الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
12

ثم دخلت سنة عشرين وثلاثمائة

الجزء السابع 7 عنصر صفحة 70
ذكر مسير مؤنس إلى الموصل ص 70

في هذه السنة في المحرم سار مؤنس المظفر إلى الموصل مغاضبا للمقتدر وسبب مسيره أنه لما صح عنده إرسال الوزير الحسين بن القاسم إلى هارون بن غريب ومحمد ابن ياقوت يستحضرهما زاد استيحاشه ثم سمع بأن الحسين قد جمع الرجال والغلمان الحجرية في دار الخليفة وقد اتفق فيهم وأن هارون بن غريب قد قرب من بغداد أظهر الغضب وسار نحو الموصل ووجه خادمه بشري برسالة إلى المقتدر فسأله الحسين عن الرسالة فقال لا أذكرها غلا لأمير المؤمنين فأنفذ إليه المقتدر يأمره بذكر ما معه من الرسالة للوزير فامتنع وقال ما أمرني صاحبي بهذا فسبه الوزير وشتم صاحبه وأمر بضربه وصادره بثلاثمائة ألف دينار وأخذ خطه بها وحبسه ونهب داره فلما بلغ مؤنسا ما جرى على خادمه وهو ينتظر أن يطيب المقتدر قلبه ويعيده فلما علم ذلك سار نحو الموصل ومعه جميع قواده فكتب الحسين إلى القواد والغلمان يأمرهم بالرجوع إلى بغداد فعاد جماعة وسار مؤنس نحو الموصل في أصحابه ومماليكه ومعه من الساجية ثمانمائة رجل وتقدم الوزير بقبض أقطاع مؤنس وأملاك من معه فحصل من ذلك مال عظيم وزاد ذلك في محل الوزير عند المقتدر فلقبه عميد الدولة وضرب اسمه على الدينار والدرهم وتمكن من الوزارة وولى وعزل وكان فيمن تولى أبو يوسف يعقوب بن محمد البريدي ولاه الوزير البصرة وجميع أعمالها بمبلغ لا يفي بالنفقات على البصرة وما يتعلق بها بل فضل لأبي يوسف مقدار ثلاثين ألف دينار أحاله الوزير بها فلما علم ذلك الفضل بن جعفر بن محمد بن الفرات استدرك على أبي يوسف وأظهر له الغلط في الضمان وأنه لا يمضيه فأجاب إلى أن يقوم بنفقات البصرة ويحمل إلى بيت المال كل سنة ثمانين ألف دينار وانتهى ذلك إلى المقتدر فحسن موقعه عنده فقصده الوزير فاستتر وسعى بالوزير إلى المقتدر إلى أن افسد حاله

ذكر عزل الحسين عن الوزراة ص 71

وفيها عزل الحسين بن القاسم عن الوزارة وسبب ذلك أنه ضاقت عليه الأموال وكثرت الإخراجات فاستسلف في هذه السنة جملة وافرة أخرجها في سنة تسع عشرة فانهى هارون بن غريب ذلك إلى المقتدر فرتب معه الخصيبي فلما تولى معه نظر في أعماله فرآه قد عمل حسبة إلى المقتدر ليس فيها عليه وجه وموه وأظهر ذلك للمقتدر فأمر بجمع الكتاب وكشف الحال فحضروا واعترفوا بصدق الخصيبي بذلك وقابلوا الوزير بذلك فقبض عليه في شهر ربيع الآخر وكانت وزارته سبعة أشهر واستوزر المقتدر أبا الفتح الفضل بن جعفر وسلم إليه الحسين فلم يؤاخذه بإساءته

ذكر استيلاء مؤنس على الموصل ص 71

قد ذكرنا مسير مؤنس إلى الموصل فلما سمع الحسين الوزير بمسيره كتب إلى سعيد وداود ابني حمدان وإلى ابن أخيهما ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان يأمرهم بمحاربة مؤنس وصده عن الموصل وكان مؤنس كتب في طريقه إلى رؤساء العرب يستدعيهم ويبذل لهم الأموال والخلع ويقول لهم إن الخليفة قد ولاه الموصل وديار ربيعة واجتمع بنو حمدان على محاربة مؤنس إلا داود بن حمدان فإنه امتنع من ذلك لإحسان مؤنس إليه فإنه كان قد أخذه بعد أبيه ورباه في حجره وأحسن إليه إحسانا عظيما فلما امتنع من محاربته لم يزل به إخوته حتى وافقهم على ذلك وذكروا له إساءة الحسين وأبي الهيجاء ابني حمدان إلى المقتدر مرة بعد مرة وأنهم يريدون أن يغسلوا تلك السيئة ولما أجابهم قال لهم والله إنكم لتحملونني على البغي وكفران الإحسان وما آمن أن يجيئني سهم عائر فيقع في نحري فيقتلني فلما التقوا أتاه سهم كما وصف فقتله وكان مؤنس إذا قيل له إن داود عازم على قتالك ينكره ويقول كيف يقاتلني وقد أخذته طفلا وربيته في حجري ولما قرب مؤنس من الموصل كان في ثمانمائة فارس واجتمع بنو حمدان في ثلاثين ألفا والتقوا واقتتلوا فانهزم بنو حمدان ولم يقتل منهم غير داود وكان يلقب بالمجفجف وفيه يقول بعض الشعراء وقد هجا أميرا

( لو كنت في ألف ألف كلهم بطل % مثل المجفجف داود بن حمدان )

( وتحتك الريح تجري حيث تأمرها % وفي يمينك سيف غير خوان )

( لكنت أول فرار إلى عدن % إذا تحرك سيف من خراسان )

وكان داود هذا من أشجع الناس ودخل مؤنس الموصل ثالث صفر واستولى على أموال بني حمدان وديارهم فخرج إليه كثير من العساكر من بغداد والشام ومصر من أصناف الناس لإحسانه كان إليهم وعاد إليه ناصر الدولة بن حمدان فصار معه وأقام بالموصل تسعة أشهر وعزم على الإنحدار إلى بغداد

ذكر قتل المقتدر ص 72

لما اجتمعت العساكر على مؤنس بالموصل قالوا له اذهب بنا إلى الخليفة فان أنصفنا وأجرى أرزاقنا وإلا قاتلناه فانحدر مؤنس من الموصل في شوال وبلغ خبره جند بغداد فشغبوا وطلبوا أرزاقهم ففرق المقتدر فيهم أموالا كثيرة إلا أنه لم يشبعهم وأنفذ أبا العلاء سعيد بن حمدان وصافيا البصري في خيل عظيمة إلى سر من رأى وأنفذ أبا بكر محمد بن ياقوت في ألفي فارس ومعه الغلمان الحجرية إلى المعشوق فلما وصل مؤنس إلى تكريت أنفذ طلائعه فلما قربوا من المعشوق جعل العسكر الذين مع ابن ياقوت يتسللون ويهربون إلى بغداد فلما رأى ذلك رجع إلى عكبرا وسار مؤنس فتأخر ابن ياقوت وعسكره وعادوا إلى بغداد فنزل مؤنس بباب الشماسية ونزل ابن ياقوت وغيره مقابلهم واجتهد المقتدر بابن خاله هارون بن غريب ليخرج فلم يفعل وقال أخاف من عسكري فإن بعضهم أصحاب مؤنس وبعضهم قد انهزم أمس من مرداويج فأخاف أن يسلموني وينهزموا عني فأنفذ إليه الوزير فلم يزل به حتى أخرجه وأشاروا على المقتدر بإخراج المال منه ومن والدته ليرضى الجند ومتى سمع أصحاب مؤنس بتفريق الأموال تفرقوا عنه واضطر إلى الهرب فقال لم يبق لي ولا لوالدتي جهة شيء وأراد المقتدر أن ينحدر إلى واسط ويكاتب العساكر من جهة البصرة والأهواز وفارس وكرمان وغيرها ويترك بغداد لمؤنس إلى أن يجتمع عليه العساكر ويعود إلى قتاله فرده ابن ياقوت عن ذلك وزين له اللقاء وقوى نفسه بأن القوم متى رأوه عادوا بأجمعهم إليه فرجع إلى قوله وهو كاره ثم أشار عليه بحضور الحرب فخرج وهو كاره وبين يديه الفقهاء والقراء معهم والمصاحف مشهورة وعليه البردة والناس حوله فوقف على تل عال بعيد عن المعركة فارسل قواد أصحابه يسألونه التقدم مرة بعد أخرى وهو واقف فلما ألحوا عليه تقدم من موضعه فانهزم أصحابه قبل وصوله إليهم وكان قد أمر فنودي من جاء بأسير فله عشرة دنانير ومن جاء برأس فله خمسة دنانير فلما انهزم أصحابه لقيه علي بن يلبق وهو من أصحاب مؤنس فترجل وقبل الأرض وقال له إلى أين تمضي إرجع فلعن الله من أشار عليك بالحضور فأراد الرجوع فلقيه قوم من المغاربة والبربر فتركه علي معهم وسار عنه فشهروا عليه سيوفهم فقال ويحكم أنا الخليفة فقالوا قد عرفناك يا سفلة أنت خليفة إبليس تبذل في كل رأس خمسة دنانير وفي كل أسير عشرة دنانير وضربه أحدهم بسيفه على عاتقه فسقط إلى الأرض وذبحه بعضهم فقيل إن علي بن يلبق غمز بعضهم فقتله

وكان المقتدر ثقيل البدن عظيم الجثة فلما قتلوه رفعوا رأسه على خشبة وهم يكبرون ويلعنونه وأخذوا جميع ما عليه حتى سروايله وتركوه مشكوف العورة إلى أن مر به رجل من الأكرة فستره بحشيش ثم حفر له موضعه ودفن وعفي قبره

وكان مؤنس في الراشدية لم يشهد الحرب فلم حمل رأس المقتدر إليه بكى ولطم وجهه ورأسه وقال يا مفسدون ما هكذا أوصيتكم وقال قتلتموه وكان هذا آخر أمره والله لنقتلن كلنا وأقل ما في الأمر أنكم تظهرون انكم قتلتموه خطأ ولم تعرفوه وتقدم مؤنس إلى الشماسية وأنفذ إلى دار الخليفة من يمنعها من النهب ومضى عبد الواحد بن المقتدر وهارون بن غريب ومحمد بن ياقوت وابنا رائق إلى المدائن وكان ما فعله مؤنس سببا لجراءة أصحاب الأطراف على الخلفاء وطمعهم فيما لم يكن يخطر لهم على بال وانخرقت الهيبة وضعف أمر الخلافة حتى صار الأمر إلى ما نحكيه على أن المقتدر أهمل من أحوال الخلافة كثيرا وحكم فيها النساء والخدم وفرط في الأموال وعزل من الوزراء وولى ما أوجب طمع أصحاب الأطراف والنواب وخروجهم عن الطاعة وكان جملة ما أخرجه من الأموال تبذيرا وتضييعا في غير وجه نيفا وسبعين ألف ألف دينار سوى ما أنفقه في الوجوه الواجب وإذا اعتبرت أحوال الخلافة في أيامه وأيام أخيه المكتفي ووالده المعتضد رأيت بينهم تفاوتا بعيدا وكانت مدة خلافته أربعا وعشرين سنة واحد عشر شهرا وستة عشر يوما وكان عمره ثمانية وثلاثين سنة نحوا من شهرين

ذكر خلافة القاهر بالله ص 74

لما قتل المقتدر بالله عظم قتله على مؤنس وقال الرأي أن ننصب ولده أبا العباس أحمد في الخلافة فإنه تربيتي وهو صبي عاقل وفيه ديم كريم ووفاء بما يقول فإذا جلس في الخلافة سمحت نفس جدته والدة المقتدر وإخوته وغلمان أبيه ببذل الأموال ولم ينتطح في قتل المقتدر عنزان فاعترض عليه أبو يعقوب إسحاق بن إسماعيل النوبختي وقال بعد الكد والتعب استرحنا من خليفة له أم وخالة وخدم يدبرونه فنعود إلى تلك الحال والله لا نرضى إلا برجل كامل يدبر نفسه ويدبرنا وما زال حتى رد مؤنسا عن رأيه وذكر له أبا منصور محمد بن المعتضد فأجابه مؤنس إلى ذلك وكان النوبختي في ذلك كالباحث عن حتفه بظلفه فإن القاهر قتله كما نذكره وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم وأمر مؤنس بإحضار محمد بن المعتضد فبايعوه بالخلافة لليلتين بقيتا من شوال ولقبه القاهر بالله وكان مؤنس كارها لخلافته والبيعة له ويقول إنني عارف بشره وسوء نيته ولكن لا حيلة ولما بويع استحلفه مؤنس لنفسه ولحاجبه يلبق ولعلي بن يلبق وأخذوا خطه بذلك واستقرت الخلافة له وبايعه الناس واستوزر أبا علي بن مقلة وكان بفارس فاستقدمه ووزر له واستحجب القاهر علي بن يلبق

وتشاغل القاهر بالبحث عمن استتر من أولاد المقتدر وحرمه وبمناظرة والدة المقتدر وكانت مريضة قد ابتدأ بها الاستسقاء وقد زاد مرضها بقتل ابنها ولما سمعت أنه بقي مكشوف العورة جزعت جزعا شديدا وامتنعت من المأكول والمشروب حتى كادت تهلك فوعظها النساء حتى أكلت شيئا يسيرا من الخبز والملح ثم أحضرها القاهر عنده وسألها عن مالها فأعترفت له بما عندها من المصوغ والثياب ولم تعترف بشيء من المال والجوهر فضربها أشد ما يكون من الضرب وعلقها برجلها وضرب المواضع الغامضة من بدنها فحلفت أنها لا تملك غير ما أطلعته عليه وقالت لو كان عندي مالا لما أسلمت ولدي للقتل ولم تعترف بشيء وصادر جميع حاشية المقتدر وأصحابه وأخرج القاهر والدة المقتدر لتشهد على نفسها القضاة والعدول بأنها قد حلت أوقافها ووكلت في بيعها فامتنعت من ذلك وقالت قد أوقفتها على أبواب البر والقرب بمكة والمدينة والثغور وعلى الضعفى والمساكين ولا استحل حلها ولا بيعها وإنما أوكل على بيع أملاكي فلما علم القاهر بذلك أحضر القاضي والعدول وأشهدهم على نفسه أنه قد حل وقوفها جميعها ووكل في بيعها فبيع ذلك جميعه مع غيره واشتراه الجند من أرزاقهم وتقدم القاهر بكبس الدور التي سعى إليه أنه اختفى فيها ولد المقتدر فلم يزل كذلك إلى أن وجدوا منهم أبا العباس الراضي وهارون وعليا والعباس وإبراهيمم والفضل فحملوا إلى دار الخليفة فصودروا على مال كثير وسلمهم علي بن يلبق إلى كاتبه الحسن بن هارون فأحسن صحبتهم واستقر أبو علي بن مقلة في الوزارة وعزل وولي وقبض على جماعة من العمال وقبض على بني البريدي وعزلهم عن أعمالهم وصادرهم

ذكر وصول وشكمير إلى أخيه مرداويج ص 75

وفيها أرسل مرداويج إلى أخيه وشكمير وهو ببلاد جيلان يستدعيه إليه وكان الرسول ابن الجعد قال أرسلني مرداويج وأمرني بالتلطف لإخراج أخيه وشكمير إليه فلما وصلت سألت عنه فدللت عليه فإذا هو مع جماعة يزرعون الأرز فلما رأوني قصدوني وهم حفاة عراة عليهم سراويلات ملونة الخرق واكسية ممزقة فسلمت عليه وأبلغته رسالة أخيه وأعلمته بما ملك من البلاد والأموال وغيرها فضرب بفمه في لحية أخيه وقال إنه لبس السواد وخدم المسودة يعني الخلفاء من بني العباس فلم أزل أمنيه وأطمعه حتى خرج معي فلما بلغنا قزوين اجتهدت به ليلبس السواد فامتنع ثم لبس بعد الجهد قال فرأيت من جهله أشياء استحي من ذكرها ثم أعطته السعادة ما كان له في الغيب فصار من أعرف الملوك بتدبير الممالك وسياسة الرعايا

ذكر عدة حوادث ص 76

فيها توفي القاضي أبو عمر محمد بن يوسف بن يعقوب بن إسماعيل بن حماد بن زيد وكان عالما فاضلا حليما وأبو علي الحسين بن صالح بن خيران الفقيه الشافعي وكان عابدا ورعا أرتيد على القضاء فلم يفعل وفيها توفي أبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي الفقيه الشافعي الجرجاني المعروف بالإستراباذي

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.