الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
11

ثم دخلت سنة تسع عشرة وثلاثمائة

الجزء السابع 9 عنصر صفحة 63
ذكر تجدد الوحشة بين مؤنس والمقتدر ص 63

في هذه السنة تجددت الوحشة بين مؤنس المظفر وبين المقتدر بالله وكان سببها أن محمد بن ياقوت كان منحرفا على الوزير سليمان ومائلا إلى الحسين بن القاسم وكان مؤنس يميل إلى سليمان بسبب علي بن عيسى وثقتهم به وقوي أمر محمد بن ياقوت وقلد مع الشرطة الحسبة وضم إليه رجالا فقوي بهم فعظم ذلك على مؤنس وسأل المقتدر صرف محمد عن الحسبة وقال هذا شغل لا يجوز أن يتولاه غير القضاة والعدول فأجابه المقتدر وجمع مؤنس إليه أصحابه فلما فغل ذلك جمع ياقوت وابنه الرجال في دار السلطان وفي دار محمد بن ياقوت وقيل لمؤنس إن محمد بن ياقوت قد عزم على كبس دارك ليلا ولم يزل به أصحابه حتى أخرجوه إلى باب الشماسية فضربوا مضاربهم هناك وطالب المقتدر بصرف ياقوت عن الحجبة وصرف ابنه عن الشرطة وابعادهما عن الحضرة فأخرجا إلى المدائن وقلد المقتدر ياقوتا أعمال ففارس وكرمان وقلد ابنه المظفر بن ياقوت أصبهان وقلد أبا بكر محمد بن ياقوت سجستان وتقلد ابنا رائق إبراهيمم ومحمد مكان ياقوت وولده الحجبة والشرطة وأقام ياقوت بشيراز مدة وكان علي بن خلف بن طياب ضامنا أموال الضياع والخراج بها فتظاهرا وتعاقدا وقطعا الحمل عن المقتدر إلى أن ملك علي بن بويه الديلمي بلاد فارس سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة

ذكر قبض الوزير سليمان ووزارة أبي القاسم الكلوذاني ص 63

وفي هذه السنة قبض المقتدر على وزيره سليمان الحسن وكان سبب ذلك أن سليمان ضاقت الأموال عليه إضاقة شديدة وكثرت عليه المطالبات ووقفت وظائف السلطان واتصلت رقاع من يرشح نفسه للوزارة بالسعاية به والضمان بالقيام بالوظائف وأرزاق الجند وغير ذلك فقبض عليه ونقله إلى داره وكان المقتدر كثير الشهوة لتقليد الحسين بن القاسم الوزارة فامتنع مؤنس من ذلك واشار بوزارة أبي القاسم الكلوذاني فاضطر المقتدر إلى ذلك فاستوزره لثلاث بقين من رجب فكانت وزارة سليمان سنة واحدة وشهرين وكانت وزارته غيره متمكنة أيضا فإنه كان علي بن عيسى معه على الدواوين وسائر الأمور وأفرد علي بن عيسى عنه بالنظر عنه في المظالم واستعمل على ديوان السواد غيره فانقطعت مواد الوزير فإنه كان يقيم من قبله من يشتري توقيعات أرزاق جماعة لا يمكنهم مفارقة ماهم عليه بصدده من الخدمة فكان يعطيهم نصف المبلغ وكذلك ادرارات الفقهاء وأرباب البيوت إلى غير ذلك

وكان أبو بكر بن قرابة منتميا إلى مفلح الخادم فأوصله إلى المقتدر فذكر له أنه يعرف وجوه مرافق الوزراء فاستعمله عليها ليصلحها للخليفة فسعى في تحصيل ذلك من العمال والضمان والتناء وغيرهم فاخلق بذلك الخلافة وفضح الديوان ووقفت أحوال الناس فان الوزراء وأرباب الولايات لا يقومون بأشغال الرعايا والتعب معهم إلا لرفق يحصل لهم وليس لهم من الدين ما يحملهم على النظر في أحوالهم فانه بعيد منهم فإذا منعوا المرافق تركوا الناس يضطربون ولا يجدون من يأخذ بأيديهم ولا يقي حوائجهم فإني قد رأيت هذا عيانا في زماننا هذا وفات به من المصالح العامة والخاصة مالا يحصى

ذكر الحرب بين هارون وعسكر مرداويج ص 64

قد ذكرنا فيما تقدم قتل أسفار وملك مرداويج وأنه استولى على بلد الجبل والري وغيرهما وأقبلت الديلم إليه من كل ناحية لبذله وإحسانه إلى جنده فعظمت جيوشه وكثرت عساكره وكثر الخرج عليه فلم يكفه ما في يده ففرق نوابه في النواحي المجاورة له فكان ممن سيره إلى همذان ابن أخت له في جيش كثير وكان بها أبو عبد الله محمد بن خلف في عسكر الخليفة فتحاربوا حروبا كثيرة وأعان أهل همذان عسكر الخليفة فظفروا بالديلم وقتل ابن أخت مرداويج فسار مرداويح من الري إلى همذان فلما سمعع أصحاب الخليفة بمسيره انهزموا من همذان فجاء همذان ونزل على باب الأسد فتحصن منه أهلها فقاتلهم فظفر منهم خلقا كثيرا وأحرق وسبى ثم رفع السيف عنهم وأمن بقيتهم فأنفذ المقتدر هارون بن غريب الخال في عساكر كثيرة إلى محاربته فالتقوا بنواحي همذان فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم هارون وعسكر الخليفة واستولى مرداويج على بلاد الجبل جميعها وما وراء همذان فسير قائدا كبيرا من أصحابه يعرف بابن علان القزويني إلى الدينور ففتحها بالسيف وقتل كثيرا من أهلها وبلغت عساكره إلى نواحي حلوان فغنمت ونهبت وقتلت وسبت الأولاد والنساء وعادوا إليه

ذكر ما فعله لشكري من المخالفة ص 65

كان لشكري الديلمي من أصحاب أسفار واستأمن إلى الخليفة فلما انهزم هارون بن غريب من مرداويج سار معه إلى قرميسين وأقام هارون بها واستمد المقتدر ليعاود محاربة مرداويج وسير هارون لشكري هذا إلى نهاوند لحمل مال بها إليه فلما صار لشكري بنهاوند ورأى غنى أهلها طمع فيهم وصادرهم على ثلاثة آلاف ألف درهم واستخرجها في مدة أسبوع وجند بها جندا ثم مضى إلى أصبهان هاربا من هارون في الجند الذين انضموا إليها في جمادى الآخرة وكان الوالي على أصبهان حينئذ أحمد بن كيغلغ وذلك قبل استيلاء مرداويج عليها فخرج إليه أحمد فحاربه فانهزم أحمد هزيمة قبيحة وملك لشكري أصبهان ودخل أصحابه إليها فنزلوا في الدور والخانات وغيرها ولم يدخل لشكري معهم

ولما انهزم أحمد نجا إلى بعض قرى أصبهان في ثلاثين فارسا وركب لشكري يطوف بسور أصبهان من ظاهره فنظر إلى أحمد في جماعته فسأل عنه فقيل لا شك أنه من أصحاب أحمد بن كيغلغ فسار فيمن معه من أصحابه نحوهم وكانوا عدة يسيرة فلما قرب منهم تعارفوا فاقتتلوا فقتل لشكري قتله أحمد بن كيغلغ ضربه بالسيف على رأسه فقد المغفر والخوذة ونزل السيف حتى خالط دماغه فسقط ميتا وكان عمر أحمد إذ ذاك قد جاوز السبعين فلما قتل لشكري انهزم من معه فدخلوا أصبهان واعلموا أصحابهم فهربوا على وجوهم وتركوا أثقالهم وأكثر رحالهم ودخل أحمد إلى أصبهان وكان هذا قبل استيلاء مرداويج على أصبهان وكان هذا من الفتح الظريف وكان جزاؤه أن صرف عن أصبهان وولى عليها المظفر بن ياقوت

ذكر ملك مرداويج أصبهان ص 66

ثم أنفذ مرداويج طائفة أخرى إلى أصبهان فملكوها واستولوا عليها وبنوا له فيها مساكن أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف العجلي والبساتين فسار مرداويج إليها فنزلها وهو في أربعين إليه وقيل خمسين إليه وأرسل جمعا آخر إلى الأهواز فاستولوا عليها وعلى خورستان وجبوا أموال هذه البلاد والنواحي وقسمها في أصحابه وجمع منها الكثير فادخره ثم إنه أرسل إلى المقتدر رسولا يقرر على نفسه مالا على هذه البلاد كلها ونزل المقتدر عن همذان وماه الكوفة فأجابه المقتدر إلى ذلك وقوطع على مائتي ألف دينار كل سنة

ذكر عزل الكلوذاني ووزارة الحسين بن القاسم ص 66

في هذه السنة عزل أبو القاسم الكلوذاني عن وزارة الخليفة ووزر الحسين بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب وكان سبب ذلك أنه كان ببغداد إنسان يعرف بالدانيالي وكان زراقا ذكيا محتالا وكان يعتق الكاغد ويكتب فيه بخطه ما يشبه الخط العتيق ويذكر فيه إشارات ورموزا يودعها أسماء أقوام من أرباب الدولة فيحصل له بذلك رفق كثير فمن جملة ما فعله أنه وضع في جملة كتاب ميم ميم ميم يكون منه كذا وكذا وأحضره عند مفلح وقال هذا كناية عنك فإنك مفلح مولى المقتدر وذكر له علامات تدل عليه فأغناه فتوصل الحسين بن القاسم معه حتى جعل اسمه في كتاب وضعه وعتقه وذكر فيه علامة وجهه وما فيه من الآثار ويقول إنه يزر للخليفة الثامن عشر من خلفاء بني العباس وتستقيم الأمور على يديه ويقهر الأعادي وتتعمر الدنيا في أيامه وجعل هذا كله في جملة كتاب ذكر فيه حوادث قد وقعت وأشياء لم تقع بعد ونسب ذلك إلى دانيال وعتق الكتاب وأخذه وقرأه على مفلح فلما رأى ذلك أخذ الكتاب وأحضره عند المقتدر وقال له أتعرف في الكتاب من هو بهذه الصفة فقال ما أعرفه إلا الحسين بن القاسم فقال صدقت وإن قلبي ليميل إليه فإن جاءك منه رسول برقعة فاعرضها علي وأكتم حاله ولا تطلع على أمره أحدا وخرج مفلح إلى الدانيالي فسأله هل تعرف أحدا من الكتاب بهذه الصفة فقال لا أعرف أحدا قال فمن أين وصل إليك هذا الكتاب فقال من أبي وهو ورثه من آبائه وهو من ملاحم دانيال عليه السلام فأعاد ذلك على المقتدر فقبله فعرف الدانيالي ذلك الحسين بن القاسم فلما أعلمه كتب رقعة إلى مفلح فأوصلها إلى المقتدر ووعده الجميل وأمره بطلب الوزارة وإصلاح مؤنس الخادم فكان ذلك من أعظم الأسباب في وزارته مع كثرة الكارهين له ثم اتفق أن الكلوذاني عمل حسبة بما يحتاج إليه من النفقات وعليها خط أصحاب الديوان فبقي يحتاج إلى سبعمائة ألف دينار وعرضها على المقتدر وقال ليس لهذه جهة إلا ما يطلقه أمير المؤمنين لأنفقه فعظم ذلك على المقتدر وكتب الحسين بن القاسم لما بلغه ذلك يضمن جميع النفقات ولا يطالبه بشيء من بيت المال وضمن أنه يستخرج سوى ذلك ألف ألف دينار يكون في بيت المال فعرضت رقعته على الكلوذاني فاستقال وأذن له في وزارة الحسين ومضى الحسين إلى يلبق وضمن له مالا ليصلح له قلب مؤنس ففعل فعزل الكلوذاني في رمضان وتولى الحسين الوزارة لليلتين بقيتا من رمضان أيضا وكانت ولاية الكلوذاني شهرين وثلاثة أيام واختص بالحسين بنو البريدي وابن قرابة وشرط أن لا يطلع معه علي بن عيسى فأجيب ذلك وشرع في إخراجه من بغداد فأجيب إلى ذلك فأخرج إلى الصافية

ذكر تأكد الوحشة بين مؤنس والمقتدر ص 67

في هذه السنة في ذي الحجة تجددت الوحشة بين مؤنس والمقتدر حتى آل ذلك إلى قتل المقتدر وكان سببها ما ذكرنا أولا في غير موضع فلما كان الآن بلغ مؤنسا أن الوزير الحسين بن القاسم قد وافق جماعة من القواد في التدبير عليه فتنكر له مؤنس وبلغ الحسين أن مؤنسا قد تنكر له وأنه يريد أن يكبس داره ليلا ويقبض عليه فتنقل في عدة مواضع وكان لا يحضر داره إلا بكرة ثم إنه انتقل إلى دار الخلافة فطلب مؤنس من المقتدر عزل الحسين ومصادرته فأجاب إلى عزله ولم يصادره وأمر الحسين بلزوم بيته فلم يقنع مؤنس بذلك فبقي في وزارته وأوقع الحسين عند المقتدر أن مؤنسا يريد أخذ ولده أبي العباس وهو الراضي من داره بالمخرم والمسير به إلى الشام والبيعة له فرده المقتدر إلى دار الخلافة فعلم ذلك أبو العباس فلما أفضت الخلافة إليه فعل بالحسين ما نذكر وكتب الحسين إلى هارون وهو بدير العاقول بعد انهزامه من مرداويج ليستقدمه إلى بغداد وكتب إلى محمد بن ياقوت وهو بالأهواز يأمره بالإسراع إلى بغداد فزاد استشعار مؤنس وصح عنده أن الحسين يسعى في التدبير عليه وسنذكر تمام أمره سنة عشرين وثلاثمائة

ذكر الحروب بين المسلمين والروم ص 68

في هذه السنة في ربيع الأول غزا ثمال والي طرسوس بلاد الروم فعبر نهرا ونزل عليهم ثلج إلى صدور الخيل وأتاهم جمع كثير من الروم فواقعوهم فنصر الله المسلمين فقتلوا من الروم ستمائة وأسروا نحوا من ثلاثة آلاف وغنموا من الذهب والفضة والديباج وغيره شيئا كثيرا

وفيها في رجب عاد ثمال إلى طرسوس ودخل بلاد الروم صائفة في جمع كثير من إليهرس والراجل فبلغوا عمورية وكان قد تجمع إليه كثير من الروم ففارقوها لما سمعوا خبر ثمال ودخلها المسلمون فوجودا فيها من الأمتعة والطعام شيئا كثيرا فأخذوه واحرقوا ما كانوا عمروه منها

واوغلوا في بلاد الروم ينهبون ويقتلون ويخربون حتى بلغوا انقرة وهي التي تسمى الآن انكورية وعادوا سالمين لم يلقوا كيدا فبلغت قيمة السبي مائة ألف دينار وستة وثلاثين ألف دينار وكان وصولهم إلى طرسوس آخر رمضان

وفيها كاتب ابن الديراني وغيره من الأرمن وهم بأطراف ارمينية الروم وحثوهم على قصد بلاد الاسلام ووعدوهم النصرة فسارت الروم في خلق كثير فخربوا بزكرى وبلاد خلاط وما جاورها وقتل من المسلمين خلق كثير وأسروا كثير منهم فبلغ خبرهم مفلحا غلام يوسف ابن أبي الساج وهو والي اذربيجان فسار في عسكر كبير وتبعه كثير من المتطوعة إلى ارمينية فوصلها في رمضان وقصد بلد ابن الديراني ومن وافقه لحربه وقتل أهله ونهب أموالهم وتحصن ابن الديراني بقلعة له وبالغ الناس كثرة القتلى من الأرمن حتى قيل إنهم كانوا مائة ألف قتيل والله أعلم وسارت عساكر الروم إلى سميساط فحصروها فاستصرخ أهلها بسعيد بن حمدان وكان المقتدر قد ولاه الموصل وديار ربيعة وشرط عليه غزو الروم وأن يستنقذ ملطية منهم وكان أهلها قد ضعفوا فصالحوا الروم وسلموا مفاتيح البلد إليهم فحكموا على المسلمين فلما جاء رسول أهل سميساط إلى سعيد بن حمدان تجهز وسار إليهم مسرعا فوصل وقد كاد الروم يفتحونها فلما قاربهم هربوا منه وسار منها إلى ملطية وبها جمع من الروم ومن عسكر مليح الأرمني ومعهم بني بن نفيس صاحب المقتدر وكان قد تنصر وهو مع الروم فلما أحسوا بإقبال سعيد خرجوا منها وخافوا أن يأتيهم سعيد في عسكره من خارج المدينة ويثور أهلها بهم فيهلكوا ففارقوها ودخلها سعيد ثم استخلف عليها أميرا وعاد عنها فدخل بلد الروم غازيا في شوال وقدم بين يديه سريتين فقتلا من الروم خلقا كثيرا قبل دخوله إليها

ذكر عدة حوادث ص 69

في هذه السنة في شوال جاء إلى تكريت سيل كبير من المطر نزل في البر فغرق منها أربعمائة دار ودكان وارتفع الماء في أسواقها أربعة عشرا شبرا وغرق خلق كثير من الناس ودفن المسلمون والنصارى مجتمعين لا يعرف بعضهم من بعض

وفيها هاجت بالموصل ريح شديد فيها حمرة شديدة ثم اسودت حتى لا يعرف الإنسان صاحبه وظن الناس أن القيامة قد قامت ثم جاء الله تعالى بمطر فكشف ذلك وفيها توفي أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي في شعبان وهو من متكلمي المعتزلة البغداديين

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.