في هذه السنة في المحرم هلك الرجالة المصافية وأخرجوا من بغداد بعد ما عظم شرهم وقوي أمرهم وكان سبب ذلك أنهم لما أعادوا المقتدر إلى الخلافة على ما ذكرنا زاد إذلالهم واستطالتهم وصاروا يقولون أشياء لا يحتملها الخلفاء منها أنهم يقولون من أعان ظالم سلطه الله عليه ومن يصعد الحمار إلى السطح يقدر أن يحطه وان لم يفعل المقتدر معنا ما نستحقه قاتلناه بما يستحق إلى غير ذلك وكثر شغبهم ومطالبتهم وادخلوا في الأرزاق أولادهم وأهليهم ومعارفهم وأثبتوا أسماءهم فصار لهم في الشهر مائة ألف وثلاثون ألف دينار واتفق أن شغب الفرسان في طلب أرزاقهم فقيل لهم إن بيت المال فارغ وقد انصرفت الأموال إلى الرجالة فثار بهم الفرسان فاقتتلوا فقتل من الفرسان جماعة واحتج المقتدر بقتلهم على الرجالة وأمر محمد بن ياقوت فركب وكان قد استعمل على الشرطة فطرد الرجالة عن دار المقتدر ونودي فيهم بخروجهم عن بغداد ومن أقام قبض عليه وحبس وهدمت دور غرمائهم وقبضت أملاكهم وظفر بعد النداء بجماعة منهم فضربهم وحلق لحاهم وشهر بهم وهاج السوادن تعصبا للرجالة فركب محمد أيضا في الحجرية وأوقع بهم وأحرق منازلهم فاحترق فيها جماعة كثيرة منهم ومن أولادهم ومن نسائهم فخرجوا إلى واسط واجتمع بها منهم جمع كثير وتغلبوا عليها وطرحوا عامل الخليفة فسار إليهم مؤنس فأوقع بهم وأكثر القتل فيهم فلم تقم لهم بعدها راية
ثم دخلت سنة ثمان عشرة وثلاثمائة
في هذه السنة في ربيع الأول عزل ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان عن الموصل ووليها عماه سعيد ونصر ابنا حمدان وولي ناصر الدولة ديار ربيعة ونصيبين وسنجار والخابور ورأس عين ومعها من ديار بكر ميافارقين وارزن ضمن ذلك بمال مبلغه معلوم فسار إليها ووصل سعيد إلى الموصل في ربيع الآخر
وفي هذه السنة عزل الوزير أبو علي محمد بن مقلة من وزارة الخليفة وكان سبب عزله أن المقتدر كان يتهمه بالميل إلى مؤنس المظفر وكان المقتدر مستوحشا من مؤنس ويظهر له الجميل فأتفق أن مؤنسا خرج إلى أوانا وعكبرا فركب ابن مقلة إلى دار المقتدر آخر جمادى الأولى فقبض عليه وكان بين محمد بن ياقوت وبين ابن مقلة عدواة فأنفذ إلى داره بعد أن قبض عليه وأحرقها ليلا وأراد المقتدر أن يستوزر الحسين بن القاسم بن عبد الله وكان مؤنس قد عاد فأنفذ إلى المقتدر مع علي بن عيسى يسأل أن يعاد ابن مقلة فلم يجبه المقتدر إلى ذلك وأراد قتل ابن مقلة فرده عن ذلك فسأل مؤنس أن لا يستوزر الحسين فتركه واستوزر سليمان بن الحسن منتصف جمادى الأولى وأمر المقتدر بالله علي بن عيسى بالاطلاع على الدواوين وأن لا ينفرد سليمان عنه بشيء وصودر أبو علي بن مقلة بمائتي ألف دينار وكان مدة وزارته سنتين وأربعة أشهر وثلاثة أيام
كان أولاد البريدي وهم أبو عبد الله بن يوسف وأبو الحسين قد ضمنوا الأهواز كما تقدم فلما عزل الوزير ابن مقلة كتب المقتدر بخط يده إلى أحمد بن نصر القشوري الحاجب يأمره بالقبض عليهم ففعل وأودعهم عنده في داره ففي بعض الأيام سمع ضجة عظيمة وأصواتا ماثلة فساأ ما الخبر فقيل إن الوزير قد كتب بإطلاق بني البريدي وأنفذ إليه أبو عبد الله كتابا موزا يأمر فيه باطلاقهم وإعادتهم إلى أعمالهم فقال لهم أحمد هذا الكتاب الخليفة بخطه يقول فيه لا تطلقهم حتى يأتيك كتاب آخر بخطي ثم ظهر أن الكتاب مزور ثم أنفذ المقتدر فاستحضرهم إلى بغداد وصودروا على أربعمائة ألف دينار وكان لا يطمع فيها منهم وإنما طلب منهم هذا القدر ليجيبوا إلى بعضه فأجابوا إليه جميعه ليتخلصوا ويعودوا إلى عملهم
وفي هذه السنة في جمادى الأولى خرج خارجي من بجيلة من أهل البوازيج اسمه صالح بن محمود وعبر إلى البرية واجتمع إليه جماعة من بني مالك وسار إلى سنجار فأخذ من أهلها مالا فلقيه قوافل فأخذ عشرها وخطب بسنجار فذكر بأمر الله وحذر وأطال في هذا ثم قال نتولى الشيخين ونبرأ من الخبيثين ولا نرى المسح على الخفين وسار منها إلى الشجاجية من أرض الموصل فطالب أهلها وأهل أعمال الفرج بالعشر وأقام أياما وانحدر إلى الحديثة تحت الموصل فطالب المسلمين بزكاة أموالهم والنصارى بجزية رؤوسهم فجرى بينهما حرب فقتل من أصحابه جماعة ومنعوه من دخولها فأحرق لهم ست عروب وعبر إلى الجانب الغربي
وأسر أهل الحديثة ابنا لصالح اسمه محمد فأخذه نصر بن حمدان بن حمدون وهو الأمير بالموصل فأدخله إليها ثم سار صالح إلى السن فصالحه أهلها على مال أخذه منهم وانصرف إلى البوازيج وسار منها إلى تل خوسا قرية من أعمال الموصل عند الزاب الأعلى وكاتب أهل الموصل في أمر ولده وتهددهم إن لم يردوه إليه ثم رحل إلى السلامية فصار إليه نصر بن حمدان لخمس خلون من شعبان من هذه السنة ففارقها صالح إلى البوازيج فطلبه نصر فأدركه بها فحاربه حربا شديدة قتل فيها من رجال صالح نحو مائة رجل وقتل من أصحاب نصر جماعة وأسر صالح ومعه ابنان له وأدخلوا غلى الموصل وحملوا إلى بغداد فأدخلوا مشهورين
وفيها في شعبان خرج بأرض الموصل خارجي اسمه الأغر بن مطر التغلبي وكان يذكر أنه من ولد عتاب بن كلثوم التغلبي أخي عمرو بن كلثوم الشاعر وكان خروجه بنواحي رأس العين وقصد كفر توثا وقد اجتمع معه نحو ألفي رجل فدخلها ونهبها وقتل من فيها وسار إلى نصيبين فنزل بالقرب منها فخرج إليه ومعه جمع من الجند ومن العامة فقاتلوه فقتل الشاري منه مائة رجل وأسر ألف رجل فباعهم نفوسهم وصالحه أهل نصيبين على أربعمائة ألف درهم وبلغ خبره ناصر الدولة ابن حمدان وهو أمير ديار ربيعة فسير إليه جيشا فقاتلوه فظفروا به وأسروه وسيره ناصر الدولة إلى بغداد
كان جعفر بن أبي جعفر بن أبي داود مقيما بالختل واليا عليها للسامانية فبدت منه أمور نسب بسببها إلى الاستعصاء فكوتب أبو علي أحمد بن محمد بن المظفر بقصده فسار إليه وحاربه فقبض عليه وحمله إلى بخارى وذلك قبل مخالفة أبي زكريا يحيى فلما حمل إلى بخارى حبس فيها فلما خالف أبو زكريا يحيى أخرجه من الحبس وصحبه ثم استأذنه في العود إلى ولاية الختل وجمع الجيوش له بها فأذن له فسار إليها وأقام بها وتمسك بطاعة السعيد نصر بن أحمد فصلح حاله وذلك سنة ثمان عشرة وثلاثمائة الختل بالخاء المعجمة والتاء فوقها نقطتان والخاء مضمومة والتاء مشددة مفتوحة
في هذه السنة شغب الفرسان وتهددوا بخلع الطاعة فأحضر المقتدر قوادهم بين يديه ووعدهم الجميل وان يطلق أرزاقهم في الشهر المقبل فسكنوا ثم شغب الرجالة فاطلقت أرزاقهم
وفيها خلع المقتدر على ابنه هارون وركب معه الوزير والجيش وأعطاه ولاية فارس وكرمان وسجستان ومكران وفيها أيضا خلع على ابنه أبي العباس وأقطعه بلاد الغرب ومصر والشام وجعل مؤنسا المظفر يخلفه فيها وفيها صرف إبنا رائق عن الشرطة وقلدها أبو بكر محمد بن ياقوت وفيها وقعت فتنة بنصيبين بين أهل باب الروم والباب الشرقي واقتتلوا قتالا شديدا وأدخلوا إليهم قوما من العرب والسواد فقتل بينهم جماعة وأحرقت المنازل والحوانيت ونهبت الأموال ونزل بهم قافلة عظيمة تريد الشام فنهبوها وفيها توفي يحيى بن محمد بن صاعد البغدادي وكان عمره تسعين سنة وهو من فضلاء المحدثين والقاضي أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخي الفقيه الحنفي وكان عالما بالأدب ونحو الكوفيين وله شعر حسن
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
