الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
9

ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومائتين

الجزء السادس 6 عنصر صفحة 68
ذكر خروج المبرقع ص 68

في هذه السنة خرج أبو حرب المبرقع اليماني بفلسطين وخالف المعتصم وكان سبب خروجه أن بعض الجند أراد النزول في داره وهو غائب فمنعه بعض نسائه فضربها الجندي بسوط فأصاب ذراعها فأثر فيها فلما رجع أبو حرب إلى منزله شكت إليه ما فعل بها الجندي فأذ سيفه وسار نحوه فقتله ثم هرب وألبس وجهه برقعا وقصد بعض جبال الأردن فأقام به وكان يظهر بالنهار متبرقعا فإذا جاءه أحد ذكره وأمره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويذكر الخليفة وما يأتي ويعيبه فاستجاب له قوم من فلاحي تلك الناحية وكان يزعم أنه أموي فقال أصحابه هذا السفياني فلما كثر أتباعه من هذه الصفة دعا أهل البيوتات فاستجاب له جماعة من رؤساء اليمانية منهم رجل يقال له ابن بيهس كان مطاعا في أهل اليمن ورجلان من أهل دمشق واتصل الخبر بالمعتصم في مرضه الذي مات فيه فسير إليه رجاء بن أيوب الحضاري في زهاء ألف رجل من الجند فرآه في عالم كثير يبلغون مائة ألف فكره رجاء مواقعته وعسكر في مقابلته حتى كان أوان الزراعة وعمل الأرض فانصرف من كان مع المبرقع إلى عملهم وبقي في زهاء ألف أو ألفين وتوفي المعتصم وولي الواثق وثارت الفتنة بدمشق على ما نذكره فأمر الواثق رجاء بقتال من أراد الفتنة والعود إلى المبرقع ففعل ذلك وعاد إلى المبرقع فناجزه رجاء فالتقى العسكران فقال رجاء لأصحابه ما أرى في عسكره رجلا له شجاعة غيره وأنه سيظهر لأصحابه ما عنده فإذا حمل عليكم فافرجوا له فما لبث أن حمل المبرقع فأفرج له أصحاب رجاء حتى جاوزهم ثم رجع فأفرجوا له حتى أتى أصحابه ثم حمل مرة أخرى فلما أراد الرجوع أحاطوا به وأخذوه أسيرا

وقيل كان خروجه سنة ست وعشرين ومائتين وأنه خرج بنواحي الرملة وصار في خمسين ألفا فوجه إليه المعتصم رجاء الحضاري فقاتله وأخذ ابن بيهس أسيرا وقتل من أصحاب المبرقع نحوا من عشرين ألفا وأسر المبرقع وحمله إلى سامرا

ذكر وفاة المعتصم ص 69

وفي هذه السنة توفي المعتصم أبو إسحاق محمد بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس يوم الخميس لثمان عشرة مضت من ربيع الأول وكان بدو علته أنه احتجم أول يوم في المحرم واعتل عندها

قال زنام الزامر أفاق المعتصم في علته التي مات فيها إفاقة قال هيؤوا لي الزلال لأركب غدا فركب في الزلال في دجلة وأنا معه فمر بإزاء منازله فقال يا زنام ازمر لي

( يا منزلا لم تبل أطلاله % حاشى لأطلالك أن تبلى )

( لم أبك أطلالك لكنني % بكيت عيشي فيك إذ ولى )

( والعيش أولى ما بكاه الفتى % لا بد للمحزون أن يسلى )

قال فما زلت أزمر له هذا الصوت واكرره وقد تناول منديلا بين يديه فما زال يبكي فيه وينتحب حتى رجع إلى منزله ولما احتضر المعتصم جعل يقول ذهبت الحيل ليست حيلة حتى أصمت ثم مات ودفن بسامرا وكان خلافته ثمان سنين وثمانية أشهر ويومين وكان مولده سنة تسع وسبعين ومائة وقيل سنة ثمانين ومائة في الشهر الثامن وهو ثامن الخلفاء والثامن من ولد العباس ومات عن ثمانية بنين وثمان بنات وملك ثمان سنين وثمانية أشهر فعلى القول الأول يكون عمره سبعا وأربعين سنة وشهرين وثمانية عشر يوما وعلى القول الثاني يكون عمره سبعا وأربعين وسبعة أشهر وكان أبيض أصهب اللحية طويلها مربوعا مشرب اللون حمرة حسن العينين وكان مولده بالخلدقار

وقال محمد بن عبد الملك الزيات يرثيه

( قد قلت إذ غيبوك واصطفقت % عليك أيد بالترب والطين )

( اذهب فنعم الحفيظ كنت على الد % نيا ونعم المعين للدين )

( لا يجبر الله أمة فقدت % مثلك إلا بمثل هارون )

وكانت أمه ماردة من مولدات الكوفة وكانت أمها صغدية وكان أبوها نشأ بالبندنيجين

ذكر بعض سيرته ص 70

ذكر عن أحمد بن أبي داود أنه ذكر المعتصم فأسهب في ذكره وأكثر في وصفه وذكر من طيب أعراقه وسعة أخلاقه وكريم عشيرته قال وقال يوما ونحن بعمورية ما تقول في البسر يا أبا عبد الله فقلت يا أمير المؤمنين نحن ببلاد الروم والبسر بالعراق فقال قد جاؤوا منه بشيء من بغداد وعلمت أنك تشتهيه

ثم أحضره فمد يده فأخذ العذق فارغا

قال وكنت ازامله كثيرا في سفره ذلك ذكر باقي الخبر قال وأخذت لأهل الشاش منه ألفي ألف درهم لعمل نهر كان لهم اندفن في صدر الإسلام فأضر بهم وقال غيره إنه كان لا يبالي إذا غضب من قتل وما فعل ولم يكن له لذة في تزيين البناء ولم يكن بالنفقة أسمح منه بها في الحرب

قال أحمد بن سليمان بن أبي شيخ قدم الزبير بن بكار العراق هاربا من العلويين لأنه كان ينال منهم فتهددوه فهرب منهم وقدم على عمه مصعب بن عبد الله بن الزبير وشكا إليه حاله وخوفه من العلويين وسأله إنهاء حاله إلى المعتصم فلم يجد عنده ما أراد وأنكر عليه حاله ولامه قال أحمد فشكا ذلك إلي وسألني مخاطبة عمه في أمره فقلت له في ذلك وانكرت عليه إعراضه عنه فقال لي إن الزبير فيه جهل وتسرع فأشر عليه أن يستعطف العوليين ويزيل ما في نفوسهم منه أما رأيت المأمون ورفقه بهم وعفوه عنهم وميله إليهم قلت بلى فهذا أمير المؤمنين والله على مثل ذلك أو فوقه ولا أقدر أذكرهم عنده بقبيح فقل له ذلك حتى يرجع عن الذي هو عليه من ذمهم

قال إسحاق بن إبراهيم المصعبي دعاني المعتصم يوما فدخلت عليه فقال أحببت أن أضرب معك بالصوالجة فلعبنا بها ساعة ثم نزل وأخذ بيدي نمشي إلى أن صار إلى حجرة الحمام فقال خذ ثيابي فأخذتها ثم أمرني بنزع ثيابي ففعلت ودخلت وليس معنا غلام فقمت إليه فخدمته ودلكته وتولى المعتصم مني مثل ذلك فاستعفيته فأبى علي ثم خرجنا ومشى وأنا معه حتى صار إلى مجلسه فنام وأمرني فنمت حذاءه بعد الامتناع ثم قال لي يا إسحاق إن في قلبي أمرا أنا مفكر فيه منذ مدة طويلة وإنما بسطتك في هذا الوقت لأفشيه إليك فقلت قل يا أمير المؤمنين فإنما أنا عبدك وابن عبدك قال نظرت إلى أخي المأمون وقد اصطنع أربعة فافلحوا واصطنعت أربعة فلم يفلح أحد منهم قلت ومن الذين اصطنعهم المأمون قال طاهر بن الحسين فقد رأيت وسمعت وابنه عبد الله بن طاهر فهو الرجل الذي لم ير مثله وأنت فأنت والله الرجل الذي لا يتعاصى السلطان عنك أبدا وأخوك محمد بن إبراهيم وأين مثل محمد وأنا اصطنعت الأفشين فقد رأيت إلى ما صار أمره وأشناس ففشل وإيتاخ فلا شيء ووصيف فلا معنى فيه فقلت أجيب على أمان من غضبك قال نعم قلت له يا أمير المؤمنين نظر أخوك إلى الأصول فاستعملها فانجبت فروعها واستعمل أمير المؤمنين فروعا فلم تنجب إذ لا أصول لها فقال يا إسحاق لمقاساة ما مر بي طول هذه المدة أيسر علي من هذا الجواب وقال ابن أبي داود تصدق المعتصم ووهب على يدي مائة ألف ألف درهم

وحكي أن المعتصم قد انقطع عن أصحابه في يوم مطر فبينا هو يسير رحله إذ رأى شيخا معه حمار عليه حمل شوك وقد زلق الحمار وسقط الشيخ قائم ينتظر من يمر به فيعينه على حمله فسأله المعتصم عن حاله فأخبره فنزل عن دابته ليخلص الحمار عن الوحل ويرفع عليه حمله فقال له الشيخ بأبي أنت وأمي لا تبلل ثيابك وطيبك فقال لا عليك ثم إنه خلص الحمار وجعل الشوك عليه وغسل يده ثم ركب فقال الشيخ غفر الله لك يا شاب ثم لحقه أصحابه فأمر له بأربعة آلاف درهم ووكل به من يسير معه إلى بيته

ذكر خلافة الواثق بالله ص 71

وفيها بويع الواثق بالله هارون بن المعتصم في اليوم الذي توفي فيه أبوه وذلك يوم الخميس لثماني عشرة مضت من ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين وكان يكنى أبا جعفر وأمه أم ولد رومية تسمى قراطيس وفيها هلك توفيل ملك الروم وكان ملكه اثنتي عشرة سنة وملكت بعده امرأته تدورة وابنها ميخائيل بن توفيل صبي وحج بالناس جعفر بن المعتصم وحجت معه أم الواثق فماتت بالحيرة في ذي الحجة ودفنت بالكوفة

ذكر الفتنة بدمشق ص 71

لما مات المعتصم ثارت القيسية بدمشق وعاثوا وأفسدوا وحصروا أميرهم فبعث الواثق إليهم رجاء بن أيوب الحضاري وكانوا معسكرين بمرج راهط فنزل رجاء بدير مران ودعاهم إلى الطاعة فلم يرجعوا فواعدهم الحرب بدومة يوم الاثنين فلما كان يوم الأحد وقد تفرقت سار رجاء إليهم فوافاهم وقد سار بعضهم إلى دومة وبعضهم في حوائجه فقاتلهم فهزمهم وقتل منهم نحو ألف وخمسمائة وقتل من أصحابه نحو ثلاثمائة وهرب مقدمهم ابن بيهس وصلح أمر دمشق وسار رجاء إلى فلسطين إلى قتال أبي حرب المبرقع الخارج بها فقاتله فانهزم المبرقع وأخذ أسيرا على ما ذكرناه

ذكر عدة حوادث ص 71

وفيها توفي بشر بن الحرث الزاهد المعروف بالحافي في ربيع الأول وعبد الرحمن بن عبيد الله بن محمد بن حفص بن عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر المعروف بابن عائشة البصري وإنما قيل له ابن عائشة لأنه من ولد عائشة بنت طلحة وتوفي أبو عبيد الله بعده لسنة وإسماعيل بن أبي أويس ومولده سنة تسع وثلاثين ومائة وأحمد بن عبد الله بن يونس وأبو الوليد الطيالسي والهيثم بن خارجة

وفيها سير عبد الرحمن صاحب الأندلس جيشا إلى أرض العدو فلما كانوا بين أربونة وشرطانية تجمعت الروم عليهم وأحاطوا بالعسكر وقاتلوهم الليل كله فلما أصبحوا أنزل الله تعالى نصره على المسلمين وهزم عدوهم وأبلى موسى بن موسى في هذه الغزوة بلاء عظيما وكان على مقدمة العسكر وجرى بينه وبين جرير بن موفق وهو من أكابر الدولة أيضا شر فكان سببا لخروج موسى عن طاعة عبد الرحمن وفيها توفي إذفونش ملك الروم بالأندلس وكانت إمارته إثنين وستين سنة وفيها توفي محمد بن عبد الله بن حسان اليحصبي الفقيه المالكي وهو من أهل إفريقية ( شرطانية ) بفتح الشين المعجمة وسكون الراء وفتح الطاء المهملة وبعدها نون ثم ياء تحتانية ثم هاء

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.