة إلامراء بعده وصارت إلاموال تحمل إلى خزائنهم فيتصرفون فيها كما يريدون ويطلقون للخليفة ما يريدون وبطلت بيوت إلاموال وتغلب أصحاب إلاطراف وزالت عنهم الطاعة ولم يبق للخليفة غير بغداد وأعمالها والحكم في جميعها لابن رائق ليس للخليفة حكم وأما باقي إلاطراف فكانت البصرة في يد ابن رائق وخوزستان في يد البريدي وفارس في يد عماد الدولة بن يويه وكرمان في يد أبي علي محمد بن إلياس والري وأصبهان والجبل في يد ركن الدولة بن يويه ويد وشمكير أخي مرداويج يتنازعان عليها والموصل وديار بكر ومضر وربيعة في يد بني حمدان ومصر والشام في يد محمد بن طغج والمغرب وافريقية في يد أبي القاسم القائم بأمر الله بن المهدي العلوي وهو الثاني منهم ويلقب بأمير المؤمنين وإلاندلس في يد عبد الرحمن بن محمد الملقب بالناصر إلاموي وخراسان وما وارء النهر في يد نصر بن أحمد الساماني وطبرستان وجرجان في يد الديلم والبحرين واليمامة في يد أبي طاهر القرمطي

ذكر مسير معز الدولة بن بويه إلى كرمان وما جرى عليه بها ص 123

في هذه السنة سار أبو الحسين أحمد بن بويه الملقب بمعز الدولة إلى كرمان وسبب ذلك أن عماد الدولة ابن بويه وأخاه ركن الدولة لما تمكنا من بلاد فارس وبلاد الجبل وبقي أخوهما إلاصغر أبو الحسين أحمد بغير ولاية يستبد بها رأيا أن يسيراه إلى كرمان ففعلا ذلك وسار إلى كرمان في عسكر ضخم شجعان فلما بلغ السيرجان استولى عليها وجبى أموالها وأنفقها في عسكره وكان إبراهيم بن سيمجور الدواتي يحاصر محمد بن إلياس بن اليسع بقلعة هناك بعساكر نصر بن أحمد صاحب خراسان فلما بلغه إقبال معز الدولة سار عن كرمان إلى خراسان ونفس عن محمد بن إلياس فتخلص من القلعة وسار إلى مدينة بم وهي على طرف المفازة بين كرمان وسجستان فسار إليه أحمد بن بويه فرحل من مكانه إلى سجستان بغير قتال فسار أحمد إلى جيرفت وهي قصبة كرمان واستخلف على بم بعض أصحابه فلما قارب جيرفت أتاه رسول علي بن الزنجي المعروف بعلي كلويه وهو رئيس القفص والبلوص وكان هو وأسلافه متغلبين على تلك الناحية إلا أنهم يجاملون كل سلطان يرد البلاط ويطيعونه ويحملون إليه مإلا معلوما ولا يطؤون بساطه فبذل لابن بويه ذلك المال فامتنع أحمد من قبوله إلا بعد دخول جيرفت فتأخر علي بن كلويه نحو عشرة فراسخ ونزل بمكان صعب المسلك ودخل أحمد بن بويه جيرفت واصطلح وخطب هو وعلي وأخذ رهائنه وخطب له فلما استقر الصلح وانفصل إلامر أشار بعض أصحاب ابن بويه عليه بأن يقصد عليا ويغدر به ويسري إليه سرا على غفلة وأطمعه في أمواله وهون عليه أمره بسكونه إلى الصلح فاصغى إلأمير أبو الحسين أحمد إلى ذلك لحداثة سنه وجمع أصحابه وأسرى نحوهم جريدة وكان علي محترزا ومن معه قد وضعوا العيون على ابن بويه فساعة تحرك بلغته إلاخبار فجمع أصحابه ورتبهم بمضيق على الطريق فلما اجتاز ابن بويه ثاروا به ليلا من جوانبه فقتلوا في أصحابه وأسروا ولم يفلت منهم إلا اليسير

ووقعت بإلأمير أبي الحسين ضربات كثثيرة ووقعت ضربة منها في يده اليسرى فقطعتها من نصف الذارع وأصاب يده اليمنى ضربة أخرى سقط منها بعض أصابعه وسقط مثخنا بالجراح بين القتلى وبلغ الخبر بذلك إلى جيرفت فهرب كل من كان بها من أصحابه ولما أصبح علي كلويه تتبع القتلى فرأى الأمير أبا الحسين قد اشرف على التلف فحمله إلى جيرفت وأحضر له الأطباء وبالغ في علاجه واعتذر إليه وأنفذ رسله يعتذر إلى أخيه عماد الدولة بين بويه ويعرفه أخيه ويبذل من نفسه الطاعة فأجابه عماد الدولة إلى ما بذله واستقر بينهما الصلح وأطلق على كل من عنده من الأسرى وأحسن إليهم

ووصل الخبر إلى محمد بن إلياس بما جرى على أحمد بن بويه فسار من سجستان إلى البلد المعروف بجنابة فتوجه إليه ابن بويه وواقعه ودامت الحرب بينهما عدة أيام فانهزم ابن إلياس وعاد أحمد بن بويه ظافرا وسار نحو علي كلويه لينتقم منه فلما قاربه أسرى إليه في أصحابه الرجالة فكبسوا عسكره ليلا في ليلة شديدة المطر فأثروا منهم وقتل ونهبوا وعادوا وبقي ابن بويه باقي ليلته فلما اصبح سار نحوهم فقتل منهم عددا كثيرا وانهزم علي كلويه وكتب ابن بويه إلى أخيه عماد الدولة بما جرى له معه ومع ابن إلياس وهزيمته فأجابه أخوه يأمره بالوقوف بمكانه ولا يتجاوزه وأنفذ إليه قائدا من قواده يأمره بالعود إليه إلى فارس ويلزمه بذلك فعاد إلى أخيه واقام عنده باصطخر إلى أن قصدهم أبو عبد الله البريدي منهزما من ابن رائق وبجكم فأطمع عماد الدولة في العراق وسهل عليه ملكه فسير معه أخاه معز الدولة أبا الحسين على ما نذكره سنة ست وعشرين وثلاثمائة

ذكر استيلاء ماكان على جرجان ص 124

وفي هذه السنة استولى ماكان بن كالي على جرجان وسبب ذلك أننا ذكرنا أولا أن ماكان لما عاد من جرجان أقام بنيسابور وأقام بانجين بجرجان فلما كان بعد ذلك خرج بانجين يلعب بالكرة فسقط عن دابته فوقع ميتا وبلغ خبره ماكان بن كالي وهو بنيسابور وكان قد استوحش من عارض جيش خراسان فاحتج على محمد بن المظفر صاحب الجيش بخراسان بأن بعض أصحابه قد هرب منه وأنه يريد أن يخرج في طلبه فأذن له في ذلك وسار عن نيسابور إلى أسفرايين فأنفذ جماعة من عسكره إلى جرجان واستولوا عليها فأظهر العصيان على محمد بن المظفر وسار من أسفرايين إلى نيسابور مغافصة وبها محمد بن المظفر فخذل محمدا أصحابه ولم يعاونوه وكان في قلة من العسكر غير مستعد له فسار نحو سرخس وعاد ماكان من نسيابور خوفا من اجتماع العساكر عليه وكان ذلك في شهر رمضان سنة أربع وعشرين وثلاثمائة

ذكر وزارة الفضل بن جعفر للخليفة ص 125

وفيها كتب ابن رائق كتابا عن الراضي إلى أبي الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات يستدعيه ليجعله وزيرا وكان يتولى الخراج بمصر والشام وظن ابن رائق أنه إذا استوزره جبى له أموال الشام ومصر فقدم إلى بغداد ونفذت له الخلع قبل وصوله فلقيته بهيت فلبسها ودخل بغداد وتولى وزراة الخليفة ووزارة ابن رائق جميعا

ذكر عدة حوادث ص 125

في هذه السنة قلد الراضي محمد بن طغج أعمال مصر مضافا إلى ما بيده من الشام وعزل أحمد بن كيغلغ عن مصر وفيها انخسف القمر حميعه ليلة الجمعة لأربع عشرة خلت من ربيع الأول وانكسف جميعه أيضا لأربع عشرة خلت من شوال وفيها قبض على أبي عبد الله بن عبدوس الجهشياري وصودر على مائتي ألف دينار وفيها ولد عضد الدولة أبو شجاع فناخسرو بن ركن الدولة أبي علي الحسن بن بويه بأصبهان وفيها توفي أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك المعروف بجحظة وله شعر مطبوع وكان عارفا بفنون شتى من العلوم

وفيها توفي أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد في شعبان وكان إماما في معرفة القراآت وعبد الله بن أحمد بن محمد بن المغلس أبو الحسن الفقيه الظاهري صاحب التصانيف المشهورة وفيها توفي عبد الله بن محمد بن زياد بن واصل أبو بكر النيسابوري الفقيه الشافعى في ربيع الأول وكان مولده سنة ثمان وثلاثين ومائتين وكان قد جالس الربيع بن سليمان والمزني ويونس بن عبد الأعلى أصحاب الشافعي وكان إماما

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.