ذكر قتل مرداويج
ص 107
في هذه السنة قتل مرداويج الديلمي صاحب بلاد الجبل وغيرها وكان سبب قتله أنه كان كثير الإساءة للأتراك وكان يقول إن روح سليمان بن داود عليه السلام حلت فيه وأن الأتراك هم الشياطين والمردة فإن قهرهم وإلا افسدوا فثقلت وطأته عليهم وتمنوا هلاكه فلما كان ليلة الميلاد من هذه السنة وهي ليلة الوقود أمر بأن يجمع الحطب من الجبال والنواحي وأن يجعل على جانبي الوادي المعروف بزندروذ كالمنابر والقباب العظيمة ويعمل مثل ذلك على الجبل المعروف بكريم كوه المشرف على أصبهان من أسلفه إلى أعلاه بحيث اذا اشتعلت تلك الأحطاب يصير الجبل كله نارا وعمل مثل ذلك بجميع الجبال والتلال التي هناك وأمر فجمع له النفط ومن يلعب به وعمل من الشموع ما لا يحصى وصيد له من الغربان والحدأ زيادة على ألفي طائر ليجعل في أرجلها النفط وترسل لتطير بالنار في الهواء وأمر بعمل سماط عظيم كان من جملة ما فيه مائة فرس ومائتان من البقر مشوية صحاحا سوى ما شوي من الغنم فإنها كانت ثلاثة آلاف رأس سوى المطبوخ وكان فيه من الدجاج وغيره من أنواع الطير زيادة على عشرة آلاف عدد وعمل من ألوان الحلواء ما لا يحد وعزم على أن يجمع الناس على ذلك السماط فإذا فرغوا قام إلى مجلس الشراب ويشعل النيران فيتفرج فلما كان آخر النهار ركب وحده وغلمانه رجالة وطاف بالسماط ونظر إليه وإلى تلك الأحطاب فاستحقر الجميع لسعة الصحراء وتضجر وغضب ولعن من صنعه ودبره فخافه من حضر فعاد ونزل ودخل خركاة له فنام فلم يجسر أحد أن يكلمه واجتمع الأمراء والقواد وغيرهم وأرجفوا عليه فمن قائل إنه غضب لكترته لأنه كان بخيلا ومن قائل إنه قد اعتراه جنون وقيل بل أوجعه فؤاده وقيل غير ذلك وكادت الفتنة تثور
وعرف العميد وزيره صورة الحال فأتاه ولم يزل حتى استيقظ وعرفه ما الناس فيه فخرج وجلس على الطعام وأكل ثلاث لقم ثم قام ونهب الناس الباقي ولم يجلس للشراب وعاد إلى مكانه وبقي في معسكره بظاهر أصبهان ثلاثة أيام لا يظهر فلما كان اليوم الرابع تقدم بأسراج الدواب ليعود من منزلته إلى دار بأصبهان فاجتمع ببابه خلق كثير وبقيت الدواب مع الغلمان وكثر صهيلها ولعبها والغلمان يصيحون بها لتسكن من الشغب وكانت مزدحمة فارتفع من الجميع أصوات هائلة وكان مرداويج نائما فاستيقظ فصعد فنظر فرأى ذلك فسأل فعرف الحال فازداد غضبا وقال أما كفى من إخراق الحرمة ما فعلوه في ذلك الطعام وما أرجفوا به حتى انتهى أمري إلى هؤلاء الكلاب ثم سأل عن أصحاب الدواب فقيل أنها للغلمان الأتراك وقد نزلوا إلى خدمتك فأمر أن تحط السروج عن الدواب وتجعل على ظهور أصحابها الأتراك ويأخذون بارسان الدواب إلى الإسطبلات ومن امتنع من ذلك ضربه الديلم بالمقارع حتى يطيع ففعلوا ذلك بهم وكانت صورة قبيحة يأنف منها أحقر الناس
ثم ركب هو بنفسه مع خاصته وهو يتوعد الأتراك حتى صار إلى داره قرب العشاء وكان قد ضرب قبل ذلك جماعة من أكابر الغلمان الأتراك فحقدوا عليه وأرادوا قتله فلم يجدوا أعوانا فلما جرت هذه الحادثة انتهزوا الفرصة وقال بعضهم ما وجه صبرنا على هذا الشيطان فاتفقوا وتحالفوا على الفتك به فدخل الحمام وكان كورتكين يحرسه في خلواته وحمامه فأمر ذلك اليوم أن لا يتبعه فتأخر عنه مغضبا وكان هو الذي يجمع الحرس فلشدة غضبه لم يأمر أحدا أن يحضر حراسته وإذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه وكان له أيضا خادم أسود يتولى خدمته بالحمام فاستمالوه فمال إليهم فقالوا للخادم لا تحمل معه سلاحا وكانت العادة أن يحمل معه خنجرا طوله نحو ذراع ملفوفا في منديل فلما قالوا ذلك للخادم قال ما أجسر فاتفقوا على أن كسروا حديد الخنجر وتركوا النصاب في الغلاف بغير حديد ولفوه في المنديل كما جرت العادة لئلا ينكر الحال
فلما دخل مرداويج الحمام فعل الخادم ما قيل له وجاء خادم آخر وهو أستاذ داره فجلس على باب الحمام فهجم الأتراك إلى الحمام فقام أستاذ داره ليمنعهم وصاح بهم فضربه بعضهم بالسيف فقطع يده فصاح الأسود وسقط وسمع مرداويج الضجة فبادر إلى الخنجر ليدفع به عن نفسه فوجده مكسورا فأخد سريرا من خشب كان يجلس عليه إذا اغتسل فترس به باب الحمام من داخل ودفع الأتراك الباب فلم يقدروا على فتحه فصعد بعضهم إلى السطح وكسروا الجامات ورموه بانشاب فدخل البيت الحار وجعل يتلطفهم ويحلف لهم على الإحسان فلم يلتفتوا إليه وكسروا باب الحمام ودخلوا عليه فقتلوه وكان الذين ألبوا الناس عليه وشرعوا في قتله توزون وهو الذي صار أمير العساكر ببغداد وياروق وابن بغرا ومحمد بن ينال الترجمان ووافقهم بحكم وهو الذي ولي أمر العراق قبل توزون سيرد ذلك إن شاء الله تعإلى
فلما قتلوه بادروا فأعلموا أصحابهم فركبوا ونهبوا قصره وهربوا ولم يعلم بهم الديلم لأن أكثرهم كانوا قد دخلوا المدينة ليلحق بهم وتخلف الأتراك معه لهذا السبب فلما علم الديلم والجيل ركبوا في أثرهم فلم يلحقوا منهم إلا نفرا يسيرا وقفت دوابهم فقتلوهم وعادوا لينهبوا الخزائن فرأوا العميد قد ألقى النار فيها فلم يصلوا إليها فبقيت بحالها
ومن عجيب ما يحكى أن العساكر في ذلك اليوم لما رأوا غضب مرداويج قعدوا يتذاكرون ما هم فيه معه من الجور وشدة عتوه وتمرده عليهم ودخل بينهم رجل شيخ لا يعرفه منهم أحد وهو راكب فقال قد زاد أمر هذا الكافر واليوم تكفونه ويأخده الله ثم سار فلحقت الجماعة دهشة ونظر بعضهم في وجوه بعض ومر الشيخ فقالوا المصلحة أننا نتبعه ونأخذه ونستعيده الحديث لئلا يسمع مرداويج ما جرى فلا نلقى منه خيرا فتبعوه فلم يروا أحدا وكان مرداويج قد تجبر قبل أن يقتل وعتا وعمل له كرسيا من ذهب يجلس عليه وعمل كراسي من فضة يجلس عليها أكابر قواده وكان قد عمل تاجا مرصعا على صفة تاج كسرى وقد عزم على قصد العراق والاستيلاء عليه وبناء المدائن ودور كسرى ومساكنه وأن يخاطب إذا فعل ذلك بشاهنشاه فأتاه أمر الله وهو غافل عنه واستراح الناس من شره ونسأل الله تعإلى أن يريح الناس من كل ظالم سريعا
ولما قتل مرداويج اجتمع أصحابه الديلم والجيل وتشاوروا وقالوا إن بقينا بغير رأس هلكنا فاجتمعوا على طاعة أخيه وشمكير بن زيار وهو والد قابوس وكان بالري فحملوا تابوت مرداويج وساروا نحو الري فخرج من بها من أصحابه مع أخيه وشمكير فالتقوه على أربعة فراسخ مشاة وكان يوما مشهودا
وأما أصحابه الذين كانوا بالأهواز وأعمالها فإنهم لما بلغهم الخبر كتموه وساروا نحو الري فأطاعوا وشمكير أيضا واجتمعوا عليه ولما قتل مردوايج كان ركن الدولة بن بويه رهينة عنده كما ذكرناه فبذل للموكلين مالا فأطلقوه فخرج إلى الصحراء ليفك قيوده فأقبلت بغال عليها تبن وعليها أصحابه وغلمانه فألقى التبن وكسر أصحابه قيوده وركبوا الدواب ونجوا إلى أخيه عماد الدولة بفارس
ذكر ما فعله الأتراك بعد قتله
ص 110
لما قتل الأتراك مرداويج هربوا وافترقوا فرقتين ففرقة سارت إلى عماد الدولة بن بويه مع خجخج الذي سمله توزون فيما بعد وسنذكره وفرقة سارت نحو الجبل مع بجكم وهي أكثرها فجبوا خراج الدينور وغيرها وساروا إلى النهروان فكاتبوا الراضي في المسير إلى بغداد فأذن لهم فدخلوا بغداد فظن الحجرية أنها حيلة عليهم فطلبوا ردة الأتراك إلى بلد الجبل فأمرهم ابن مقلة بذلك وأطلق لهم مالا فلم يرضوا به وغضبوا فكاتبهم ابن رائق وهو بواسط وله البصرة أيضا فاستدعاهم فمضوا إليه وقدم عليهم بحكم وأمره بمكاتبة الأتراك والديلم من أصحاب مرداويج فكاتبهم فأتاه منهم عدة وافرة فأحسن إليهم وخلع عليهم وإلى بجكم خاصة وأمره أن يكتب إلى الناس بجكم الرائقي فأقام عنده وكان من أمرهما ما نذكره
ذكر حال وشمكير بعد قتل أخيه $
ص 111
وأما وشمكير فإنه لما قتل أخوه وقصدته العساكر التي كانت لأخيه واطاعته وأقام بالري فكتب الأمير نصر بن أحمد الساماني إلى أمير جيشه بخراسان محمد بن المظفر بن محتاج بالمسير إلى قومس وكتب إلى ماكان بن كالي وهو بكرمان بالمسير عنها إلى محمد بن المظفر ليقصدوا جرجان والري فسار ماكان إلى الدامغان على المفازة فتوجه إليه بانجين الديلمي من أصحاب وشمكير في جيش كثيف واستمد ماكان محمد بن المظفر وهو ببسطام فأمده بجمع كثير أمرهم بترك المحاربة إلى أن يصل إليهم فخالفوه وحاربوا بانجين فلم يتعاونوا وتخادلوا فهزمهم بانجين فرجعوا إلى محمد بن المظفر وخرجوا إلى جرجان فسار إليهم بانجين ليصدهم عنها فانصرفوا إلى نيسابور وأقاموا بها وجعلت ولايتها لما كان بن كالي وأقام بها وكان ذلك آخر سنة ثلاث وعشرين وأول سنة أربع وعشرين وثلاثمائة ولما سار ماكان عن كرمان عاد إليها أبو علي محمد بن إلياس فاستولى عليها وصفت له بعد حروب له مع جنود نصر بكرمان وكان الظفر له أخيرا وسنذكر باقي خبرهم سنة أربع وعشرين وثلاثمائة
ذكر القبض على ابني ياقوت
ص 111
في هذه السنة في جمادى الأولى قبض الراضي بالله على محمد والمظفر ابني ياقوت وكان سبب ذلك أن الوزير أبا علي بن مقلة كان قد قلق لتحكم محمد بن ياقوت في المملكة بأسرها وأنه هو ليس حكم في شيء فسعى به إلى الراضي وأدام السعاية فبلغ ما أراد فلما كان خامس جمادى الاولى ركب جميع القواد إلى دار الخليفة على عادتهم وحضر الوزير وأظهر الراضي أنه يريد أن يقلد جماعة من القواد أعمالا وحضر محمد بن ياقوت للحجبة ومعه كاتبه أبو اسحاق القراريطي فخرج الخدم إلى محمد بن ياقوت فاستدعوه إلى الخليفة فدخل مبادرا فعدلوا به إلى حجرة هناك فحبسوه فيها ثم استدعوا القراريطي فدخل فعدلوا به إلى حجرة أخرى ثم استدعوا المظفر بن ياقوت من بيته وكان مخمورا فحضر فحبسوه أيضا وأنفذ الوزير أبو علي بن مقلة إلى دار محمد يحفظها من النهب وكان ياقوت حيننئذ مقيما بواسط فلما بلغه القبض على ابنيه الحدر يطلب فارس ليحارب ابن بويه وكتب إلى الراضي يستعطفه ويسأله انفاذ ابنيه ليساعداه على حروبه فاستبد ابن مقلة بالأمر
ذكر حال البريدي
ص 112
وفيها قوي أمر عبد الله البريدي وعظم شأنه وسبب ذلك أنه كان ضامنا أعمال الأهواز فلما استولى عليها عسكر مرداويج وانهزم ياقوت كما ذكرنا عاد البريدي إلى البصرة وصار يتصرف في أسافل أعمال الأهواز مضافا إلى كتابة ياقوت وسار إلى ياقوت فأقام معه بواسط فلما قبض على ابني ياقوت كتب ابن مقلة إلى ابن البريدي يأمره أن يسكن ياقوتا ويعرفه أن الجند اجتمعوا وطلبوا القبض على ولديه فقبضا تسكينا للجند وانهما يسيران إلى أبيهما عن قريب وان الرأي أن يسير هو لفتح فارس فسار ياقوت من واسط على طريق السوس وسار البريدي على طريق الماء إلى الأهواز وكان إلى أخويه أبي الحسين وأبي يوسف ضمان السوس وجند يسابور وادعيا أن دخل البلاد لسنة اثنتين وعشرين أخذه عسكر مرداويج وان دخل سنة ثلاث وعشرين لا يحصل منه شيء لأن نواب مرداويج ظلموا الناس فلم يبق لهم ما يزرعونه وكان الأمر بضد ذلك في السنتين فبلغ ذلك الوزير ابن مقلة فأنفذ نائبا له ليحقق الحال فواطأ ابني البريدي وكتب بصدقهم فحصل لهم بذلك مال عظيم وقويت حالهم وكان مبلغ ما أخذوه اربعة آلاف ألف دينار وأشار ابن البريدي على ياقوت بالمسير إلى أرجان لفتح فارس وأقام هو بجباية الأموال من البلاد فحصل منها ما أراد
فلما سار ياقوت إلى فارس في جموعه لقيه ابن بويه بباب أرجان فانهزم أصحاب ياقوت وبقي إلى آخرهم ثم انهزم وسار ابن بويه خلفه إلى رامهرمز وسار ياقوت إلى عسكر مكرم وأقام ابن يويه برامهرمز إلى أن وقع الصلح بينهما
ذكر فتنة الحنابلة ببغداد
ص 112
وفيها عظم أمر الحنابلة وقويت شوكتهم وصاروا يكبسون من دور القواد والعامة وإن وجدوا تبيذا أراقوه وإن وجدوا مغنية ضربوها وكسروا آلة الغناء واعترضوا في البيع والشراء ومشى الرجال مع النساء والصبيان فإذا رأوا ذلك سألوه عن الذي معه من هو فإن أخبرهم وإلا ضربوه وحملوه إلى صاحب الشرطة وشهدوا عليه بالفاحشة فأرهجوا بغداد فركب بدر الخرشني وهو صاحب الشرطة عاشر جمادى الآخرة في جانبي بغداد في أصحاب أبي محمد البربهاري الحنابلة لا يجتمع منهم اثنان ولا يناظرون في مذهبهم ولا يصلي منهم أمام إلا إذا جهر ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاة الصبح والعشاءين فلم يفد فيهم وزاد شرهم وفتنتهم واستظهروا بالعميان الذين كان يأوون المساجد وكانوا إذا مر بهم شافعي المذهب أغروا به العميان فيضربونه بعصيهم حتى يكاد يموت فخرج توقيع الراضي بما يقرأ على الحنابلة ينكر عليهم فعلهم ويوبخهم باعتقاد التشبيه وغيره فمنه تارة إنكم تزعمون أن صورة وجوهكم القبيحة السمجة على مثال رب العالمين وهيئتكم الرذلة على هيئته وتذكرون الكف والأصابع والرجلين والنعلين المذهبين واشعر القطط والصعود إلى السماء والنزول إلى الدنيا تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا ثم طعنكم على خيار الأئمة ونسبتكم شيعة آل محمد إلى الكفر والضلال ثم استدعاؤكم المسلمين إلى الدين بالبدع الظاهرة والمذاهب الفاجرة التي لا يشهد بها القرآن وإنكاركم زيارة قبور الأئمة وتشنيعكم على زوارها بالإبتداع وأنتم مع ذلك تجتمون على زيارة قبر رجل من العوام ليس بذي شرف ولا بسب ولا سبب برسول الله وتأمرون بزيارته وتدعون له معجزات الأنبياء وكرمات الأولياء فلعن الله شيطانا زين لكم هذه المنكرات وما أغواه وأمير المؤمنين يقسم بالله قسما جهدا إليه يلزم الوفاء به لئن لم تنتهوا عن مذموم مذهبكم ومعوج طريقتكم ليوسعنكم ضربا وتشريدا وقتلا وتبديدا وليستعملن السيف في رقابكم والنار في منازلكم ومحالكم
ذكر قتل أبي العلاء بن حمدان
ص 113
وفيها قتل ناصر الدولة أبو محمد الحسن بن عبد الله بن حمدان عمه أبا العلاء بن حمدان وسبب ذلك أن أبا العلاء سعيد بن حمدان ضمن الموصل وديار ربيعة سرا وكان بها ناصر الدولة ابن أخيه أميرا فسار عن بغداد في خمسين رجلا وأظهر أنه متوجه ليطلب مال الخليفة من ابن أخيه فلما وصل إلى الموصل خرج ابن أخيه إلى تلقيه وقصد مخالفة طريقه فوصل أبو العلاء ودخل دار ابن أخيه وسأل عنه فقيل إنه خرج إلى لقائك فقعد ينتظره فلما علم ناصر الدولة بمقامه في الدار انفذ جماعة من غلمانه فقبضوا عليه ثم أنفذ جماعة غيرهم فقتلوه
ذكر مسير ابن مقلة إلى الموصل وما كان بينه وبين ناصر الدولة
ص 114
لما قتل ناصر الدولة عمه أبا العلاء واتصل خبره بالراضي عظم ذلك عليه وأنكره وأمر ابن مقلة بالمسير إلى الموصل فسار إليها في العساكر في شعبان فلما قاربها رحل عنها ناصر الدولة بن حمدان ودخل الزوزان وتبعه الوزير إلى جبل التنين ثم عاد عنه وأقام بالموصل يجبي مالها ولما طال مقامه بالموصل احتال بعض أصحاب ابن حمدان على ولد الوزير وكان ينوب عنه في الوزارة ببغداد فبذل له عشرة آلاف دينار ليكتب إلى أبيه يستدعيه فكتب إليه يقول إن الأمور بالحضرة قد اختلت وإن تأخرت لم نأمن حدوث ما يبطل الأمر فانزعج الوزير لذلك واستعمل على الموصل علي بن خلف بن طباب وماكرد الديلمي وهو من الساجية وانحدر إلى بغداد منتصف شوال
فلما فارق الموصل عاد ناصر الدولة بن حمدان فاقتتل وهو وماكرد الديلمي فانهزم ابن حمدان ثم عاد وجمع عسكرا آخر فالتقوا على نصيبين في ذي الحجة فانهزم ماكرد إلى الرقة وانحدر منها إلى بغداد وانحدر أيضا ابن طباب واستولى ابن حمدان على الموصل والبلاد وكتب إلى الخليفة يسأله الصفح وأن يضمن البلاد فأجيب إلى ذلك واستقرت البلاد عليه
ذكر فتح جنوة وغيرها
ص 114
في هذه السنة سير القائم العلوي جيشا من أفريقية في البحر إلى ناحية الفرنج ففتحوا مدينة جنوة ومروا بسردانية فأوقعوا بأهلها وأحرقوا مراكب كثيرة ومروا بقرقيسيا فأحرقوا مراكبها وعادوا سالمين
ذكر القرامطة
ص 114
في هذه السنة خرج الناس إلى الحج فلما بلغوا القادسية اعترضهم أبو طاهر القرمطي ثاني عشر ذي القعدة فلم يعرفوه فقاتله أصحاب الخليفة وأعانهم الحجاج ثم التجؤا إلى القاديسة فخرج جماعة من العلويين بالكوفة إلى أبي طاهر فسألوه أن يكف عن الحجاج فكف عنهم وشرط عليهم أن يرجعوا إلى بغداد فرجعوا ولم يحج بهده السنة من العراق أحد وسار أبو طاهر إلى الكوفة فأقام بها عدة أيام ورحل عنها
ذكر عدة حوادث
ص 115
في هذه السنة في المحرم قلد الراضي بالله ولديه أبا جعفر وأبا الفضل ناحيتي المشرق والمغرب مما بيده وكتب بذلك إلى البلاد وفيها في الليلة الثانية عشرة من ذي القعدة وهي الليلة التي أوقع القرمطي بالحجاج انقضت الكواكب من أول الليل إلى آخره انقضاضا دائما مسرفا جدا لم يعهد مثله وفيها مات أبو بكر محمد ياقوت في الحبس في دار السلطان بنفث الدم فأحضر القاضي والشهود وعرض عليهم فلم يروا به أثر ضرب ولا خنق وجذبوا شعره فلم يكن مسموما فسلم إلى اهله وأخذوا ماله وأملاكه ومعامليه ووكلاءه وكل من يخالطه وفيها كان بخراسان غلاء شديد ومات من أهلها خلق كثير من الجوع فعجز الناس عن دفنهم فكانوا يجمعون الغرباء والفقراء في دار إلى أن يتهيأ لهم دفنهم وتكفينهم وفيها جهز عماد الدولة ابن بويه اخاه ركن الدولة الحسن إلى بلاد الجبل وسير معه العساكر بعد عوده لما قتل مرداويج فسار إلى أصبهان فاستولى عليها وازال عنها وعن عدة من بلاد الجبل نواب وشمكير وأقبل وشمكير وجهز العساكر نحوه وبقي هو ووشمكير يتنازعان تلك البلاد وهي أصبهان وهمذان وقم وقاشان وكرج والري وكنكور وقزوين وغيرها
وفيها في آخر جمادى الآخرة شغب الجند ببغداد وقصدوا دار الوزير أبي علي بن مقلة وابنه وزاد شغبهم فمنعهم أصحاب ابن مقلة فاحتال الجند ونقبوا دار الوزير من ظهرها ودخلوها وملكوها وهرب الوزير وابنه إلى الجانب الغربي فلما سمع الساجية بذلك ركبوا إلى دار الوزير ورفقوا بالجند فردوهم وعاد الوزير وابنه إلى منازلهما واتهم الوزير بإثارة هذه الفتنة بعض أصحاب ابن ياقوت فأمر فنودي أن لا يقيم أحد منهم بمدينة السلام ثم عاود الجند الشغب حادي عشر ذي الحجة ونقبوا دار الوزير عدة نقوب فقاتلهم غلمانه ومنعوهم فركب صاحب الشرطة وحفظ السجون حتى لا تفتح ثم سكنوا من الشغب وفي هذه السنة أطلق المظفر بن ياقوت من حبس الراضي بالله بشفاعة الوزير ابن مقلة وحلف للوزير أنه يواليه ولا ينحرف عنه ولا يسعى له ولا لولده بمكروه فلم يف له ولا لولده ووافق الحجرية عليه فجرى في حقه ما يكره وكان المظفر حقد على الوزير حين قتل أخيه لأنه اتهمه أنه سمه
وفيها أرسل ابن مقلة رسولا إلى محمد بن رائق بواسط وكان قد قطع الحمل عن الخليفة فطالبه بارتفاع البلاد واسط والبصرة وما بينهما فأحسن إلى الرسل وردهم برسالة ظاهرة إلى ابن مقلة مغالطة وأخرى باطنة إلى الخليفة الراضي بالله وحده مضمونها أنه إن استدعي إلى الحضرة وفوضت إليه الأمور وتدبير الدولة قام بكل ما يحتاج إليه من نفقات الخليفة وأرزاق الجند فلما سمع الخليفة الرسالة لم يعد إليه جوابها وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن عبدويه بن سدوس الهذلي من ولد عتبة بن مسعود بالكوفة وهو من نيسابور وإبراهيم بن محمد بن عرفة المعروف بنفطويه النحوي وله مصنفات وهو من ولد المهلب بن أبي صفرة
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.